هل ينجح الحكم الفردى.

محمد حسين يونس
2018 / 12 / 21



هل ينجح الحكم الفردى في إنشاء دولة..هل يقيم ديموقراطية..!!
في صدر شبابنا كافحنا ـ بصدق ـ كي نبني مجتمع الكفاية والعدل الذى بشرعبد الناصر به كاشتراكية عربية، وكنا متحمسين للاجراءات و القوانين التي اتخذتها الثورة لمحاصرة الاقطاع و الرأسمالية المستغلة و الاستعمار واعوانة
وكنا علي يقين ـ مضحك ـ بان الملك فاروق و الاحزاب هم سبب النكبة وحالة التردى الذى نعيش في تخلفه كمصريين و عرب
وكان زادنا اليومي متابعة القضايا التي فجرها النظام الجديد عن الحياد الايجابي ، محاربة الاستعمار ، تنوع مصادر تسليح القوات المسلحة ، تحقيق الاشتراكية والقضاء علي فلول الاقطاع والرجعية بالجامعات و القضاء وسائر مؤسسات الدولة .. وكيف نحقق ديموقراطية شعبية تقوم علي تحالف قوى الشعب العامل .. مع الوحدة العربية و التصدى للنفوذ الامريكى بالمنطقة و صنيعتة اسرائيل وكان النظام كريما فزودنا بكورال حكومي رسمي لا يمل من الدعاية و البث بكل الوسائل ..الجريدة ،الكتاب ، المسرح ، الاذاعة ، التلفزيون ، الاغنية ، النشيد ، الاحتفالات التي تضم الاف الشابات و الشبان ، بالاضافة الي خطب الزعيم و((بصراحة)) هيكل
ثم سقط النظام بهزيمة 67 وسقطت معه كل الاحلام الرومانسية و الامال الصبيانية عن كوننا قوة عظمي او علي الاقل في طريقنا بقيادة عبد الناصر لان نصبح واحدة من القوى العظمي التي تضم ملايين الشعب من المحيط للخليج
عندما سالنا الاساتذة الذين يعلمون اكثر ..قالوا لا يقيم الاشتراكية الا الاشتراكيين .. وعبد الناصر خانه التوفيق باعتقاله للقوى القادرة علي تحقيق الحلم و إيكال قيادة التغيير لعناصر انتهازية من ابناء الاقطاع و الرأسمالية ففشلوا و فشل واضاع الفرصة
الان انظر خلفي وابتسم فلقد ضللنا الجميع ، العسكر بادعاء انهم ملائكة تسعي لصالح الوطن و المواطن و الاساتذة عندما اخفوا عنا الحقيقة و اوهمونا باننا كنا بصدد تحقيق اشتراكية ديموقراطية و ان ما جاء بالميثاق و باقي وثائق الثورة و خطب الزعيم كان تعبيرا عنها ..
وان السادات ـ بعد وفاة عبد الناصر ـ قضي علي انجازاته و اجهض حلم الاشتراكية بسجنه لرجال الناصرية و التحول عن القطاع العام والاتحاد الاشتراكي أو مناصبة امريكا و اسرائيل العداء
طرح السادات كنقيض لعبد الناصر اصبح الان غير دقيق فكلاهما وجهان لعملة واحدة صكت في برلين اثناء حكم هتلر و تأثير صعوده علي شباب المستعمرات كنموذج يحتذى به في مواجهة قوى الاستعمار التقليدى (انجلترا و فرنسا )
السادات و عبد الناصر من جيل تشبع حتي النخاع بدعاية جوبلز و موسيليني فآمن بالفاشستية و النازية في فرعيها القومي الشوفوني والديني الاصولي و تمثلها في حياتة السياسية و لم يثنيه عنها هزيمة المحور او التشهير برؤوس عصابة الفاشيست
لقد كان بمصر العديد من التنظيمات الفاشستية القومية و الدينية ( مصر الفتاة ،الاخوان المسلمين ، الحزب الوطني بقيادة فتحي رضوان ) وكان لكل منها اقتداءً بفرق العاصفة النازية ذات القمصان البنية قد كون فرقته و البسها قمصان خضراء او سوداء او بيضاء والجميع كان يرى ان الكفاح الوطني يعني الاغتيال و الانفجارات و اشعال الحرائق كما فعل جارنج عندما حرق الرايخستاج وكان هذا بداية الاستيلاء النهائي علي حكم المانيا درءً للفوضي
عبد الناصر عندما دان له حكم مصر .. وضع اساسات الدولة الشمولية علي النمط الهتلرى الذى يعتمد علي ارهاب الطبقة الوسطي بواسطة جهاز أمني بوليسي يستخدم بكثافة السجون و المعتقلات والتعذيب و التجسس و الوشاية .. ثم يسيطر علي لقمة العيش من خلال جهاز بيروقراطي متضخم يقبض علي كل مناحي الحياة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية وحتي الترفيهية ..وهكذا لم يهدأ عبد الناصر الا بعد ان دجن الشعب المصرى و جعلة طوع بنانه اما بالحب او الخوف او طمعا في مكاسب عديدة مفاتيحها بيده ..أو بواسطة دساتير شكلية أطرت لحكم فردى .. و صبغت الدولة بصبغة دينية أحادية.
عبد الناصر جني بعد ذلك نتيجة ترويضه للشعب ..ما جناه كل حاكم فردى علي مدى التاريخ هزيمة مذلة لمرتين احداهما في اليمن و الاخرى عام 67
السادات عندما استلم التركة لم يكن امامه الا الاستمرار علي الدرب فقوى جهاز الامن وتضخم في زمنه من حيث العدد و دوائر النفوذ ثم عدل النظام الاقتصادى بما يسمي الانفتاح محتفظا بمفاتيح الخزائن و المنح و المنع في يده يهب من يشاء و يقطر علي من يريد عقابه .. وجمع الخيوط جميعها بيده بواسطة دستور وقوانين خصوصية دبجها له ترزية قوانين مهرة علي نمط دستور هتلر النازى وقوانينه ورايخستاجه (البرلمان الألماني )
ثم ان السادات اهتم بان يعطي انطباعا بانه هتلر المبعوث للامة.. فارتدى ملابسه و امسك بصولجانه و علق نياشينه وسار يتبختر بمشية الاوزة الاستعراضية النازية، السادات لم ينقل الجوهر فقط بل لم يخجل من نقل الشكل ايضا
وحتي في خطبة استعار مأثورات هتلرية مثل " الديموقراطية لها انياب و مخالب " أو "دولة العلم و الايمان" او لقب " كبير العائلة ".. وفي النهاية استسلم لامريكا و اسرائيل و الاخوان المسلمين المطاردين منذ زمن عبد الناصر فاغتالوه طمعا في ركوب الموجة و تحقيق فاشستية دينية جديدة
و كان السقوط الثاني فالسادات مثل عبد الناصر لم ينجح في إختبار الديموقراطية أو حتي إقامة دولة عصرية ..ولم يعد أمام الوصول للهاوية حواجز
السيد الرئيس حسني مبارك عندما تولي بالصدفة وجد ان سلفه قد اعد كل شىء لحكم طويل المدى لا ينغص علية فيه منغص.. دستور و قوانين ومعاهدات و اتفاقات و اعانات تسول كلها ميسرة و خزائن مفتوحة دون رقيب وشعب تم تدجينه وتعود علي الطاعة بواسطة اجهزة الامن ..فجمد المبارك الوضع علي ما هو عليه.
حسني مبارك حرص لثلاثين سنة الا يحدث اى تعديل في بنية الدولة التي ورثها او اى تعديل ايجابي لتساير الزمن المتحرك فظلت علي حالها شمولية بوليسية يتحكم فيها لصوص و بلطجية ويقوم جهاز دعاية واسع التأثير باخفاء الحقائق وتزويق الانكسارات.
الدولة الفاشستية التي اسسها عبد الناصر و طوعها السادات لتصبح تحت جناح امريكا و اسرائيل و لتزوى بافكار وهابية و دولارات سعودية افرزت خلال عقود سكونها الثلاثة لحكم مبارك اكثر العلاقات الاجتماعية فسادا و انحطاطا في الزمن الحديث
فالمصريين اجتمعوا علي قبول اى اهمال حتي لو ادى الي حرق الاف الراكبين في قطار او غرق مثلهم في (عبارة ) او موت المئات تحت الانقاض لمباني عشوائية حديثة الانشاء .. او مرض المئات بالكبد الوبائي والديسونتاريا و الكوليرا لتناول مياه ملوثة او انتشار السرطان لتناول طعام تم ريه بالمجارى دون معالجة او رشة بمبيدات واسمدة غير مسموح بها
سكان مصر لم يعد يلفت نظرهم هدر انسانية البشر في البيت ، العمل ، الشارع ، المؤسسات الحكومية ، اقسام الشرطة او السجون وهكذا لم يعد هناك ما يعيب ان يبيع الاب ابنته الطفلة لوحوش الخليج يستعبدونها جنسيا وينتهكها من يكبرها بنصف قرن لقاء حفنة من الدولارات، ويسهل هذا سماسرة و محامين ومأذونين شرعيين ورجال دين بذقون لها لحي طويلة غير مهذبة
ولم يعد هناك ضابط أو رابط في التناسل .. فزدنا يالملايين و رخص الإنسان في سوق العمل .. و لم يعد يحظي بالقدر المناسب من التجهيز ليشغل وظيفة تتناسب مع تطورات السوق العالمية فأصبح المصرى يمثل الإختيار الثالث أو الرابع عندما يؤجر الخلايجة عمالهم
العقد الاجتماعي الذى ساد في زمن الفاشستية يجعل من الطبيعي تلقي الرشاوى والهدايا وان يدخل الشاب كلية البوليس او سلك النيابة لقاء مبلغ معلوم يدفع لصاحب نصيبه.. ولم يعد المسئول الذى يتلقي هدية فاخرة يرى نظرات الاعتراض من الذين حولة (زوجتة ،ابناء ، اقارب ، اصدقاء ) ولا يجد اى منهم ان في هذا خللا سلوكيا فتركب ابنة الوزير عربة من احدث طراز مقدمة كهدية لابيها ولا تستنكر ..ويسكن الابن في شقة فاخرة حصل عليها بربع الثمن تملقا لوالده صاحب القرار في الصفقات العامة والحكومية.. ويعين القريب في وظيفة لا تناسب مؤهلاته او خبرتة و لا يثير هذا استياءا او امتعاضا
العقد الاجتماعي الذى أزاح أمامه قيم الشرف واحترام الاخر والجدية في العمل ليحل محلها اتفاق بتجاهل الفساد و البلطجة و اعتبارهما شطارة بدأ تأصيلة مع انقلاب العسكر علي الشرعية والاحتفال بهم فتسبب فى سوء التعليم وانخفاض مستوى الخدمات والكل راض ما دامت المراة تغطى رأسها والرجل يؤدى الصلوات الخمس فى الجامع ..
الانسان النموذجى فى العقد الاجتماعى المستجد هو من يذهب سنويا الى الأراضى المقدسة ولا يهم من اين يكسب هذه النقود وما إذا كانت نظيفة من عدمه .
المصرى الذى تسطح سلوكه بسبب تعليم منحط القيم ، وإعلام كاذب مخادع استسلم فى النهاية لرجال دين جهلة قادوه خارج إطار القرن الحادى والعشرين .. ثم إلي التعصب المصحوب بالعدوانية و إحتراف البلطجة والفتونة لخدمة من يدفع اكثر ،أو استخدام العنف فى حل المشكلات ،مع انعدام الحوار وتزويرالانتخابات .
تحولت التجارة الى شطارة بمعنى الغش والمخادعة ، إنزوت قيمة العمل أو إتقانه وأصبحت كلها عاهات غير مكروهة يتعايش معها مجتمع غير متماسك ، ويمكن التجاوز عن أخطارها بحيث تنتهى مأساة ترويع آمنين أو حرق كنيسة أو قطع طريق بجلسة صلح يعقدها مسئول ، ولا يطبق فيها قانون الا ما تعارف عليه الفاشيست من ارهاب الضعيف
يحكي عن (سيزر ) أنه بعد أن حقق إنتصارات لم يصل إليها قائد سابق .. كان يسير في شوارع روما بعجلته الحربية تحيطة الجماهير من كل جانب تهتف ..
بعربة سيزر و خلفة .. و قرب أذنه كان يقف ناصح أمين يقول له .. كلما رأى علافات الفخر و الزهو علي تصرفاته (( تذكر ما أنت إلا إنسان فان )) ..
سواء كان هذا الحديث واقعي أو مدسوس .. فهو يشخص حالة الديكتاتور تشخيصا واضحا .. إنه يتصور نفسة معجزة زمانه التي لم يجد التاريخ بمن يوازيه .
سنحت الفرصة مرتين عبر التاريخ الحديث لنخرج من متاهات حكم الفرد.. الأولي بعد هزيمة 67 و الثانية بعد هوجة يناير 2011..
في المرتين سلم المصريون الحكم لسيزر جديد و لكن بدون ناصح أمين فتصور ..أنه هبة الله لشعبة و لم يكتف بالهتاف حوله .. ولكن دون هذا في دساتير متتالية .. ليستمر الحال كدولة رئاسية .. بدلا من النمط الحديث للدولة البرلمانية ..
الغريب أن دولتنا الرئاسية أخذت الشكل وإفتقدت في نفس الوقت لعناصر الموازنة .. بتواجد مجتمع قادر علي المعارضة و التصحيح.. و أجهز إعلام كاشفة فاضحة .. و شفافية غير منقوصة و تطبيق قانون عادل يكفل المساواة و يجرم عكسها ..و قيادة رئيس قادر و مدرب من خلال سلسلة طويلة من الخبرة السياسية .
و في الواقع نحن لا نعيش في ظل دولة رئاسية أو دولة برلمانية .. لقد عدنا القهقرى .. لنخرج من القرن العشرين و الحادى و العشرين ونزاول علاقة بين الحاكم و المحكوميين تتصف بالإستبداد الشرقي . إستبداد من يحي و يميت (بدون إبداء الأسباب أو المحاسبة ) مثل شهريار و تيمور لنك و هولاكو التتارى ... أو إستبداد أبوى لمن يهتم بشعبه كأنهم أفراد إسرته .. يحن علي المطيع ويمنحه الأمان و الثروة.. و يقصي العاصي و ينفية و يذله .. أو إستبداد جماعة (عصبة أو عصابة ) مثل ذلك الذى عشناه تحت حكم المماليك ..ترى نفسها الأفضل و الأحق من الشعب المستسلم لقدره ..و لا تتواني عن القتل و التعذيب حتي للسلطان أو الأمير لو فشل في تسليم الجمق في موعده ..
الإستبداد الغربي سواء كان في زمن سيزر أو محاكم التفتيش بالقرون الوسطي(حيث هناك قانون و منطق حتي ولو كان مغلوطا ) فلم نصل إليه بعد .. نعم لم نصل خلال التجربة الطويلة من حكم الفرد إلي أن نصبح علي أعتاب ستالين و هتلر و موسيليني .. فمستبدينا كانوا دائما غير مؤهلين حتي لهذا الدور البدائي و لم ينجحوا أبدا في تطوير بلدهم لتصبح قوة يخشي من أظافرها و أنيابها الجيران ...
الحكم الفردى (المطلق ) لوث الجميع وتاهت القيم الانسانية والديموقراطية ، وتغير العقد الاجتماعى بحيث أصبح أقرب لقانون الغابة
الفاشيست القوميين و الفاشيست الدينيين استطاعوا تعديل سلوك المصريين وشغلهم بالصغائر عن أمور العصر والاهتمام بمستقبل الوطن ، فهل يستطيع هؤلاء الفاشيست تقبل قيم الليبرالية والديموقراطية.
سقطت مصر تحت ضربات مطارق الحكم الفردى من حالق إلي قاع الحضيض ثلاث مرات .. خلال الفترة من القرن الثامن عشر حتي الأن .. لقد كانت العلامة دائما .. هو حاكم فرد ينفذ سياسة محتل خارجي و ينزح أموال للشعب للخارج بواسطة مليشيات مسلحة لا تتوقف عن النهب .. حدث هذا مع الإحتلال العثماني .. عندما إستغل الباب العالي .. شبق المماليك .. و دمر المصريين .. يسرق أموالهم و لا يهتم بتعليمهم أو صحتهم أو حتي تحسين أساليب و وسائل الإنتاج .. و تكرر هذا مع ألبناء محمد علي من إسماعيل حتي فؤاد و فاروق .. بعد أن حكم مصر مندوبي صندوق الدين .. يجرفون أموال المصريين و ينزحونها لبنوك أوروبا بواسطة مليشيات كومبرادورية مرفهه تزاول حكما فرديا إستبداديا .. غير أمين .. و ها هي النسخة الثالثة للنهب عن طريق الديون و فوائدها .. يتسلل منذ أن تنازل المبارك عن صولجان الحكم .. لرجال جيشه .. لم تتوقف الديون للحظه .. و لم تتوقف الإلتزمات الخاصة بتسديد الفوائد .. و تتحرك الحكومات المتتالية طبقا لمخطط صندوق النقد المسيطر علية بواسطة أمريكا و رجال أعمال يهود .
نحن في مأزق فالحكام الذين إستعذبوا السلطة الفردية فى الغالب لن يقيموا ديموقراطية وإنما سيكررون ما فعله الأجداد منذ نهاية القرن الثامن عشر حتي اليوم ..و سيقدمون للعالم الخارجي تطورا للإستبدا الشرقي قد يرتدى بردة هتلرية بعد أن شكل اول حكومة نازية جاءت عن طريق صناديق الانتخابات ، ثم لم يترك مكانه الا بهزيمة ساحقة للشعب الألمانى.
علي الجانبالأخر الفاشيستية الدينية تترقب لحظة الاقتراع ..لتقود شعب تم تدجينه على مدى ستة عقود الى التصويت على سقوط الديموقراطية ، وما أشبه اليوم بالبارحة عندما هتف عمال النقل عام 54 " تسقط الديموقراطية " لصالح جمال عبد الناصر.
الغباء هو تكرار فعل نفس الشيء عدة مرات وتوقع نتائج مختلفة
Insanity doing the same thing over and over again and expecting different results Einstein
للأسف الحكم الفردى لم ينجح أبدا في إنشاء دولة..و لم يقيم أبدا ديموقراطية..!! فلماذا ننتظر العكس .


حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول