خماسيات التدمير الذاتي في المؤسسات العراقية اليوم

سفيان منذر صالح
2019 / 1 / 7


ان التخطيط الفعال هو الذى يهتم أولا بالحقائق و يستخدمها في التأمل ويربطها ببعضها البعض لتكوين النشاط الضروري لانجاز النتائج التي تؤدى إلى بلوغ الغايات المطلوبة من وصف النظام ، فالتخطيط الفعال يعتمد على الحقائق وليس على الأماني و الانفعال ، وتتم جمع الحقائق المتصلة وتحليلها على ضوء الموقف الذي تظهره هذه الحقائق، ويتم وضع الأنشطة واستبعاد المعوقات القائمة و التأكد من أنها أخذت في الاعتبار عند وضع الخطط والتزود بالإمكانيات للتغلب عليها. يخفض التخطيط العمل الغير منتج إلى أدنى حد، فالجهود التي ستبذل تدرس وتختار بكل دقة وعناية بحيث يقتصر الاستخدام على تلك الجهود الضرورية وبالمقادير الصحيحة لتحقيق العمل المحدد، ويبين التخطيط مقدما جميع الموارد اللازمة استخدامها كما و نوعا ويعمل على الاستغلال الأمثل لها وبذلك يمكن الاستعداد لكل الظروف والاحتمالات( المتغيرات الدورية العرضية الفجائية ) والتي تصيب النظام العامل للوصول الى النتائج المرجوه من اقامته .
أن النجاح في الحياة ثمرة من ثمار التخطيط الناجح، أما الفشل فيعود لغياب التخطيط للمستقبل وعدم وضوح الأهداف وغياب أية رؤية لاستشراف آفاق المستقبل، فكثير من الناس من يعيش بطريقة عشوائية، وبالتالي من يبدأ يومه من دون تخطيط فهو يضع قدمه علي طريق الفشل، فكم من يوم اكتشفنا في نهايته أننا لم ننجز شيئا يذكر، ليس لسبب سوى أننا لم نحسن ترتيب أولوياتنا. وترجع أهمية التخطيط للمستقبل ، إلى أنه يساعد على تحديد الاتجاه، ويجعلك مستعدا للخطوات القادمة، كما أنه يحدد الخطوات اللازمة للوصول إلى الهدف، حيث ان سبب عدم تخطيط البعض للمستقبل، نتيجة لتفاؤلة المفرط عن الوضع الحالي، وعدم قدرتة على رسم الخطط ، وعدم معرفتة بالأولويات وترتيبها حسب الأهمية، لذلك كل من يبحث عن الأفضل لابد له أن يعرف أين هو وأين يريد الوصول من خلال كتابة الوضع الحالي الذي يعيشه وتسميته بالنقطة «أ»، والوضع الذي تتمنى أن تكون عليه مستقبلا وتسميته بالنقطة «ب» لمعرفة ما يحتاجه من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» للوصول إلى التخطيط الصحيح وأدواته، إلى ذلك فإن تحديد الهدف مهم، فالإنسان بلا هدف كسفينة بلا دفة، كلاهما سينتهي به الأمر الى الصخور، وأن الهدف الجيد تتوفر فيه مواصفات مثل:«محدد، قابل للقياس، قابل للإنجاز، واقعي، محدد بزمن»، وبذلك يختلف عن الأمنية.
مما تقدم نتوصل الى ان هدف التخطيط هومستقبلي بأنتاجية وبكل معانيها ومهما اختلفت الانشطة والمسميات لهذة المؤسسة او تلك ( الربحية او غير الربحية) ، حيث ان الانتاج هو عماد من اعمدة الاقتصاد الثلاثة ( الانتاج – الاستهلاك – التوزيع)، وان الخلل اليوم في العملية التخطيطية الادارية الاقتصادية ،يقع عندما تضرب اي من هذة الاعمدة ، والقاعدة الاساس في توافق هذة الاعمدة وبقائها فاعلة في رفع سقف المؤسسات وبدون التوازن بين هذة الاعمدة يقع توازن الاقتصاد في ازمة كبيره وخاصة في هذة الايام حيث ان مؤسساتنا العراقية بأمس الحاجة في الدخول في ظل التنافسية الاقتصادية العالمية وبشتى المجالات وعلى كل النظم .
ان الثقافة العراقية اليوم ثقافة استهلاك وربما يكون هذا عاملا ايجابيآ محفزآ لمزيد من التخطيط المستقبلي في الانتاج المبرمج وفق طرق علمية سليمة ،والذي يرافقة التخطيط الاداري الكفوء وبشتى انواعة للوقوف على هندسة للعملية الادارية عالية المستوى من قبل القائمين على النظام ، وبالتالي تحقيق الرفاهية والتنمية على الامد القريب ، الا ان تصاعد حلزون الاستهلاك ادى الى رفع عامل المفأجاة الاقتصادية (مستقبلآ في العراق ) والذي يعتمد على اقتصاد احادي الجانب ذو القطب الواحد ريعي نفطي وبنسبة تكاد تكون 97.8 كما اشارت الية وزارة التخطيط في موازنتة للسنوات السابقة والحالية وعدم تنوع في مصادر اقتصادة واعتمادة على الاقتصاد الاخضر في تنويع مصادر دخلة ، وخاصة بعد ظهور النفط الصخري والطاقة المتجددة وغيرها من انظمة ISO14001 الخاصة بالبيئة وبتعليمات الوقود الاحفوري ، مما قد يناقص العائدات النفطية مستقبلآ .
لا يبدو ان ثقافة العربية المجتمعية اليوم ومنها ( العراقية) تتجه لتكون ثقافة عمل ، ومن الواضح ان مجتماعتنا لا زالت في تدهور واضح نحو مزيد من الاتكالية والمزيد من الكسل ، فثقافتنا اليوم تتجه نحو مزيد من الاستهلاك ومزيد من الترف الفارغ ، ولكي تساهم ثقافتنا جديآ في تحولنا نحو الاستدامة وبأعمدتها الثلاثة "عمود البيئة، وعمود المجتمع، وعمود الاقتصاد"، ينبغي ان نتحول الى ثقافة عمل وجهاد حياتي ومثابرة واحترام للعمل المخطط ومستلزماتة من انتاج وتوظيف وتسويق وبناء للاستراتيجيات باليات تحقيقية فعالة لمتطلبات الاتقان في العمل والرصانة النوعية ، لذا فأن ابداع اي مؤسسة لا يبنى في طحن الهواء وأجترار للماضي .
مما تقدم فأن مهام اغلب مؤسساتنا اليوم في العراق ، هو الانتاج والربحية بمعناه اللفظي المجرد او التعبيري المجازي ، ومهما اختلفت مدخلات ومخرجات ذلك النظام ، لذا علينا بناء منظومة ثقافة مجتمعية تبدأ من قاعدة الهرم المجتمع وتنتهي برأس الهرم للمستويات العليا ، وان بناء هذة المنظومة يكون وفق ستراتيجيات مكتوبة ، واختيار الاليات المناسبة لتحقيق دالة هدف النظام المشروح سابقآ ، بالابتعاد عن خماسية التدمير الذاتي المتبعة اليوم في اغلب مؤسساتنا العاملة الحكومية او الاهلية والتي سوف نقوم بذكرها في ادناه :
1. الاسترخاص في التوظيف : استرخاص العاملين في المؤسسات ونقابية بشتى انواعها والتحزب نحو اختصاص ما وما شابهه ... الخ ، واسناد مهام الى عاملين من غير ذو الخبره باختصاص العمل .
2. عدم الاستعانة بأهل الخبرة والاستعانة بأهل الثقة : تعد هذة المرحلة من اهم مراحل التدمير الذاتي اليوم والمتبعة في اغلب المؤسسات العراقية بل وتعد السبب الرئيس في خراب العديد منها ،بسبب عدم ثقة الكوادر الادارية العليا بأهل الخبرة والاستعانة بأهل الثقة ، ويا حبذا لو توفرت الاثنين معآ ، وان لم تتوفر فأن الحل في هذا المعضلة بتفعيل الحوكمة واجراءات وسياسات المراقبة والمتابعة والتخطيط .
3. عدم التفويض والمركزية في القرار : تُعرف المركزية على أنها حصر المهام والمسؤوليات والوظائف في نقطة واحدة، أو شخص واحد من المؤسسة كصاحب العمل أو المدير، فيما تعتبر اللامركزية فلسفة للتنظيم والإدارة ، ولها عيوب نذكر منها :
أ- لا تشجع على الابتكار وروح المبادرة، حيثُ إنّ النظام المركزي يتصف بالجمود من حيثُ صعوبة الأخذ بالاقتراحات، وإحداث التغييرات التي تصطدم بالبيروقراطية.
ب- انشغال القياديين في السلطة المركزية بأمور ثانوية على حساب الموضوعات الحيوية والرئيسية.
ج- تحول المركزية دون اتخاذ قرارات ملائمة لطبيعة وظروف العمل والإدارات، مما يؤدي إلى فشل النظام في تحقيق أهدافه.
د- البطء في إنجاز المعاملات نتيجة للروتين الإداري والتعقيد، بسبب كثرة الرئاسات في الإدارة المركزية.
ه- سلاح في يد القائمين عليها، إذ إنها قد تشكل وسيلة الضغط على الموظفين والعاملين، عن طريق التعطيل في تصريف الأمور بسوء نية، ذلك أنّ الإدارة المركزية تولِّد بطئًا في سير العمل والإدارة، وتؤدي إلى تراكم القضايا أمام الإدارة المركزية، وهذا العيب يترتب على العيب السابق المتعلِّق بالبطء في الإنجاز، مما يؤدي إلى تأخر البت، وإلى صدور قرارات قد تكون عاجلة غير مدروسة، كما أنها تؤدي إلى وحدة تامّة في الحلول التي توضع لمعالجة الأمور كافة، بمعنى أنها تضع حلولاً موحّدة لقضايا قد تكون مختلفة، دون الاهتمام بالأوضاع والظروف الخاصة لكل منها.
و- الأسلوب غير الديمقراطي.
ي- بطء اتخاذ القرار وتنفيذه.
ن- عدم مراعاة ظروف كل فرع أو قطاع من قطاعات العمل، حيثُ إنّ الظروف المحيطة قد تختلف، وبالتالي فإنّ القرارات لابد أن تكون مبنية على أساس من هذه الظروف المحيطة، وبالتالي يكون هناك نوع من العدل في اتخاذ القرارات ومحاسبة المقصرين، ومكافأة منْ يستحقون المكافأة.

4. غياب الهيكل الاداري واختراقة وله نوعان :
• مدير بأدارة تتعمد تغيب الهيكل الاداري والنظام وتعتمد على المركزية ومصدر القوة في تسيير الاعمال والعمل والاعتماد على تقارير التي ترفع للادارة بشخصنة والتي تكون عدائية او بمحسوبية ضد او مع ، والهدف من هذة المرحلة لتكوين قوة بتأثير عام على المؤسسة من قبل تلك الادارة التعسفية .
• تخريب واختراق الهيكل الاداري (Subversion) بتأجيج العاملين تحت ادارة شخص ما للتخلص منه لاحقآ طبيعيآ ، والتغلغل والاختراق (Penetration) والتآمر، وفى أحوال أخرى لها مسميات اخرى عديدة .
5. تعامل مع المؤسسة كأنها مكينة صرافة ( Exchange machine ATM) ، المؤسسة لها شخصية اعتبارية لذلك ينبغي على القائمين مراقبة هذة المؤسسات من الحسابات الختامية والدورة المالية والتخطيط المالي ككل .

وأخيرآ .... المستقبل كلمة قد تسعد البعض منا، وقد تكون شبحاً مخيفاً لآخرين، والتخطيط له، هاجس الفكر البشري منذ الأزل فترانا دائماً نراقب كل أحداث حياتنا، لتخيل ما يخفيه الغد بين طيات سطوره، لكن رغم ذلك يبقى التخطيط للمستقبل هو السعي للوصول إلى نقطة محددة الملامح وتحديد الهدف، وخطوة أساسية تؤدي إلى النجاح الذي نطمح لتحقيقه، عبر كل ما نقوم به، ويعتمد على الطموح والترتيب المسبق لكل خطوة نقوم بها. ولا بد من دراسة وافية له حتى لا نتعثر بوسط الطريق، وبالتالي من يريد أن يحقق أهدافه ويرسم لنفسه تصورا لمستقبل أيامه، فعليه أن يخطط لذلك المستقبل من الحاضر، وذلك برسم تصورات المستقبل في الحاضر، ثم العمل بعد ذلك على تحقيق تلك التصورات.
والتخطيط وتحديد الأهداف على ضوء الإمكانيات المتيسرة الحالية والمستقبلية، خطوة غاية في الأهمية للأفراد، وذلك لبناء مستقبل يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، باعتباره من أهم مسببات النجاح في جميع نواحي الحياة العملية والعلمية، إلا أن مشكلة الكثير من المؤسسات أنهم لا يخططون لمستقبل حياتهم، ولا يفكرون إلا في اللحظة الراهنة، ولا ينظرون إلى فرص وتحديات المستقبل، مما يجعلهم يفقدون القدرة على التعامل مع التحديات والفرص، ومن ثم يعيشون حالة من ضبابية الرؤية، وعدم معرفة متطلبات الزمان مما يدفعهم نحو الوقوع في دائرة الفشل والشقاء بأستخدامهم لخماسيات التدمير الذاتي .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا