يناير 2011 بين ( الحلم و العلم )

محمد حسين يونس
2019 / 1 / 24

بتاريخ اول إبريل 2011 بعد حوالي شهرين من الإنتفاضة كتبت في الحوار المتمدن (( هذا النظام غير قابل للإصلاح )).
((الكوارث التي اصابت اليابان رغم قسوتها ( زلزال، تسونامي ، خلل في المفاعل الذرى )ورغم عدد الضحايا غير المسبوق والخسائر المادية ..الا انها لم تفقد الياباني ثباته والتزامه .. فرأينا جيش من البشر المنضبط في القيادة والتنفيذ يعمل بهدوء وثقه - رغم الحزن والالم - لانقاذ وطنه وذويه.
في المقابل مع انسحاب الشرطة من شوارع مصر ( وتونس ) تكونت بسرعة عصابات لنهب العام والخاص وبعضها لنهب عصابات النهب .. واخرجت الازمة كل ما هو قبيح وشرير .. القسوة ،الهروب من السجون ،البلطجة ،التكسب من مصائب الوطن ..
جيش من البشر المنفلت الزمام يتحرك بعربات صغيرة (تكاتك )، كان محظورا عليها التجول في الشوارع الرئيسية ، سيارات نقل ضخمة تسير في عكس الاتجاه تطلق أبواق عالية وتتسابق في الطرق بسرعات كانت تعتبر جرائم ، ميكروباصات تسير برعونة وتتسبب في حوادث مرعبة ، راكبي موتسيكلات يخطفون شنط السيدات دون ان يحرك رجل البوليس ساكنا ، حاملي اسلحة بيضاء يقطعون الطرق ويرعبون المارة ، المجاميع تسرق ماكينات صرف النقدية والمحلات الكبرى .. فوضي غير مفهومة وغير مبررة من شعب يدعي مثقفيه انه متحضر)).......
.......((المصرى خلال نصف قرن لا يزيد غير هويته وسياسته وافكاره اربع مرات ..فالمجتمع الليبرالي الذى كان يرأسه ملك ويحكمه حزب الوفد بنظام اقرب لديموقراطيات اوروبا، انقلب فيه العسكر ثم توحشوا بعد ان احتلوا مراكز اتخاذ القرار ليقود عبد الناصر بلده الي خراب بمغامراته غير المدروسة فكريا (القومية العربية، الديكتاتور العادل، الاتحاد القومي ثم الاشتراكي) وعسكريا (هزائم اليمن وسيناء )، واقتصاديا (راسمالية الدولة، خنق المبادرة الفردية، تحكم جيش الموظفين في كل وسائل الانتاج ) ......
......هزيمة 67 المذلة، أدت الى ان يخلفه من ينقلب علي سياسته، فيطرد السادات الخبراء الروس، يعلن ان 99% من اوراق اللعبة مع امريكا ، يحمل كفنه ويذهب الي القدس يعلن انه لن يحارب بعد اليوم ، يطلق وحوش الراسمالية الطفيلية من خلال الانفتاح تنهب مصر ، ويسلم عقل الشعب وروحة لاموال ودجل الوهابية داكا بنفسة كل التحصينات التي كان عبد الناصر قد اقامها لوقف المد الاصولي، وتحولت مصر في زمنه الي مستعمرة تحتلها (امريكا ،اسرائيل ، الوهابية السلفية ).....
....عندما اغتالته الوحوش التي مهد لها ..توافقت قوى الاحتلال الثلاثي علي ان يخلفه شخصا مطيعا محدود الذكاء والطموح معدوم الثقافة ليبق الحال علي ما هو عليه.....
.....خليفة السادات عندما شاهد اغتياله قرر رعبا تحويل مصر الي دولة أمنية تحكمها قوات البوليس السياسي من أمن دولة ورقابة ادارية وإعلام مضلل موال..
...وهكذا حكم مصر لثلاثين سنه عصابات من البلطجية و اللصوص تركت السرطانات الساداتية تنمو وتستفحل وتسود .. فاستولت الاصولية علي فكر وروح الشعب، والفساد علي اقتصاده والبلطجية علي امنه وامريكا واسرائيل علي ارادته الدولية والمحلية)).......
.......((الحوار الذى تجريه الحكومة مع فئات مختارة من الشعب المصرى تظهر مدى التشظي الذى حدث للمصريين بحيث يستحيل الاتفاق علي عقد اجتماعي معاصر، بين مناهج تطورت عشوائيا بعيدا عن بيئتها الاصلية فاصبحت تعبر عن مجتمعات غريبة إما موغلة في التخلف والنكوص او مبالغة في العصرية والطموح ..
هذا ليس غريبا فمثقفي مصر اكتسبوا خبراتهم من خلال انقلابات ايديولوجية متباينة خلال نصف القرن الماضي ( ليبرالية، ديكتاتورية، راسمالية دولة، راسمالية طفيلية، نهب وفساد وتسطح، خضوع للاستعمار الامريكي الصهيوني، استلاب اصولي وهابي، تلاعب بالافكار انتهازى تعلمه كوادره من الاتحاد الاشتراكي حتي الحزب الوطني ).. حوار لا يبشر باى عقد اجتماعي عدا حكم غوغائية الشارع الذى اصبح غابة الداخل لها مفقود))........
......((لقد نسي المصريون حب الوطن بل اصبحوا يكرهونه .. فهؤلاء الذين يسرقون الاثار ويعرفون ضعف أماكن تخزينها وإسلوب تسويقها هل يحبون مصر !..
هؤلاء المنتمين الي جماعات ممولة من البترودولار الوهابي يحرقون بلدهم بنزاعات طائفية من اجل حفنه دولارات هل يحبون بلدهم !..
هؤلاء الذين يطلقون بلطجيتهم المدربين علي مهاجمة اقسام الشرطة والسجون وتحرير المسجونين هل يحبون الوطن !
هؤلاء الذين لا يعملون واذا عملوا لا ينتجون واذا انتجوا جاء انتاجهم متخلف عن السوق بسبب الاهمال والجهل هل يحبون عملهم !..
لقد حدث تشوةا واضحا في سلوكيات وتوجهات الانسان المصرى بسبب حكم متواصل لعسكر استولوا علي السلطة دون مبرر ولسبب غير مفهوم رغم ان تاريخهم لا يحمل الا الهزائم والنكوص))........
.......((كشف المستور الذى أصبح حديث المصريين ، وتوالى سقوط أعضاء العصابة ، لا يعنى ان الأمر قد انتهى ، أو أن أعضاء الجهاز البيروقراطى سوف يتغيرون ، أو أن تصحوا ضمائرهم فجأة ، أو أن آلة الانتاج سوف تخرج منتجات منافسة ،إنها معركة ( كما قال أحد السلفيين) بين "فسطاط" الاستعمار الثلاثى والبلطجة والفساد و"فسطاط" الحداثة والمعاصرة)).
نعم (( هذا النظام غير قابل للإصلاح ))...هذا ما كتبته منذ ثمان سنوات... ولم يتغير حتي اليوم ..
كنت أحلم .. و أرجو أن نخرج من تلك البحيرة الراكدة الأسنة التي علقنا فيها منذ زمن الخديوى توفيق و الإستعمار البريطاني و نهب صندوق الدين ..
كنت أحذر من ..أن النظام الذى أرساة السيد الرئيس أنور السادات .. و حافظ علية السيد الرئيس مبارك .. لم يتغير .. إلا في كونه زاد تمكنه من رقاب الشعب .. و تعلم من تجربته كيف يحافظ علي تواجدة دون معارضة .. و علي إنضباط المحكومين و صمتهم مستعينا بالقانون و الشرطة والمواليين من رجال الأديان .
لقد إستسلم المصريون .. لما تصوروه قدرا .. إستسلموا لآليات التحكم فيهم و فقدوا الأمل في تكرار ما حد ث في يناير 2011 رغم كونهم يعانون اليوم الأمرين من العوز و الفقر والفقد الفكرى للعقلية المعاصرة ..بأكثر مما كان حالهم قبل الإنتفاضة .
بالأمس قال السيد الرئيس السيسي في الإحتفال بعيد الشرطة ..((التحية للشعب المصرى الذى يضحى بأبنائه فى سبيل الدفاع عن مصر، وأيضا لتحملهم لإجراءات الإصلاح الاقتصادى شديد القسوة)).
و أنا مثل سيادته أحي ابناء مصر الذين قتلوا و جرحوا في ميدان التحريرو ماسبيرو و امام مجلس الشعب .. ومن واجهوا العدوان علي الكمائن بسيناء و الوادى و حتي في واحات الصحارى الغربية .. و من إغتالتهم يد الإثم في الكنائس و الجوامع .. ومن سقطوا صرعي علي يد مليشيات الحكومة في المظاهرات ....ومن نالهم غضب و تعذيب أمناء الشرطة بالأقسام .. لقد سالت بحور من دماء عزيزة .. و صاحبها أحزان عميقة لا تتوقف .. و ذكريات دامية طالت الجميع
و لكنني لا أرى أن ما أصاب الناس من قسوة إجراءات الإصلاح الإقتصادى كان تحملا شجاعا ..
سيكون شجاعا لو أنهم كانوا يعرفون مخاطرة و إختاروا من بين عشرات الإقترابات و الخطط طريقة.. بإرادتهم ..لقد صحوا في يوم فوجدوا أن قيمة الجنية قد تضاءلت للربع وأن كل تكاليف المعيشة قد تضاعفت مرات و مرات ..و مع ذلك لم يظهروا غضبهم و إنما إلتحفوا بعباءة الإستسلام لقد إستسلموا ... يا سادة .
إن ما حدث ببساطة أنهم قد فقدوا الثقة في أنفسهم .. وفي قدرتهم علي التجمع في أحزاب فاعلة .. أو في إمكانية الإختيار الحر بين برامج الخروج من البحيرة الأسنه لبراح البحر العالي ... إن نصف قرن من الإستلاب كان كافيا لأن يتركوا شراع مركبهم تدفعه الريح بعشوائية تدور به في دوامات السقوط و الإنهيار .. دون إرادة منهم للنجاة أو التغيير .
((اليوم حرام فيه الكذب)).
لقد إنتهي الأمربعد ثلاثة أسابيع من الصياح و الرفض .. إلي عودة تحالف من لا ينتجون .. فقهاء الدستور و تجار الدين و أصحاب الفتوى و رجال الأمن ..كما لو كنا نشتاق لأليات زمن القرن الثامن عشر حين حكم المماليك و الإنكشارية العثمانية.. شعبا مستسلما خاضعا .. منهوبا.
المصريون شعب مبتلي بالتوهه يرون بلادهم تسرع نحو هوة الإفلاس بتوصيات البنك الدولي و صندوق الدين .. و أطماع من يسمونهم مستثمرين أجانب ويتلاسنون حول من ينعمون بنزح ثروات الوطن .. و يعرفون من التاريخ مصيرهم .. فلقد عاينة الأجداد في زمن الخديوى إسماعيل وولدة توفيق وذاقوا مرارة تحكم صندوق الدين .. و مع ذلك لازالوا يتناقشون ..يتصارعون ..و يتضاربون ..في سلوك من فقد الإتجاة.. يتنازعون حول كينونتنا وهل نحن مؤهلون لان نكون من البشرنعيش في ظل الحرية و الديموقراطية وحقوق الإنسان أم أن قدرنا أن لا يفارق الخوف قلوبنا و الكرباج ظهورنا .
هذه هي حصيلة.. هبة الناس يوم 25 يناير 2011 .. من إستكان و لم يغضب و ينزل للشارع معارضا .. نال بعض من الخير ..و أصبح يتحكم في مصائر البلاد والعباد ..
و من كان إيجابيا و إنتفض .. إما غادرنا موتا أو سجنا أو هربا... أو يعيش اليوم مهزوما ،حزينا ، مكلوما ، متضررا .. في مجتمع مبتلي بالإنفصام و نظام غير قابل للإصلاح ..مستسلما لقدر يتصور أنه يضطهده دون مبرر أو سبب لكونه مصريا .
كل عام و حضراتكم تتذكرون ثلاثة أسابيع في عام 2011 كان الشعب فيها سيدا.. وتسكنون منتظرين أقدار الأسوأ.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول