توترالسرد الروائي بين رمزية الواقع وواقع الرمزية عند صلاح شعير

صلاح شعير
2018 / 12 / 28

بقلم : الكاتب والناقد صالح شرف الدين

قراءة في رواية :العنيدة والذئاب للكاتب والروائي :صلاح شعير، والصادرة عن دار يسطرون للنشر والتوزيع بالقاهرة.
الواقع يفرض نفسه ،ومهما عاش الإنسان في الخيال ،ومهما شغلته أحلام اليقظة ،فواقع الدنيا يتغلب عليه ، وما نراه من قدرة الأقوياء والمحظوظين على تحقيق
أحلامهم ،ما نراه خادع فهم يحققون ما نحسبه فوزا وانتصارا ،وقد يكون في واقعه
وعلى مر الزمن هزيمة وخسارة كبيرة ،الواقع واضح في أن الأيام تدور ،ولا تتوقف عند حزن أو فرح ،أو قوة أو ضعف أو غنى أو فقر .....
الواقع يقول لنا أن كل الحقائق الدنيوية نسبية لا ثبات لها ،وأن الحقيقة المعيارية
الوحيدة هي حقيقة لا نستطيع إثباتها بالحواس البشرية ،وإنما بعمق التفكير والتأمل
وإعمال العقل بطريقة صحيحة ،ما نحسبه خيرا قد يكمن وراءه شر مستطير ،وما نظنه شرا قد يثمر خيرا على المدى البعيد ،هذا التأرجح وعدم الثبات كسمة أساسية لواقع دنيوي نعيشه هو الهاجس الرئيس الذي سيطر علىّ وأنا أنهي القراءة المتأملة لواحدة من أفضل الروايات التي قرأتها مؤخرا ،والتي تتجاوز ارهاصاتها الواقع إلى أبعاد أكثر عمقا ،وفق مستويات التلقي المتعددة للنص الروائي ،ووفق تأثير هذا التلقي على
المتلقي وفق مستواه الاجتماعي و الثقافي ،والتخيلي ،ووفق استيعابه لتوتر الواقع ،
وتلك الأبعاد الأكثر عمقا .
-الرواية حوالي مائة وسبعين صفحة ،مقسمة إلى أربعة وعشرين فصلا ،عناوين الفصول تأخذنا إلى كونها رواية إجتماعية تقليدية :أطلال الطفولة ،الحادثة ،القيد ،المساومة ،رنين الذهب ،الاستدراج ،الصعاليك والمال ،شرارة الحب ،المأزق ،ثمار الخريف ،الخلاص ،الاختيار ،الانكسار ،حافة الضياع ،التحول ،الهرم المقلوب ،المعضلة الكبرى ،الاعصار ،التصدع والضياع ،المصيدة ،المعركة ،الحب الكبير .
-اختار السارد أن يروي أحداثها بأقوى أنواع السرد (السارد العليم ) ويحدد الأماكن بدقة ،ويفتح آفاق التلقي من السطر الأول للرواية يقول :
"..تسلل الصبح إلى غرفة (ليلى) الكائنة بشقة رقم 8 بالدور الثالث بالعقار رقم 45 بشارع ربيع الجيزي ،وذلك في يوم السادس من أكتوبر عام 1981م .."
،وفي ختام الرواية يقول :"..في فجر جديد استيقظت وقت السحر ،ووجدت نفسها مشدودة لسماع القرآن الكريم ،وبعد أن قامت بأداء صلاة الفجر شعرت برياح طيبة تدخل من شرفتها ،كانت ترى موجات من الأمل في الأفق في صباح يوم 25 يناير 2011م شعرت أنها تتحرر من قيود الزمن ،وكرهت أن تظل هكذا تلهث وراء المال ووجدت آمالها في المستقبل تتلاقى مع أحلام الأبرار .."
-هكذا ومنذ السطر الأول وإلى السطر الأخير تتعدد مستويات التلقي ، ومحاولات التأويل ،وفق الثقافة والتبحر فيها ،والإحاطة بكل أحداث الزمانين وما بينهما .
-من ليلى ؟
وكيف صارت محور الأحداث؟
،يبدأ برسم فيزيائي لها ،لا يمنع العمق الرمزي الذي يعد واحدا من أهم مستويات التلقي ،ومحاولات التأويل يقول :
"..كانت كالبدر ليلة تمامه ،جسدها متناسق ،وجهها يحمل معالم الحسن الصريح ،يخرج من عيونها سحر لا يقاوم ،ولا يصد ولا يرد .."
-كما حرص الكاتب على الرسم الاجتماعي لليلى ،والدها معلم للغة العربية ،وأمها فائقة الجمال ،ولها أخ يكبرها بخمس سنوات ، وأختان أصغر منها .
-أما الرسم النفسي للبطلة ،فقد بدأ يتشكل في الطفولة وأثر عليها في كل مراحل حياتها ، وهنا يضوي الكاتب على مشكلة العنف غير المبرر ضد الأطفال بجهل من الكبار ،الذين يخطئون في حق الأطفال بضربهم ،وعدم العدل معهم ،وفي مشهد مؤثر جدا ،وعمر ليلى تسع سنوات،تصر ألا تعطي أختيها عروستها ،وتفشل الأم في حل المشكلة ،وينزعج الأب ،ويعالج المسألة بعنف غير مبرر. -قول الكاتب :"..عاد الأب لحجرته ليحضر قطعة جلدية ،وانهال عليها ضربا ،وهي متشبثة بالعروسة ،لا تريد تركها رغم ارتفاع وتيرة الضرب ،الذي بدأ يتصاعد ...،وامتزج صوت ارتطام الحزام بجسدها مع البكاء والصراخ ،والأم تحاول انتزاع العروسة من يدها دون جدوى ،كانت قابضة عليها بيد مستميتة ،غير مبالية بما يهوي عليها من ضربات ،كانت الضربات كزخات المطر في هطولها ،وكالسياط في وقعها على الجسد الرقيق ،كانت الطفلة تقبض على عروستها كمن تقبض على الحياة خوفا أن تفر منها .
يقف أخوها يتمزق من أناتها ،ورغم أنه يكبرها بخمس سنوات ،إلا أنه لا يقوى على الدفاع عنها ،كان يتألم لبكائها أشد ما يكون الألم ،ولكن التدخل لإنقاذها مغامرة كبرى ،سوف ينال الضربات القاسية بدلا منها ،ورغما عنه قفز منحنيا عليها غير آبه بما سيحدث واحتضنها ،خوفا عليها ،خافضا عينيه في وجه أبيه يتوسل إليه العفو ،استيقظ الأب من غفوته على بكاء الصبي الذي يتلقى الضربات مضحيا بنفسه لانقاذ أخته ...هدأت ثورته حياء من الابن الذي فاضت شهامته بعلامات الرجولة المبكرة ،كان يحمي أخته بالطاعة والبر ،والتسل في نبرات صوته يعلى مقام الأبوة ،هنا أدرك الأب أنه خرج عن شعوره ،تسمر في مكانه ،انتابته لحظة شفقة عندما شعر أنه تجاوز حدود التأديب .."
-ويواصل الكاتب الرسم النفسي لليلى ،والتأطير لأزمتها وهي أزمة اجتماعية تتجاوز حدود الزمان والمكان لتؤثر في سلوك الإنسان وعلاقاته يقول :
"..أزمة ليلى الحالية نشأت منذ بواكير الطفولة ..انشغلت الأم عنها سهوا لتدلل الصغيرتين ،تملكها التحدي بالعناد ،لعلها تلفت الانتباه نحوها جراء فقدان هذا الدفء ،وعندما يشتد التجاهل يدفعها الغيظ إلى التظاهر بالثبات ،ومن شدة الحزن يضربها وهم الغرور ،فتحاول التماسك من الخارج ،وهي محطمة من الداخل كأنها مسلوبة الروح ."
-يقول :"..كانت تحمل المتناقضات في آن واحد دائما تحرص على التفرد ،ولو بالعناد ،ولد لديها كلام أبيها عن القناعة مواقف عكسية ؛فتعلقت بحلم الثراء ،أما نصائح أمها بضرورة أن تستظل الفتاة برجل ينفق عليها وبرعاها ؛جعلها تحلم بالاستقلال والاعتماد على الذات .
أصبحت كالمهرة الجامحة ،امتزجت في شخصيتها كل الخصال ،فهي طيبة جدا ،وشريرة جدا ،هي الصيف والشتاء ،العناد والطاعة ....وهي أخطر على نفسها من أي وباء ..ترى هل ستعبر الحياة سالمة أم ستغرق في غياهب المتناقضات التي كبلت كل أحلامها بسياج من حرير وأشواك .."
-وكما نرى كيف يجذبنا الفصل الأول إلى مطالعة أحداث الرواية ،وتتبع ما سيحدث ،وما ستحدثه ليلى ،ومن خلال السرد تتركز الأضواء على كثير من المشكلات الاجتماعية التي تحتاج حلولا ،والتي تجعل الحياة أكثر صعوبة ليس أمام ليلى هذه الجميلة ،ولكن أمام الإنسانية على رقعة وجودها .
-تنجح ليلى وتتخرج في كلية الحقوق ،ورغم ضعف تقديرها ،فقد فرحت بالنجاح فالدراسة في كليات الحقوق صعبة ،ومع تخرجها تبرز مشكلة اجتماعية صعبة :عدم ارتباط نواتج التعليم بحاجات المجتمع ،وعدم العدالة في الاختيار للمناصب العامة ،فمن حصل على الامتياز لا يجد وظيفة لعدم انتمائه لشريحة اجتماعية عليا ،ومن يحصل على تقدير ضعيف ،تفتح له أبواب الوظائف لأنه من طبقة اجتماعية عليا ،يضوي على هذه المشكلة الكبرى من خلال رفض تعيين كمال عمر ابن قرية الدلجمون التابعة لمركز كفر الزيات غربية رفض تعيينه بالنيابة رغم حصوله على الامتياز في القانون ، لأنه غير لائق اجتماعيا .
-ثم تبرز مشكلة إجتماعية أخرى وهي مشكلة رجال الأعمال الذين يتاجرون في الممنوعات ،ويظنون أنهم يستطيعون أن يشتروا كل شيء بأموالهم ، والسلاموني مثال لذلك ، وعندما ترفض ليلى الاقتران بابنه سامي السلاموني ،تشيط الأم غضبا ،وتضغط لكي يتزوجها ابنها أسبوعا ويطلقها كي تكسرها ،هذا السلاموني يريد أن يزوج ابنه من ابنة رجل أعمال يدعم تجارته .
- وتبرز مشكلة المحاماة ،وضياع الحقوق ببعض التصرفات خارج القانون من بعض المحامين ،وكيف يستعلون حاجة الناس ،ويعطونهم تعويضات أقل مما يستحقون ،ليتنازلوا عن القضايا .
- ثم يعرض مشكلة المتحرشين بالمرأة العاملة سواء باللفظ أو الفعل وهو يعرض لمشكلة ليلى مع المحامي سمير طايع وكيف استطاع أن يكسب القضية بالتحايل على أهل رجاء وإعطائهم بعض المال ليتنازلوا ويكسب القضية ،ثم يتقرب إلى ليلى بكلام معسول ،ثم يعرض عليها أن تعمل معه ،وتجد في ذلك فرصة لها كي تتدرب مع محام كبير ، ولكنه كان ينتظر الفرصة لينال منها ، فعلا يحاول اغتصابها فيفشل ، وتدفعه فيصدم بالمكتب ويصاب ،وتتخيل أنها قتلته ،ولكنه ينجو تترك المكتب ،وتعمل في مكتب محام آخر شهير ، تتعلم الكثير ، حيث يعد محاميا مثاليا هو مدير مكتبه .
-يصور الكاتب مشهد مقاومة ليلى للاغتصاب تصويرا يبين كيف كانت ليلى عنيدة مع الذئاب ،يقول :"..شعرت الفتاة بغثيان وهي تقاومه ،لم تتوقع هجومه المباغت عليها ،إنه حيوان في صورة بشر ،حاولت أن تكلمه بالعقل دون جدوى ،ذكرته بالشرف واستحلفته بالأخلاق فلم يستجب ،ومن أين لهذا الذئب أن يدرك معنى القيم ...بذلت مجهودا هائلا في المقاومة ،وكاد أن يتغلب عليها ...يدفعان بعضهما البعض ،تارة يسقطان فوق الأرض ،فتنهض من تحته ،وتارة يهوي بها على الحائط ،فتنزلق منه ،وظلت هذه المنازلة لبعض الوقت ،وفي لحظة تبددت فيها عزيمة الفتاة ،وخارت قواها ،استجمعت من الوهن عزمها كحصان جامح في ساحة الوغى ،وبكل عنادها وغيظها دفعته بشدة كمن يدفع الموت عن عمره مخافة الفناء ،فيتقهقر للخلف فتصطدم مؤخرة رأسه بحرف المكتب المدبب فيسقط غارقا في الدماء .."
- تحاول ليلى أن تختار بين ابن رجل الأعمال سامي السلاموني ،وبين الشاب الدي يعشقها ناجي ،وبعد حيرة وتردد تختار ناجي ، لكنهما رغم سعاتهما بالزواج اختلفا بسرعة في شهر العسل ،هي معجبة بجسمها ،وتريد أن ترتدي مايوه البحر ،وهو يرفض ذلك رفضا شديدا ،ولم يجد مع عنادها إلا الشجار والسباب ، تعقدت المسائل بينهما بسرعة فتنازلت عن كل شيء مقابل الطلاق
وعادت لبيت أهلها وهم في ذهول .
-لاتكاد تنتهي مشكلة إلا وتظهر أخرى على السطح ،مشكلة المرأة المطلقة المددانة في كل الأحوال يقول الكاتب :
".لقد أصبحت مطلقة والأمر صار مختلفا ،أنفاسها من الآن معدودة عليها ،وفي الخارج الكل يحاول اصطيادها ،اصبحت كالفريسة تلهث وراءها الذئاب الجائعة ،شعرت الذبيحة أن الزمن توقف عند لحظة الطلاق ...الشرخ في أعماقها أكبر من أي تصور كل ما حلمت به طوال العمر ما هو إلا سراب .."
،وتصر ليلى في أوج عنادها أن تجهض نفسها ،عندما اكتشفت أنها حامل من ناجي ، كارهة أي شيء يربطها به .
- واصلت ليلى العمل مع المحامي فرج همام أومدير مكتبة وليد دعبس الذي لم يستغل كونها مطلقة ،وشغلها كثيرا سبب تجاهله لجمالها ،واكتشفت أن يحب زوجته حبا حقيقيا ، كسبت ليلى قضايا كثيرة وكانت تأخذ قضايا لحسابها ،وكونت ثروة لا بأس بها .
- ومن العجيب أن المحامية المتمرسة ليلى تقع في فخ رجل الأعمال فتحي شهدي وهو مراوغ وأفاق ،يخدعها بورقة عرفية دون شهود يكتبها في السيارة لتصعد معه شقته ،ويسرق منها الورقة ليبتزها ،وعندما يريد ناجي أن يعيدها يهددها بأنه سيفضحها ،وعندما أخبرت ابنة خالتها رجاء ،فضحتها أما أسرتها ولم تكتم سرها ، تتمكن ليلى من الضغط على فتحي شهدي فتبلغ زوجته بكل شيء ،ثم تجد له مخالفات في ملفاته تذهب به إلى السجن ،فيعطيها الورقة ،وعندما تثور عليها أسرتها ،تنكر كل شيء وتكذب ابنة خالتها رجاء ،وتواجه عدة كوارث : أنها حامل من رجل الأعمال الأفاق الذي رفض أن يتزوجها يوما ويطلقها لتحتفظ بالطفل ،والكارثة الثانية وفاة ناجي في حادثة بعد أن عقدا القران ،وعندما تذهب لتجهض نفسها ،تفقد مع الجنين الذي أجهض الرحم وتفقد القدرة على الإنجاب مرة أخرى .
- تحاول أن تعيش ، وتتجه إلى التجارة في بناء العمارات السكنية ،وتجد في سامي السلاموني زوجا مسالما فترتبط به ، وتواصل العمل والمكسب ، وتتعرف على كمال عمر ذلك المتفوق الذي ظلم اجتماعيا ،وعمل معها في التسويق العقاري ،وكان صادقا معها أحبها حبا طاهرا قاومته بعنف لم يحفل به وظل يواجهها بعيوبها ،وبما يجب أن تصلحه ، رغم كل الرفض منها بعد كثرة التجارب الفاشلة ،التي تجعلتها تكفر بكل المشاعر ،وكل الرجال فهم مجرد ذئاب ،ولكن كمال عمر لم يكن ذئبا ،واستطاع أن يثبت لها أنه مختلف ،وحقيقي ،وعصي على أن يلوث ، و تتطور العلاقة بينهما بصورة تجعلها تثق به ،وتسمع لكلامه ،وإن أبدت اعتراضات ظاهرية ،يقول الكاتب :
"..لم يكن كمال عمر رجلا عاديا ،فعلى الرغم من عدم اهتمامه بالمظهر وبساطة ملبسه الذي يدل على شظف العيش كان يمتلك نظرة ثاقبة ...أهم ميراث حصل عليه هو الصدق فلايكذب أبدا ،والأمانة فلا يخون صديقا ،والشجاعة فلا يجبن ...كان مؤمنا بأن أجمل ما في الحياة هو الحب .."
-يصرح كمال عمر بحبه لليلى التي تقاوم هذا الحب بكل الطرق ولا تريد أن تخوض تجربة جديدة ،وكانت في رفضها لعمر ترفض ناجي وشهدي وكل الذئاب ، ويصارحها بعيوبها ،فتثور عليه ،لكنه يكتسب ثقتها ،ويحاول بكل الطرق أن يعالجها نفسيا ،وقول لها :"إني خائف منك وعليك "
- في الوقت الذي كانت ليلى تعيش مشاكلا مع شريكها وترغب في فض الشركة ،وكانت علاقتها الزوجية مع سامي السلاموني على وشك الانهيار ،كان كمال عمر لا يمل يتصل بها رغم عدم ردها على رسائله ،كانت تعيش في جوانحه ،وكان يقاتل ليخرجها من حالة الضياع ،ويجعلها تنسى الماضي وتستعيد نفسها ، يسعده أن يراها تمسك كتابا دينيا ،يقول الكاتب : "تركها كمال حتى لا ينغص عليها حياتها ،فالحب أن تتمنى الخير للحبيب ،وأن تضحي بمتعة القرب منه ،حتى تمنحه فرصة للوفاء بعهوده ،وفطرته ،قمة الحب إن تعثر الارتباط أن تكون طاهرا مع من تحب ،إن الخلاص من آلام العشق ،لا يتحقق إلا بحب أكبر ،وهذا هو حب الله ثم حب الوطن والخير ."
-ليلى كانت في قرارة نفسها تحب كمال عمر ،تسمع كلامه ،وتنفذ أكثره ، فهمت معنى :"أن السعادة ليست مالا أو مناصب أو علاقات نافذة ."
- تكتشف ليلى الحقيقة ،وترى الحق جليا ،فتخاطب صورة الأم والأب وتتصالح معهما ، وتقول في ختام الرواية مخاطبة صور الأب :" ....سوف أغتسل بنور الحقيقة ،وأحضن الرضا ؛لأشرب من فيض القناعة ،فكل العطاء هو قلبك الكبير ..."
-وبعد هذه القراءة السريعة لواقع الرواية ، نجد عمق الزمن ،وتعدد الأماكن ، وتنوع الشخوص ،والحبكة الروائية التي تجذب المتلقى ،والحل السعيد ،والتي نرى من خلالها كيف عكست أحداث الرواية آلام وطن وأمة من الماء إلى الماء ومن الأرض إلى السماء ،بل آلام الإنسانية في كل زمان ومكان حيث الصراع بين الخير والشر بين القبح والجمال ،بين العنيدة والذئاب ، إن علاج كل هذه المسائل بإلقاء الضوء عليها ، خصوصا مشكلة صراع الإنسان مع الماضي ، والتمسك بمنظومة القيم التي تعصم الإنسان من الزلل ،كما عصمت كمال عمر ، وعالج أخطاء الماضي التي وقعت فيها ليلى ، وهذه الرومانسية العالية في علاج أعقد المشكلات ، وتفاني المحب في حب الخير لمن يحب حتى لو كان بعيدا عنه ،هذه الرومانسية زادتها البلاغة اللغوية ،والعبارات الشاعرية ذات الإيحاءات الظلال التي أجاد الكاتب استخدامها ،والتي عكست رؤيته ، قد نختلف مع ليلى ،وقد نرفض بعض سلوكياتها ،لكننا لن نكرهها إنسانيا ،وقدريا بل سنكره كل الذئاب التي نهشتها ،والتي لم تقف إلى جانيها بل استغلت جهلها وقلة خبرتها لتغرر بها ، ولو أن ليلى التقت بكمال عمر في بداية حياتها ، لأقنعها بأن الحشمة خير ،وأن الإجهاض جريمة ،وأن سعادة الإنسان ليست في المال فقط ،وأن العناد لا يكون إلا في نصرة الحق والوقوف ضد الباطل ، ليلى التي لم يفلح سمير طايع في اغتصابها ،ولم تستمر علاقتها بفتحي شهدي الذي حسبها عاهرة ،ليلى التى أجهضت نفسها عنادا ،وتحملت فقدان الرحم ، والتي كانت تصنع الخير ، ونجحت في مكتب المحامي الملتزم ،والتي عادت إلى الحق في النهاية ،تستأهل منا الشفقة والإشفاق ،فكل تلك الكوارث التي تهدم الواحدة منها أي جبل ،بعد كل كارثة كانت تتماسك ،وتعود أقوى ،وقد أضاء في الختام قلبها بالإيمان الذي هو طريق الفلاح ومنهج السعداء .
-إن عمق التحليل النفسي ، والاجتماعي في رواية العنيدة والذئاب هو عمق يدعونا للاحتفال بها ، والغوص في الأعماق التي تأخذنا إليها ،فتزداد المتعة ويزيد الاستمتاع ،على المستوى النصي كرواية ،والمستوى اللغوي كجمل وعبارات وتراكيب وأساليب ،والمستوى الرمزي الذي يفسر ولا يحل .
ولا يسعنا إلا أن نبارك للكاتب هذا العمل القيم ،ونتمنى أن نطالع أعماله الجديدة إن شاء الله .