لن نسمح للفكر المظلم أن يسيطر على مجتمعاتنا

فلورنس غزلان
2019 / 1 / 23


عندما يحكم الدواعش على مواطن " سوري أو غير سوري" ــ رغم كونه ينحدر من الإسلام السني غالباً ــ ، فغن أحكامهم تعود إلى آيات من القرآن تبرر فعلتهم القذرة بتحليل قتل " النفس التي حرم الله"، كما أن ديكتاتوريات العالم العربي والإسلامي تحتضن تحت إبطها " علماء دين يهتفون ويفتون لسلطة الديكتاتور استناداً لآيات من القرأن تبيح لهم ارتكاب جرائمهم وتمهد لهم عند عامة الناس البسطاء كما فعل " حسون " و لازال مع نظام الأسد ، وكما يدعم كثير من علماء الإسلام السياسي هذا النظام أو ذاك تحت غطاء ديني ينفذ مشاريع تلك السلطات داخل وخارج البلاد ...يعبث بحياة الشعوب ومصائرهم ، كما فعل كثيرون وبذلوا جهودهم ومعارفهم الدينية في تخريب وتشتت قوى الثورة السورية وتدميرها من الداخل مستخدمين " البترو دولار" مع فتاوي تبيح القتل والتعذيب بإصدار فتاوي تكفيرية بحق أبناء وطننا ممن يرفضون تدخل الآخر في شؤونهم...ولكم في القرضاوي و العرعور والعريضي وغيره من أئمة الوهابية والأخوان المسلمين ماهب ودب من الأسماء ...لاداعي لذكرها وحصرها فهي معروفة لديكم.كان جل همها عسكرة الثورة وتجييرها لتحتكم إلى أولياء المال والممولين وتسحب منهم حقهم في القرار السياسي واستقلاليته. وباعتقادي أن النتائج واضحة والدروس والعِبَر باتت بين أيديكم، وماعليكم إلا إماطة اللثام عن الغشاوة ،التي وضعها هؤلاء على أعينكم لإحباط الثورة، فكيف يريدون لثورة هدف أهلها الديمقراطية والدولة المدنية " العلمانية" ، التي تساوي بين مكونات سوريا على اختلاف انتماءاتهم المذهبية والإثنية، فمعنى هذا تقويض سلطانهم وتهديد وجودهم.
ففي القرآن الكريم ، هناك آيات جاءت في فترة كان يحاول الإسلام أن ينتشر في بداية الدعوة المحمدية، منها ماهو مكي ومنها ماهو مدني، وجميعها جاء لتبرير حرب المسلمين مع " اليهود وقريش تحديداً " والذين كانوا ينقضون العهد مع محمد في كثير من المواقف...فجاءت آيات سميت بآيات " السيف" تحض على استخدام القتل والعنف بحق من يقاتل الإسلام والمسلمين حين بدأوا في التوسع ونشر الدين ، نذكر منها :ــ من سورة التوبة آية(29 )" قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ماحَرَّم َالله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون".
هذه الآية جاءت لتبرير قتل من ينقض العهد آنذاك ،ويجبرهم باعتبارهم يعيشون تحت ظل الحكم الإسلامي وتحميهم " دولة الإسلام " على دفع الجزية مقابل الحماية وعدم خوض حروب ماسمي " بالفتوحات"، أما اليوم فبيننا وبين تلك الآيات 14 قرناً ، لسنا في حرب دينية مع أحد ولا يشن أحد حرباً علينا ، فكيف نسمح بارتكاب جرائم بحق أناس نعيش بينهم ونأكل من خيرهم ، يُقتلون لمجرد أنهم يختلفون عنا في الدين ، علماً أنهم من أهل الكتاب ، كما حدث من تفجيرات في فرنسا في الثالث عشر من نوفمبر عام 2015 وقبلها ضد مجلة " شارلي إيبدو" وفي بريطانيا وفي نيس > جنوب فرنسا، وفي ألمانيا، كلها جرائم ارتكبت باسم الإسلام وتحت يافطة دين يشرع حملته من الدواعش والقاعدة ومن شابههم في الفكر الأسود ، من الذين يعادون كل إنسان لاختلاف مذهبه وعقيدته ، يفتون ويبيحون لأنفسهم أن يقتلوا بدم بارد حتى مواطني بلدهم الذين يعيشون معهم تحت سقف واحد يربطهم معهم تاريخ طويل ويجمعهم وطن واحد ، ولو عدنا لكثير من الأيات التي تمنع وتحرم إرتكاب مثل هذه الجرائم لوجدنا الكثير ، مثل :ــ " يا أيها الذين آمنوا ، آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي ،نزلَ على رسوله ( أي القرأن)، والكتاب الذي أُنزٍلَ من قبل ( الانجيل والتوراة) ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالاً بعيدا "
كما أن هناك بينات أخرى توضح لمن يدرك و تدعو إلى التعامل بالحسنى وتحريم القتل كما جاء بقوله تعالى:ــ " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قُتِلَ مظلوماً ، فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا"
السؤال : كيف أباح القتلة والمجرمين لأنفسهم واستغلوا آيات لازال نصها موجوداً ومنسوخاً لكن الحكم بها توقف لبطلان الحدث والزمن ، فكيف نشن حرب على أفراد يعيشون في بلادهم ونتقاسم معهم منتجاتهم ونأكل مما ياكلون ، لم يأتوا إلينا كغزاة !، من الذي يجب أن يتصدى لمن يعمل بهذه الآيات؟ أليسوا علماء الإسلام هم المسؤول الأول عن هذا التصدي كي يوقفوا مهزلة استخدام مثل هذه الأيات لمجرد أن نصها لازال موجوداً!، والمثقفون منا أليسوا مدعوون لتناول مثل هذه الأفكار ، التي زُرعت بيننا ووجدت تربة صالحه لتنتفخ وتكبر كسرطان يهدد مستقبلنا ومستقبل بلادنا؟
السبب واضح يأخذ هؤلاء القتلة بآيات من نفس النوع الأول الذي يحض على العنف ، وإن بادرت لمحاولة التوضيح والتنويه، لأني أرى أن علماء الإسلام يلزمون صمتأ مطبقاً أمام أعمال القتل والعنف المرتكبة باسم الإسلام ، بل ويرفضون التبرؤ منهم أو إخراجهم من الملة ومحاربتهم بالفكر النظيف، المنفتح على الكون وتبادل المعارف والعلوم معه، وتفنيد الحجة بالحجة، ــ أعترف أني لست ضليعة بالفكر الإسلامي ــ ، لكني أستخدم معرفتي المتواضعة وفهمي الخالي من الشوائب والتأثيرات المغرضة سياسياً ومذهبياً ، والتي لاتصب إلا في مصلحة تفتيت الأوطان وتمزيق لحمة أبناء الوطن الواحد والعبث بعقول البسطاء والأطفال وتجنيدهم في أعمال عنف وقتل ، بدلا من تنمية مواهبهم وتعليمهم بما يتناسب وعصرهم ...لا إعادتهم لقرون انتهت ولحروب لايفهمون ولا يعرفون لماذا ترتكب بحق أُسر مثل أسرهم وأطفال من نفس أعمارهم!..
سأطرح أمامكم بعضاً من هذه الآيات، والتي يجب أن نتصدى لتطبيقها والحكم بها حالياً والأخذ بنصها مع أن هناك نصوصاً أخرى جاءت تدعو للعمل الصالح والمغفرة والتسامح يفترض أن تلغي عمل الأيات الداعية للعنف والقتل مثل :ــ " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم "
و" فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، فخلوا سبيلهم، إن الله غفورٌ رحيم " ــ التوبة 5
" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قومِ مؤمنين" 114
هذه الآيات تحرض على القتل والتشفي وكأن صدور المؤمنين يجب أن تكون محملة بالحقد والكراهية!
لكنها جاءت أثناء حرب طاحنة مع بني قريضة وقريش إلى أن استتب أمن دولة الإسلام في المدينة وإلا لما قال عن عدم مقاتلتهم في الأشهر الحرم وعند البيت الحرام إلا إذا شنوا على البيت الحرام حرباً!، مثل قوله تعالى:ــ " واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل، ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين"البقرة 191
هذه الآيات موجودة لكن نصها لايجبر المسلم على الحكم بها لانتهاء صلاحيتها التاريخية...
فمن جاء يقاتل المسلمين عند البيت الحرام؟ فلماذا يقتل الآخر في عقر داره وبيته وعمله؟

وبدلاً من الحكم بهذه الآيات الميتة تاريخيا وعملياً علينا أن نستبدلها بما يفتح أمامنا سبل التعايش بسلمية مع الآخر والأخذ بما يدعو للتسامح والتواصل على أساس الاحترام للعقيدة والإنسان والعلاقات البشرية.
نكتفي بالحكم بآيات أكثر عقلانية وحداثية تناسب العلاقات الإنسانية والأخوية خاصة بين أبناء الوطن الواحد مثل قوله :ــ" لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لاانفصام لها والله سميع عليم".البقرة /25
ثم قوله :ــ" ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن "
وكذلك :ـ" ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "
" وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " وأيضاً ، " وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ــ الكهف
و" لكم دينكم ولي دين " ــ الكافرون
هذا غيض من فيض حقائق مُرَّة عشناها ومازلنا نرزح تحت سياط جلدها لمجتمعاتنا وتفتيتها لعلاقاتنا ببعضنا، وتشويه صورة الدين وكأنه وُجد ليقتل وينتقم ويٌصور الله وكأنه بلا محبة ولا رأفة، وينتظر زلاتنا ليعاقبنا ، صور مشوهه تضعها معلمة جاهلة في عقل طفل يرتجف ليلا ويبول في فراشه رعبا وخوفاً، وصورة أخرى نرى فيها طفلا في الرابعة يشهر مسدساً ليقتل صحفياً أجنبياً، وصور من أرشيف ذاكرتنا نرى فيه حالنا وقد غرقنا في وحل الدين الصوري الاجتماعي الخالي من العمق والوضوح الجاري وراء المظهر السطحي لإيمان يبيح أحدهم لنفسه أن يسرق ويقتل ويكذب وو ...وبنفس الوقت يهرع إلى المسجد وقت الصلاة متبارياً مع جاره في سبق المشهد الظاهري...هذه حالنا المريضة وعلاجها لا يأتي إلا على أيدينا ومنا...فأرجو أن لا أكون قد أزعجت وهززت فيكم ماتريدونه أن يظل نائماً...فالصحوة الآن خير من الغد .
فلورنس غزلان ــ باريس 23/01/2019

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت