دروس الثورة الألمانية في نونبر 1918

عبد السلام أديب
2018 / 12 / 29

خلد العالم في نوفمبر من سنة 2018 الذكرى المئوية للثورة الألمانية لعام 1918، على الرغم من المحاولات البرجوازية الجادة لمحو هذه الذاكرة الحية من أذهان البروليتاريا العالمية. فلو تمكنت هذه الثورة من تحقيق أهدافها في ذلك التاريخ، لشكلت بوابة قيام صراع طبقي مكثف في مختلف أنحاء أوروبا. ولأحدث ذلك تأثير الدومينو في العالم الرأسمالي والإمبريالي بأسره.

تطورت العوامل الموضوعية لاندلاع هذه الثورة خلال سنوات الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والتي عاشت خلالها الطبقة العاملة أولى أبشع أنواع المجازر البشرية الرأسمالية عبر التاريخ، في الخنادق، والغازات، والمجاعات، وملايين الضحايا من القتلى والجرحى ... ففي هذا الإطار، نما وعي هذه الطبقة وتطور فكثفت من كفاحها، ودخلت في إضرابات ومواجهات داخل الجيش. وجاءت ردود فعل البرجوازية المهيمنة سريعا عن طريق سجن طليعة البروليتاريا في المصانع وإعدام الجنود المتمردين بتهمة عدم الانضباط أو الفرار. ومع ذلك، لم يتمكن القمع من إسكات التذمر المتصاعد ... بل على العكس من ذلك! ظل التحريض ينمو في المصانع وفي كل مكان.

كان لنجاح ثورة أكتوبر 1917 في روسيا مصدر الهام للثوار الألمان من أجل مراكمة الصراعات الطبقية والاعداد للوثبة النهائية في نونبر 1918. لكن البرجوازية التي تعلمت كثيرا من مسرح أحداث الثورة البلشفية، شرعت في العمل على تقويض مجالس العمال من الداخل، مستغلة استمرار سيطرة الأوهام التحريفية لحزبها الاشتراكي الديموقراطي السابق. فعملت على تحويل النضال نحو الديمقراطية البرجوازية، ومهاجمة الثوار على جميع الجبهات ونشر الدعاية المغرضة ضد المناضلات والمناضلين وإطلاق العنان لأشد أشكال القمع من خلال الاستفزازات المتعددة. وبالموازاة مع هذه المناورات الأيديولوجية، وفي اليوم التالي ل 9 نوفمبر، أبرم فريدريك إيبرت زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي اتفاقات سرية مع الجيش لسحق الثورة. كما ضاعفوا من الاستفزازات والأكاذيب والافتراءات لاستدعاء التدخل العسكري.

وتوصلت البرجوازية تدريجياً مع حليفها التحريفي الحزب الاشتراكي الديموقراطي SPD الى خنق الثورة الألمانية وحجبها تماماً. كما تم نشر إرهاب الدولة، فبدأ تعقب المناضلات والمناضلين من قبل أجهزة الشرطة والمصالح السرية في كافة أنحاء مدينة برلين وألمانيا وأصبحت عمليات الإعدام الفردية والجماعية الموجزة أحداثا يومية روتينية. وفي مساء يوم 15 يناير 1919، اختطفت المليشيات السرية قيادة تيار سبارتاكوس داخل الحزب الاشتراكي الديموقراطي وهما كل من روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت، وثمت عملية اغتيالهما على الفور بعيدا عن الأنظار.

العوامل التي أدت إلى هزيمة الثورة الألمانية كانت ذاتية أكثر من كونها موضوعية: فمن جهة تمكنت البرجوازية من المراوغة والتضليل والاعتماد على الاشتراكيين التحريفيين، ومن جهة أخرى كانت البروليتاريا لا تزال مخدوعة من طرف تحريفية الحزب الاشتراكي الديموقراطي الذي تمكن من التلاعب بقسم منها، يضاف الى ذلك عدم الكفاية التنظيمية للحزب الشيوعي الألماني KPD المؤسس سريعا في نهاية السنة.

وعلى عكس البلاشفة الذين توفرت لديهم استمرارية تنظيمية تاريخية منذ عام 1903، وتجربة ثورية لسنة 1905 ومجالس عمالية ناشئة (السوفياتات)، فقد واجهت الأقلية الصغيرة من الثوريين الألمان (سبارتاكوس) داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي التحريفيين، حيث كان من المفروض أن ينسحبوا منه منذ عام 1916، كرد فعل على خيانة مساندته للحرب الأولى في غشت 1914، ثم الإسراع المتأخر بتأسيس حزب شيوعي KPD في دجنبر 1918 الشيء الذي جعله عاجزا تنظيميا على مواجهة نيران الأحداث المتسارعة.

تشكل ثورة الطبقة العاملة في ألمانيا لعام 1918، بالنسبة للحركة العمالية العالمية، مصدر دروس واستلهام لمستقبل نضالات البروليتاريا خاصة في ما يتعلق بمواجهة الأقنعة المتعددة للتحريفية المدعية للاشتراكية والشيوعية وسط الكادحين بينما هي تحمل اجندات برجوازية صغرى تسلقية تساوم من اجل مصالحها ببيع مستقبل البروليتاريا ومشروعها الإنساني الشيوعي. وهناك شهادة مسبقة لروزا لوكسمبورغ، واحدة من شهداء هذه الثورة، على حدث اغتيالها من طرف الحزب الاشتراكي الديموقراطي، حينما قالت:

"الثورات (...) لم تجلب لنا حتى الآن سوى الهزائم، لكن هذه الإخفاقات الحتمية هي ما يشكل بالضبط ضمانا لنصرنا النهائي. لكن على شرط، لكي يصبح ذلك حقيقة، فمن الضروري أن ندرس، في كل مرة، الظرف الذي حدثت فيه الهزيمة (...) وأقول للنظام السائد في برلين!" وأتباعه السخيفة! إن النظام الخاص بك مبني على الرمل. وبدءا من الغد، ستقوم ثورة مدوية معلنة فوزها، في مواجهة رعبكم الأعظم: لقد كنت، وها أنا ذا، وسأكون مستقبلا!"

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير