شيخ الازهر وبناء الكنائس

رفعت عوض الله
2019 / 1 / 16

شيخ الازهر وبناء الكنائس

في ليلة عيد الميلاد ذهب الرئيس عبد الفتاح السيسى وفضيلة الامام الأكبر لتهنئة المصريين المسيحيين بالعيد وافتتاح مسجد الفتاح العليم ، وكاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة .
القي فضيلة الامام الأكبر شيخ الجامع الازهر كلمة في هذه المناسبة الجليلة جاء فيها ان الإسلام او دولة الإسلام ضامنة شرعا لكنائس المسيحيين ،وان معظم كنائس مصر بُنيت في عهد المسلمين .
استوقفني ما قاله الشيخ الجليل عن ضمانة الإسلام للكنائس ، وان معظم الكنائس بُنيت في عهد المسلمين ، لذا قمت برحلة تاريخية في تاريخ منطقتنا منذ مجيئ العرب والمسلمين وانتزاعهم الحكم من يد الدولة البيزنطية في القرن السابع الميلادي .
حين انتشر الإسلام في شبه جزيرة العرب ،واصبح للمسلمين دولة وعاصمة هي المدينة ، رأي الرسول الكريم انه لا يجتمع دينان في بلاد العرب لذا عمد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لإخلاء الجزيرة العربية من اليهود والنصاري ، فأخرجهم من نجران ومن اليمن وفدك لكي تكون الجزيرة خالصة للمسلمين .
وحين تم للعرب المسلمين غزو العراق والشام ومصر ، وطرد البيزنطيين منها وبالتالي حكم تلك البلاد ، كانت شعوب البلاد المغزوة تدين بالمسيحية ، وكانت الكنائس منتشرة في كل مكان . ظهرت ما تٌسمي بالعهدة العمرية نسبة للخليفة عمر بن الخطاب ، فيها نصوص علي عدم بناء كنيسة ، ولا حولها ديرا ، ولا قلاية ، ولا صومعة .
لشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب شهير يحمل عنوانا لافتا " احكام اهل الذمة ".
فيه يستند علي " العهدة العمرية " فيقول : " بخصوص الكنائس المسيحية في البلاد التي يحكمها الإسلام ،الكنائس ثلاثة اقسام : 1- منها مالا يجوز هدمه 2 - منها ما يجب هدمه
3- منها ما يفعل المسلمون فيه الاصلح .
الخلاصة ان الكنائس القديمة الموجودة قبل الغزو الإسلامي ستبقي ، مع عدم السماح ببناء كنائس جديدة ، وكل الكنائس التي يُنيت بعد دخول المسلمين يتم هدمها .
ويستشهد ابن تيمية في كتابه المذكور بالخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز الذي امر واليه علي اليمن بهدم الكنائس الموجودة بأمصار اليمن ،ففعل الوالي .
وكذلك فعل الخليفة العباسي هارون الرشيد اذ امر بهدم ما كان في سواد بغداد من كنائس .
وحينما تولي الخلافة العباسية الخليفة المتوكل الزم اهل الكتاب بشروط العهدة العمرية ، فأفتي فقهاء عهده بهدم الكنائس والبيع .
ورُوي عن ابن عباس انه قال : " أي مصر " مدينة " مصرته العرب " المسلمين " فليس للعجم " اى اهل الذمة " ان يبنوا فيها كنيسة ، ولا يضربوا ناقوسا ، ولا يشربوا خمرا .
يقول ابن القيم الجوزية في كتابه " احكام اهل الذمة " في الجزء الثالث : " حكم هذه الكنائس هو الهدم سواء كانت تلك الكنائس قديمة او مستحدثة ".
يذكر المؤرخ المسيحي " ساويرس بن المقفع " في كتابه " سير الآباء البطاركة " ان عمرو بن العاص احرق بعض كنائس الإسكندرية اثناء دخوله المدينة ومنها كنيسة مار مرقس الكبرى .
جاء في موسوعة تاريخ اقباط مصر : "بدخول العرب القدس تقلص نفوذ الحكم الروماني بعد ان خفقت اعلامه زهاء 600 سنة ، وزالت اثار حمايتهم للاماكن المقدسة . ففي عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله تم محو معالم الكنائس من علي وجه الأرض . فقد امر بتدمير كنيسة القيامة سنة 1099 م .
جاء في كتاب تاريخ الكنيسة القبطية نقلا عن المقريزي : "ان الغوغاء المسلمين كانوا يتحولون في الكثير من الأحيان ، وبعد صلاة الجمعة إلي وحوش كاسرة يدمرون ويحرقون وينهبون الكنائس ".
وهناك كتاب يحمل عنوانا ذا دلالة بليغة " النفائس في هدم الكنائس " لأبن الرفعة أبو عباس الانصاري الشافعي ، فيه يقول : " ان المسلمين قسموا أراضي الكنائس الي :
1 - ارض الصلح 2 -ارض العُنوة وهي ما اخُذت بالقوة
اما ارض الصلح فهي ما صولح عليها الكفار كنائسها تبقي ، اما ارض العنوة فتُهدم كنائسها .
هذه امثلة تبرهن وتدل علي عكس ما ذهب اليه فضيلة الامام الأكبر فلم يكن الإسلام ولن يكون ضاما لكنائس المسيحيين . والتاريخ يقول ان كنائس المسيحيين لم تُبني في زمن دولة الخلافة فهي موجودة قبل الإسلام ، والذي بُني منها بعد الإسلام كان نادرا جدا وتم خصوصا في زمن الخلافة الفاطمية لمصر .
علي ان موقف الإسلام والمسلمين من اتباع الأديان الأخرى ليس فريدا ولا هو خاص بالإسلام . هو موقف يتكرر عبر التاريخ من أصحاب الدين الغالب والحاكم .
حين تحول الوثنيون الي المسيحية اضطهد المسيحيون من بقي علي وثنيته ، وهدموا معابد الوثنيين.
وفي أوروبا المسيحية اضطهد المسيحيون حكاما ورعية اليهود ، بل حين ظهرت البروتستانتية اضهد البروتستنانت الكاثوليك في إنجلترا البروتستانتية ، واضطهد الفرنسيون الكاثوليك الفرنسيين البروتستانت ونكلوا بهم تنكيلامروعا .
وهنا درس التاريخ الدولة الدينية دولة عنصرية لا يمكنها الا الانحياز لدينها وللرعية التي علي دينها ، وبالتالي تمارس تمييزا واضطهادا ضد الرعية التي علي دين اخر ، وتعمل بكل طاقتها لمحو الدين الاخر .
من هنا فان الدولة الحديثة التي ننادي بهاهي دولة مواطنين متساوين في كل شيئ بغض النظر عن الدين .... وهذا يعني ان الدولة الحديثة لا دين لها ، الدين شأن من شؤون مواطنيها عليها ان ترعاه وتمكن كل فصيل ديني من ممارسة عبادته دون مضايقة من فصيل اخر .
لذا يا فضيلة الامام الأكبر الدولة المنشودة ليست دولة الإسلام

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي