متي نرتقي بسلوكنا إلي مستوى العقلاء ؟؟

محمد حسين يونس
2019 / 1 / 6


القاعدة الأساسية .. في التعامل البشرى .. أن نتبادل الإحترام .. و أن يكون الحوار بيننا سلميا .. يعتمد علي المنطق بين أطراف أحرار عقلاء ..مهما إختلف النوع أو السن أو اللون أو الجنس أو العقيدة أو الرتبة أو الطبقة الإجتماعية
إذا تصور شخص ما بأنه الأفضل .. لاى سبب لا يستطيع التخلص من سيطرته عليه ..و أنه الأحق بالتميز .. و يتعامل من خلال هذا المنطق غير المستقيم .. فهو في الغالب شخص مريض يحتاج إلي علاج ..قبل أن يطلق ليعيش بين الأصحاء
أما إذا كان هذا سلوك مجموعة من البشر .. يزاولون أمراضهم النفسية علي من حولهم .. فهؤلاء يجب حجبهم في مستعمرات علاج ..حتي يتم شفاؤهم من هلاوسهم
فإذا كان مجتمعا كاملا ..يقبل أن يعيش فية البعض متخيلين أنهم الأفضل .. و أن علي الاخرين طاعتهم دون نقاش .. فهذا هو التخلف بعينه
هذا المجتمع المنفصم لازال يعيش في حالة بدائية .. يعف الحيوان في الغابة عن مزاولتها.. فالضوارى لا تهاجم و لا تفترس ولا تقتل إلا في حالة الجوع .. و أصحاب الظفروالناب لا تستغل بعضها بعضا .. ولا توظف قوتها في إستعباد و إذلال الكائنات الاخرى
أنا لا أعترف بالتقسيم الزمني الذى إبتكره قدماء المصريون و البابليون .. و لا اراه حقيقة .. بقدر ما هو نظام تخيلي لتنظيم حياة البشر .. و لكنني أرى أن القياس الصحيح لعمر الكائن الحي العاقل .. هو مقدار إستيعابه لتلك الإفتراضات التي تتصل بالعدالة .. و المساواة .. وللقياسات المنطقية والسلوك الراقي الذى يجعل من الحياة رحلة موفقة يفيد بها البشرى بما تقدمه العلوم و الفنون و الفلسفة و المنطق و يساهم في تطورها .. يسمو بحياته أعلي من القتل و التعذيب . و الإغتيال و الطمع .. و إزدراء الأخر
الطفل المبتسم غير العدواني في عرفي كائن أرقي و اعقل و أفضل من هذا الطاعن في السن ذو الهلاوس الذى يتصور أن علي الجميع خدمته .. و الخضوع لحكمته .. و إطاعة أوامره
حقا .. لم تصل البشرية بعد لان تصبح علي مستوى قيمي يتخطي حالة صراع الضوارى و الوحوش .. و لكن البداية دائما ما تكون بين عدد محدود من المفكرين و العلماء و الحالمين.. باليوتوبيا
انا واحد من هؤلاء الحالمون.. فلنحلم معا ..بمستقبل أفضل للإنسان .. فلنتخيل عالما .. بسيطا غير مركبا .. مباشرا .. قائما علي تحفيز المثل العليا الإنسانية .. فلنعترض علي السلوك الدموى المريض المؤدى إلي المجازر التي ترتكب تحت أى إسم بواسطة أسلحة دمار لم يشهد مثيلا لها البشر ..
خلال الفترة القادمة .. سأناقش مع حضراتكم الخطوط العامة (بواسطة عرض النماذج البدائية التوجهات و السلوك) لكيف نطور من أنفسنا لنصبح في حالة عقلية و نفسية .. تليق بإنسانيتنا ..
قد نصيب و قد نفشل في الوصف و التعليل .. و لكن فليكن لنا شرف المبادرة ونبدأ نقاشا((كيف نرتقي إلي مستوى البشر)).
في حدود المعروف لنا .. عن الكون .. لا يوجد ما هو أرقي من حيث التكوين الجسدى و العقلي ..من الإنسان .. فلقد جاء كنتيجة للتطورات التي زاولتها الحياة منذ أكثر من مئات الملايين من السنين( ثلاثة مليار سنة ) عندما تغيرت جزيئات عضوية قادمة مع النيازك و سقطت في بحيرات ساخنه علي كوكبنا لتكون نبته بدائية قامت بتمثيل غذائي بسيط بإستخدام ضوء الشمس فأنتجت الأوكسجين ملوثه الجو البركاني المحيط بكوكب الأرض و المشبع بثاني أكسيد الكربون و النتروجين .
زاد هذا التلوث بمرور الوقت حتي أصبح يمثل خمس الهواء المغلف لكوكبنا وعجل بتغيير شكل الحياة لتصبح مرتبطة في وجودها به بالإضافة لتخليق غاز الأوزون المكون من ثلاث ذرات أوكسجين الذى كون طبقة حماية حول الكوكب لهذه الموجودات الحية من أشعة الشمس المميته .
الحياة عموما في هذا المكان لتستمر.. يلزمها الماء .. و الأوكسجين .. ومصدرا للطاقة يتمثل في ضوء الشمس سواء ذلك الحر منه القادم عبر الغلاف الجوى أو المخزون داخل الخلايا النباتية أو الحيوانية .
من يعترض علي هذا فليغادرنا من الأن .. و لكن من سيستمر سيفهم أن هذه الحياة البدائية التي إنبثقت في البحيرات البركانية الساخنة تطورت عبر مليارات السنين لتعطي هذا التنوع الذى نشهده حولنا للبكتريا والنباتات و الحشرات و الحيوانات التي علي قمة تطورها يوجد البشر .
الكائنات الحية تدربت خلال السنين علي أن تتنفس و تمتص الأوكسجين الذى تنتجه النباتات الخضراء .. و تتغذى عن طريق إستخدام الطاقة القادمة من الشمس المخزنه في خلايا طعام .. و تخرج الزائد عن إحتياجها .. وتتغير و تتوائم مع البيئة المحيطة .. و تصارع من أجل البقاء .. ثم تتوالد لتبقي علي جنسها خارج إطار الفناء .
كل الكائنات الحية علي وجه الأرض في حالة صراع دائم و مستمرللحصول علي إحتياجاتها اليومية للبقاء لم يتوقف أبدا .. بعضها يكون الضحية .. و البعض يكون الكائن المفترس .. و إن كان أخطرها سلسلة الحيوانات الأرقي في سلم التطور والتي لا يشذ عنها الإنسان .
الكائنات الحية تتحرك و تتواجد .. من خلال خبرة مكتسبة عبر ملايين الأجيال .. و التي إصطلح علي تسميتها غريزة .. هي لا تعي كيف تكونت أووجدت أو ما مصيرها .. إنها تعيش فقط .. ثم تتحول في لحظة الفناء إلي كائن غير حي .
إلا الإنسان فهو يمتلك نفس الغرائز التي تسيرة و لكنه تميزعنها بأنه قد تطور لديه ما يسمي بالوعي .. لقد أصبح يميز ما يدور حولة ويستطيع أن يتواصل صوتيا و يكون لغة يراكم بها الخبرات العقلية بحيث أصبح قادرا علي الإفلات من مصيرة .. بقليل من التدبير .. و تفهم التاريخ ..و التعلم من خبرات الأسلاف
قصة التطور الشيقة .. اصبحت الأن علما .. له أبحاث و دراسات .. و في كل يوم يزداد يقين البشر بأن ما توصلوا إليه من المعلومات لازالت حتي اليوم صحيحة .
علم الأنثروبولجي يكمل المسيرة .. و نتعلم منه .. كيف إستطاع البشر تأمين إحتياجات حياتهم البيولوجية .. بأن تجمعوا في كيانات بدأت كقطعان تتحرك بالغريزة ثم بالقبيلة و الأسرة و القرية و الوطن .. و إنتهت إلي وحدة البشر .
ما أود أن الفت له النظر أن إحتياجات الكائن البشرى الأولية ( الماء و الهواء و الطعام و المأوى و التناسل ) و التي يشارك فيها باقي الكائنات الحية .. لم تتغير عبر مائة الف عام (وقد تكون أكثر ) هو تاريخ البشرية ..كان في أغلبها الإنسان لا يفترق عن الضوارى في عدوانيته ..حتي حرره منها (العمل ) المنظم ..المبني علي الخبرة .. و التعلم و التواصل بين الأجيال . فأصبح إنسانا عليه أن يكد ويعمل ضمن منظومة بشرية ليشبع إحتياجاته الرئيسية..
الكائن العاقل الوحيد الذى يعيش علي كوكبنا ..واصبح هو الحارس علي وجودة .. هو في نفس الوقت المدمر له ..بإنتصاراته التكنولوجية و أطماعه السياسية
فبدون الماء النقي .. و الهواء النظيف المحمل بقدر مناسب من الأكسجين .. و طبقة الأوزون الحامية للحياة من أشعة الشمس القاتلة ..و توفر الطعام غير الملوث أو الممرض تصبح الحياة مستحيلة ..
و الواضح أن إسلوب معيشة البشر الحديثة حرم العديد من الناس من المقومات الأساسية للحياة .. و هو أمر أصبح لا يقبل التأجيل أن نسعي كجنس واعي للتشارك فيها بيسر
بدون العمل علي تطوير أدوات المعرفة ..نصبح كائنات تتوه في ظلام الجهل ..(تولد.. تسعي ..تتكاثر .. تفني ) مثلها مثل باقي الدواب ... و بدون الإلتزام بمثل عليا تحفظ للناس حقوقها .. نعود لنعيش في الغابة
رحلة الإنسان من التوهان في ضباب الغموض .. حتي الحياة في ضوء المعرفة و العدل و الوعي الإنساني .. قصة إستغرقت عشرة الاف سنة أي تعتبر ومضة في تاريخ مسار الحياة علي كوكبنا الذى إستغرق مليارات السنين
المعرفة بدأت عندما أصبح البشر حول مجارى الأنهار .. لديهم القدرة علي تكوين مجتمعات .. متعاونة .. لترويض النهر و الدغل .. وصل لنا منها أخبارقليلة وإن كانت دالة علي ما تم حول نهرى دجلة و الفرات .. أو نهر النيل .. أو أنهار الهند و الصين ..و أنهار امريكا الجنوبية .. لقد تكونت هناك حضارات سامقة.. بابلية و مصرية .. تواصلت في أزمنة تالية مع حضارات الهند و السند و الصين و منغوليا و بحر البلطيق .. ثم حضارات وسط و أطراف أفريقيا،وتلك التي نمت حول بحر إيجة واليونان و الرومان و كونت بداية التاريخ
لقد تطور ما يسمي بالبناء التحتي للمجتمعات القديمة و الذى تمحور حول أساليب الحصول علي الطعام .. بواسطة جمع الثمار و الجذور و البيض .. ثم الصيد .. فالزراعة و تدجين الحيوانات .. ثم الصناعات الحرفية الصغيرة و صناعة الفخار و أساليب البناء و السيطرة علي الرى و الصرف..و الإبحار في الأنهار و البحار العميقة
صاحب هذا تطورا في البناء الفوقي .. القيمي و السلوكي .. فالقبائل الراحلة بحثا عن الماء و الطعام .. لم تتوقف عن الصراع مع القبائل الأخرى الممتلكة لمصادر وافرة منه .. و مع الصراع .. تكونت ثلاث طبقات من البشر .. العبيد الذين تم أسرهم خلال الحروب يعملون في المهام الشاقة .. وطبقتين أخرتين لا يعمل أفرادهما في إنتاج أسباب الحياة و يعيشون عالة علي المنتجين
أحدهما هؤلاء الذين أوكل لهم مهام القتال .. (عدواني أو دفاعي ) .. و الاخرين الذين إدعوا أن لديهم إجابات عن الأحداث و الظواهر التي تتم حولهم .. و أن لديهم القدرة علي تغييرها و تعديلها بواسطة بعض الإجراءات السحرية و الطقوس الغامضة
فتوة القرية و ساحرها بمرور الوقت .. تسلطوا علي رعاياهم من الأحرار و العبيد .. و حصلوا علي الجانب الأكبر من الإنتاج
لسبعة الاف سنة و قد تمتد لثمانية .. كانت حياة المجتمعات البشرية فيها .. يحكمها القوة ..و تديرها الميتافيزيقيا ..و ينتج فيها العبيد.
من ذلك الزمن و صلت لنا قوانين حمورابي والتي تفرق بين الحر و العبد في الجرم و الجزاء .. والأفكار التي تدور حول الإستقامة و العدل و التي رمز لها المصريون (بماعت ) و تعليمات كونفوشيوس .. و وصايا البراهمة الهنود .. وحكم زراديشت و لاوتسي
مجتمع العبودية .. هذا الذى يعتبر اليوم وصمة عار ..و إنحطاط قيمي .. كان السبب في ظهور كل الحضارات القديمة السامقة .. و كان من الصعب أن يستمر لولا ما قدمته منظومة قيمية روج لها السحرة الذين تحولوا لكهان يتكسبون نفوذهم و أسباب حياتهم .. من تبرير و تزويق .. و تفعيل .. قانونية .. الظلم .. و الإستعباد و حق مالك العبد في تشغيلة و إمتلاك إنتاجه من الأطفال أو تخفيض تكاليف إستمرار الحياة له و رعايته إلي أضيق الحدود والتي تصل في حالات كثيرة للقتل ..
لم تنجو أمة قديمة من هذا النمط السلوكي و المعرفي .. فبفحص تاريخ كوريا و الصين و الهند وفارس و أشور و بابل و مصر .. نجد أنه كان هناك دائما إرستقراطية عسكرية متحكمة يدعمها و يبرر أساليبها في الطغيان الشرقي كهنة دين ما .. يعبدون ديكتاتورا .. يحي و يميت .. ويغني و يفقر .. و يحارب و ينتصر أو ينهزم .. ليحل محله طاغية أخر
تاريخ الإنسان حتي نهاية الحرب العالمية الأولي مع مدخل القرن العشرين .. كان كله حروب و طغيان .. و إستعباد .. و قسوة .. مغلفة بإرادة علوية .. قدمها الكهان في أكثر من صورة و بأكثر من إسم فالإنحطاط القيمي و السلوكي و الفكرى لعلاقة العبد بالمالك أو القن بالإقطاعي .. أنتج الملك الإله الذى يلهمه أسلافه من الأرباب للصواب و لا زالت البشريه تعاني من أثارها رغم التطور الذى حدث لمجتمعاتهم خلال القرن الماضى
و هكذا فالإنسان الذى هو فصيلة من فصائل الحياة .. يحتاج لمقومات أولية تتصل بالاوكسجين و الماء و الطعام و المأوى و التعلم و التدريب.. و أى منع لهذه المقومات سيؤدى إلي فناءه ..لذلك هو دائم السعي لتأمينها بكل الطرق الممكنه و منها العدوان و القتال .. و هو يعيش في طبقات .. اعلاها الجنود والكهنة .. في تحالف ينتهي بإستغلال العبيد أو الأقنان أو الذين يتم إستعمارهم و حلبهم لصالح الأرستقراطية العسكرية الباغية ..هل سارت الحياة عبر الالاف العشرة من السنين يحكمها العسكر و الكهنة .. و يستسلم لطغيانهم العبيد و الأقنان ..دون تغير أو تقدم ..أو إختلاف ..
لو كان هذا مسار الامور لكنا نعيش في نفس الحالة حتي اليوم .. كالركود الذى حدث في مصر أثناء زمن حكم المماليك و الإحتلال العثماني
لقد كان للصراع و المعارك و الحروب ( العدوانية أو الدفاعية ) الفضل الأساسي في التطور و الإبتكار و إكتساب البشر لخبرات جديدة تتصل بإستخدام أدوات الطبيعة من معادن .. و وقود بشكل أفضل ..لقد عرف الإنسان النار ثم النحاس فالحديد و كون أسلحته و أدواته منه و عرف الفحم و قوة البخار و البترول ..و طوع الرياح و الأمواج لإنتقالاته .. و تعلم كيف يستخدم النجوم لإبحاره .. و كيف يتحرك مستخدما العربة ذات العجل .. ثم كيف يطير .. و كيف يصنع البارود..و القنبلة و الصاروخ العابر للقارات
التغيير كان يحدث في بعض الأحيان سلما مع موجات الهجرة التي لم تتوقف والتجارة و تبادل الخبرات .. أو كان يحدث في ظروف أخرى قسرا بواسطة الحروب .. و الإعتداءات .. و الإستعمار
التفاعل بين المجتمعات المتجاورة .. نقل تجاربها .. و عقائدها .. و خبراتها .. و افكارالعلماء و الفنانين و الفلاسفة و الحكماء ..وهو ما جعل الحضارات القديمة متقاربة .. و العقائد .. متشابهه
الإنسان حتي نهاية الحرب العالمية الأولي لم يتوقف عن الطغيان ..و التنكيل بالمفكرين و العلماء.. و حرق المكتبات أو إغراق الكتب في نهر دجلة .. و تدمير المنشأت .. و إذلال الضعفاء .. سواء كانوا من أبناء نفس الدين أو العقيدة أو المكان .. أو كانوا غرباء يتنافسون
الاف السنين مرت لم يخرج فيها البشر من قوقعة البدائي المتعطش للسلطة و الدماء ..حتي أن تاريخنا المعروف هو تاريخ حروبنا .. و إنتصاراتنا أو هزائمنا في معارك فرض الإرادة .. تاريخ يمجد الطغاة .. و المهاويس من الحكام .. نفخر بهم أو نتوارى خجلا من مخازيهم و مجازرهم .و لكننا في النهاية .. نصنفهم بإعتبار أنهم أسلافنا الابطال
الحرب العالمية الثانية .. بأسلحتها المتطورة .. و تدميراتها غير المتوقعه .. و ضحاياها بالملايين .. كانت كافية لأن يبدأ الإنسان مرحلة جديدة في تاريخه .. يعارض فيها (علي الأقل نظريا ) الظلم و القهر .. و الإستعباد .. و التخلف الذى أصاب أقوام عاشوا لالاف السنين .. يحكمهم قاتل محترف .. مستعمر . يرعبهم و يستغلهم و يوظفهم لصالح فئة باغية .. أنانية .. لا تهتم إلا بمكاسبها الأنية
حتي نفهم هذه الحالة غير العادلة التي عاش من خلالها البشر مستسلمين للقوة .. وتراهات الكهان .. علينا أن نفهم كيف يعمل العقل البشرى ..و كيف يدير و ظائف جسد الشخص سواء كان ذكيا ، عبقرىا ، متبجحا يختال بسلطاته و قسوته .. أو ذلك الذى يعاني من الفقر و الغباء و التخلف..
إنه نظام واحد .. لا فضل فية لعربي علي أعجمي .. و لايفرق بين متيسر غني و جائع متسول
أغلب الوظائف التي يقوم بها العقل تتم دون إرادة من صاحبه ..إنه كومبيوترا ضخما ورثناه من صنع تطورات الحياة يضم اليات إدارة الجسد و الحفاظ عليها .. يستخدم شبكة واسعه من الأعصاب و الغدد .. و مجارى الدم .. وحركة القلب و الرئتين و الكليتين و الكبد و المعدة .. و يحرك الأطراف .. يبصر و يسمع و يتذوق و يلمس .. و يصدر اصواتا ..ويخرج فضلات او سموما .. و يسمح بالتناسل و المتعة
إدارة الجسد الحي تطورت عبر مليارات السنين .. بحيث قد نجد حولنا متحفا بيولوجياعضويا بين الكائنات يظهر كيف تغيرت كل حاسة لتناسب البيئه .. و تساعد صاحبها علي التواجد
الجزء الأكبر من العقل بالإضافة إلي أنه مركزا لإدارة الوظائف الحيوية للجسد إلا أنه أيضا مخزنا للتجارب الإنسانية التي تتوارثها الأجيال عبر الاف السنين يميز صاحبها بواسطة شبكة معقدة للحمض النووى تسمي ( دى إن إية )
ما يتفرد به الإنسان عن باقي الكائنات الحية هو أن لدية بجوار العقل الباطن عقلا واعيا يستجيب لرموز اللغة و المنطق بالإضافة إلي ما إصطلح علي تسميته ضميرا يمثل صمام أمان يسمح بخروج و إنتقال الرغبة أو المعلومة بين العقلين الباطن و الواعي
هذا الضمير يتم تربيته منذ الصغر و يختلف من مجتمع لمجتمع ومن فرد لاخر .. وكلما إرتقي صاحبه كلما كان أكثر تحكما في الغرائز و أعلي قيما ..و أكثر تنظيما لمستوى السماحات
أغلب معارف البشرى تأتي بواسطة الإمتصاص في بداية حياته من البيئة المحيطة المسئوله عن تطوير المهارات الكامنه الموروثة .. هذة البيئة هي التي تربي الضمير الذى يتحكم في سلوك الإنسان و هي التي تمنحة هويته و عقيدته و مثله العليا ..و إحتمالات سلوكة عبر مراحل عمرة المختلفة
هل التكوين الجسدى و ال(دى إن إية ) و تأثير البيئة .. قدر مكتوب علي البشرى!!.
في أغلب الأحوال يحدث هذا .. و لكن لدى البعض قدرات تسمح بالخروج عن هذا القدر... هؤلاء هم الرواد و المصلحين .. و العلماء الذين لا يكتفون بالمعلومة التي يمتصونها مع لبن الأم .. و يرفضون الإنصياع لما يفرضه المجتمع ويزاولون سلوكا ينتهي بهم إلي مساحات غير مطروقة من الوعي .
حول الالف الثالثة قبل الميلاد ظهرت في المنطقة التي أطلق عليها العالم القديم .. فلسفات ميتافيزيقية عديدة .. توضح وتفسر علاقة البشر بكائنات تخيلية مسيطرة علي مصائرهم .. وتكونت أساطير و حواديت أخذت عن بعضها بعضا أبطالها شخوص مقدسة عنيفة و شرسة ..مثل مردوخ ، أهورامزدا ، إنليل ، شيفا ، كالي ،رع أو أخرى طيبة تدعو إلي الرحمة و التواصل والمحبة بين البشر مثل فيشنو ، براهما ، بوذا ، كونفوشيوس ، أوزيريس ، إيل ، بعل ،بتاح و تحوت .
لقد كان للحكماء من القوم دورا أساسيا في تهذيب سلوكيات البشر و وضع قواعد أخلاقية .. تتصل بالمحبة و النقاء وعدم العدوان و الإيمان الميتافيزيقي بالمعجزة ..و تفصل بين الخير و الشر .. تحاول أن تكبح الأثار السيئة لغرائز الإمتلاك .. و العدوان بالرهبة و الخوف تارة ..والطمع في المكافأة تارة أخرى .
الفكر الأسطورى الذى قدمه فلاسفة هذا الزمن .. خرج بالإنسان من وحشة الجهالة .. و عنف البدائية .. إلي مظلة القيم و الشعور بأهمية ضبط النفس .. أملا في خير أني أو مستقبلي مع الأبرار ..أو خوفا من عقاب يجلب الامراض و الفقر و العوز .. أو يصبح سببا في فناء كامل لصاحبه
فلنقرأ معا ماذا تخيلوا أنه يحدث في قاعة العدالة (ماعت ) للمتوفي المصرى القديم .. و كيف يقوم بإعتراف سلبي امام أربعين عضوا .. ينفي فية عدوانه علي الطبيعة و النهر و الحيوان و الطير و الإنسان ويعلن كيف كان بارا بوالدية محبا لجيرانه مساعدا للمحتاج .. ناصرا للضعيف .. متمسكا بالقانون والسيرة الحسنة .. ثم كيف يوزن قلبه أمام ريشة (ماعت) .. فإن ثقلت موازينة .. أكل قلبه حيوان إسطورى (أموت ) و فني صاحبه إلي الابد .. اما من خفت موازينه .. فله حقول الأليسيان ينعم فيها برفقة الأبرار .
في نهاية القرن التاسع عشر .. ظهر فلاسفة الفكر الكلي الذى يعتمد علي المنطق المادى و العلوم المستحدثة ..و يبشر بمستقبل مزدهر للبشر يجعلهم قادرون علي السيطرة علي مقدراتهم ... برنارد شو .. ويلز ..نيتشة .. البير كامي .. هيجل.. ماركس ..سارتر ..إنجلز ..فرويد ..أينشتين كان لكل منهم تأثيره.. في إختراق الإيمان الميتافيزيقي و تفسير ما كان يتصوره الأسلاف معجزات .. و إلقاء الضوء علي جدلية العلوم المتشابكة .. و التقديم لإنسان القرن العشرين الذى أنجز حضارة لم يكن يحلم بها أكثر البشر جموحا في التفاؤل.
خلال سنين عمرى (الثمانين) علي هذه الأرض .. تغيرت معالم الحياة حولي عدة مرات بحيث أصبح إنسان اليوم يمتلك من العلم و أدوات البحث .. ما لم يتحقق خلال ثلاثة مليارات عام كان فيها التطور يحدث بإسلوب التجربة و الخطأ و بقاء الأصلح.
لقد فهمنا أين نحن من الكون .. و أن مجرتنا (سكة اللبانة ) مجرة صغيرة متطرفة بين مليارات المجرات .. و بلايين الشموس و الكواكب .. و أن كوكبنا لا يزيد عن كونه حجرا صغيرا ملقي في الصحراء الغربية لا يشعر به أحد و لا يهتم إذا ما إنفجر أو تفتت أو سحبته الثقوب السوداء لتفنيه .. و أن الحياة علي الارض لم تبدأ كما نراها الأن بل تطورت عبر مليارات السنين .. و أن الإنسان بوعية ..هو درة هذا التطور و قمته .. و أن العقل البشرى .. يقوم بأعمال شبة معجزة .. إذا ما قورنت بقدرات كومبيوترات اليوم .. و أن الإنسان الذى هو أغلي ما في المجرة .. يجب ألا يهان أو يهمش أو يباد .. لقد وعينا أن الحروب جرائم .. وأن تدمير البيئة كوارث .. و أننا رغم كل الإنجازات التي حدثت خلال الثمانين سنة الماضية لازلنا لم نبرح طور البدائية .
اليوم لم تعد الحروب هي المحفز علي التقدم .. بقدر ما يقوم بذلك آليات التنافس في السوق الحر الذى جعل من العالم قرية صغيرة بواسطة وسائل الإتصال و النقل الأكثر تطورا عبر التاريخ.
في السوق الحر كل شيء يباع و يشترى بما في ذلك القيم و الأخلاق والعقائد و العلوم ..و السلطة .. و النفوذ .. و الثورات و الإنتكاسات ..و حتي المستقبل المحفوف بمخاطر الفناء .
الراسمالية العالمية متعددة الجنسيات وأصحاب المصالح في القرن العشرين ورجال البنوك و البورصة .. جاء تدميرهم للبشر هو الأكثر شراسة و قسوة من تأثيرالأسلحة النارية والمفرقعات و القنابل النووية .
إنهم يوئدون حلم الإنسان .. يدمرون كوكبه ..بأنانيتهم و شرههم و حبهم للسلطة . يقطعون الأشجار و يبنون بدلا منها مدنا خرسانية .. يتلفون البيئة بدخان مصانعهم يخترقون طبقة الأوزون الحامية للحياة .. يفجرون يقتلون.. ينقلون الأمراض و يخلقونها أكثر شراسة في المعمل .. يلعبون في الجينات حتي جيناتهم الخاصة .. يشعلون الحروب و يتسببون في المجاعات .. و يقومون بتطهير عرقي للبشر و إفناء لسلالات من الطيور و الحيوانات و النباتات لتصبح كائنات منقرضة .
في القرن الماضي .. تطورت الأدوات بمتوالية هندسية بينما تغيرت القيم و حقوق الانسان بمتوالية عددية ليتسع الفارق .. بين المادى و الأخلاقي (مورال ) ..و يعود البشر لمستوى متدني من التكافل .. فتفني شعوب أوتذوب داخل منظومتهم .. و تستعبد أخرى .. و العالم لاهي في تنافس تكنولوجي يصل بالبعض لأطراف المجرة ليكتشف هل نعيش في هذا الكون منفردين كقوى عاقلة .. أم منسيين ومهملين .. كقوى تافهه .
لقد إمتلك القيادة سياسيون من أكثر البشر( شرا و جهلا و عنجهية و أنانية) .. و صبغوا العقول بواسطة ميديا فاعلة لا تقاوم .. و راكموا الأموال بصورة لم تحدث من قبل .. و تركوا شعوبا كاملة تفني جوعا رافعين شعارا أمريكيا لا مباليا (( دع جروحهم تتقيح ))..
اصحاب المصالح في صناعة و تجارة السلاح .. و في إستخراج البترول و المعادن .. و في السيطرة علي الفنون والصحافة و الميديا .. و في إحتكار العلوم و التقدم التكنولجي .. متحالفين مع رجال السياسة و الدين والمال .. رغم أنهم تطوروا بالحياة و التكنولوجيا خلال أقل من قرن ..إلا أنهم تسببوا في أضرار و معاناة ..و تعاسة و فقد لمليارات من البشر الذين إستعبدوهم .. إما بربطهم بإسلوب حياتهم الإستهلاكي المزخرف الذى لا يقاوم .. أو بالديون و القهر .. أو التحالف مع الكومبرادور المحلي من أبناء العالم المجني علية والذى يدفع ضريبة التقدم بؤسا و حزنا و تغييبا .
الإنسان اليوم .. برغم التقدم العلمي و المعرفي إلا أنه لازال في أغلب الأحوال مسطحا أنانيا تقوده إحتياجاته الأساسية و المستحدثة لان يفقد الطريق للنجاة.. فيحمل السلاح ليقتل .. يتحرك و فقا لإشارات المايسترو المالك لمقدرات حياته ..فهل آن الأوان للمواجهه... للتغيير .. لأن نصبح من البشر .
هل آن الأوان للفلاسفة و المفكرين و العلماء أن يقودوا المجتمع البشرى نحو الخير و السلام .. بدلامن التحالف غير المقدس بين أصحاب رؤوس الأموال و العسكر و الكهان ..لينتقل البشر في السنين القادمة ..من مستوى الدابة إلي حلم التحكم في المصير . أم إنه مجرد حلم ستقضي علية قوى الشر المالكة للكوكب الأزرق السابح في فضاء المجرة حاملا .. أسباب نجاحة و أسباب دماره .
إذا نجا إنسان المستقبل .. فسيتوقف عن العدوان علي ما يزامله في الكون من الكائنات .. و سيسعي بالمعرفة .. لتوفير كل الإحتياجات الأساسية للأحياء .. هواء نظيف .. ماء كاف .. طعام مفيد لا يعتمد علي التدمير بقدر ما يعتمد علي تجديد سلمي للطاقة .. نسل متوازن مع الإمكانيات المتاحة .. علم و أبحاث لا سقف لطموحها .. و قيم عليا .. تعلي من قيمة الفن و الثقافة و الفلسفة .. و منطق بناء غير مضلل مبني علي يقين متجدد .. و حكم ذاتي لا يخضع للأهواء أو لقهر الأخر .. وقيمة للفرد تأتي من مقدار قدرته علي المساهمة في تطور الحياة و ليست مرتبطة بالعائلة أو بالثروة أو السلطة أو القوة أو العقيدة أو الخداع .
إنسان المستقبل الذى نرى .. خطواته الأولي نحو الكمال .. سيتصالح لدية عقله الباطن مع عقلة الواعي .. ليرم ما أفسده التناحر و الصراع و أوهام البداية .. و إستغلال الإنسان لأخية الإنسان .. او إستنزاف ثروات الارض و تدميرها .
رحلة الالف ميل تبدأ بخطوة .. و خطوتنا التالية .. أن نتعرف علي حقائق الحياة ..كما هي .. و ليس كما تخيلتها عقول البداية .. الساذجة .
لقد مرت منذ إندلاع الحرب العالمية الثانية ثمانين سنة مكثفة توازى فيما أنتجت من معرفة ما تم في الاف من سنين البداية حدث فيها .. فاتحة الوعي بحقوق الإنسان .. فما بالك ماذا سيحدث لو تستمر هذه الموجة لعشرين سنة أخرى .. إنها في حدود عمر الشباب منا ...فلا تتقاعسوا و إلحقوا بالركب .. يا إنسان العالم الحديث إستيقظ أنت علي أعتاب مرحلة التغير الكبرى للحياة .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول