انها الانظمة العربية يا سادة !!

خالد بوفريوا
2018 / 12 / 14

من اعالي ضفاف المحيط الاطلسي غربا الى بحر العرب والخليج العربي شرقا، ارهقت العصابات الحاكمة شعوبها بعدة اشكال -قمعا واغتيالا ونفي… و ارهقت ذاتها وهي تدافع عن شرعية مفقودة بأدوات تفتقر الى الشرعية، عصابات عنوان تدبير وتسير شؤون شعبها (فرق تسد) وغايتها الازلية ادخال الشعوب الى زريبة الطاعة ولو على حساب دمائهم ولنا في حراك الخريف العربي حكمة ما ورائها حكمة ،كل هذا وأكثر انتج لنا الفشل الذريع والتبعية العمياء والطاعة المتجددة .فصدقوني ان لب الخلل لدينا في رقعة الخراب هذه ،خلل بنيوي .لكن اساسه التبعية على مختلف المشارب ،وهنا نضع جدلية الفيلسوف الالماني _جورج هيغل_ التي سبر غوارها في كتابه (ظواهرية الروح) من اوجد من !! العبد ام السيد، هل السيد من صنع العبد نتيجة لسلوكه العبودي ،ام العبد من صنع السيد نتيجة لاستبداده ؟
وبمعنى اكثر وضوحا هل ستبقى التبعية والعرب رفاق الدرب والتاريخ !؟
فشان الاقتصادي الذي يرزخ تحت مطرقة الديون الخارجية التي لا تزال عالقة في الأفق مع تراكم المديونيات وتضاعفها عدة مرات خلال الأربعين سنة الماضية ،فبعد أن كانت الديون الخارجية للدول العربية مجتمعة تساوي ما يقارب 66.3 مليار دولار عام 1980 يتوقع أن تصل إلى 667 بنهاية 2017 .ويتوقع أن تستمر بعض الدول العربية في السحب من احيتاطياتها المالية للإيفاء بمتطلبات التنمية كما إن الديون الخارجية تزيد من التبعيّة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية للدول المدينة. وكمثال حي على ذلك فقد تمَّ إخضاع الدول للقرارات الاقتصادية والسياسة التي تتوافق مع مصالح الدول الدائنة ،و فرض نوع من الرقابة والتدخلات في الشؤون الداخلية مصحوبًا بهجرة رؤوس الأموال المحلية إضافة إلى أن الخضوع للنظام الرأسمالي الدولي من خلال اندماج المؤسسات المالية العربية بالنظام الدولي مما عَرَّضها لمخاطر التجميد من قبل الحكومات الغربية. وهذا سبق وحدث لعدة دول عربية مع إمكانية تعرضها لخطر المقايضة وذلك بمبادلة الدَّين الخارجيّ بحقوق الملكية في مشروعات حيوية تملكها الدولة، في ظل هذا الوضع الاقتصادي المتدهور والغير حر وغياب مشروعات التنمية الحقيقية عانت الشعوب العربيّة الفقر والبطالة والتهميش والهدر لطاقاتها وكفاءاتها… ووقعت ضحية قلق وجودي واستلاب، وكان هاجسها اليومي هو إشباع حاجاتها الأولية كالحاجة إلى مأوىً وعملٍ ومكانةٍ اجتماعيةٍ وإحساسٍ بالطمأنينة.
إنّ الخروج من التبعية الاقتصادية يتطلب من الانظمة العربية الاستقلال بالقرار السياسي، والاستقلال بهذا الاخير يتطلب نوع من التكتل على كافة المستويات وتماشي مع النظام الرأسمالي الدولي وفق مصالح شعوبها بدرجة اولى ،كل هذا من اجل التحرر من قيود التبعية الاقتصادية المفروض على كاهل المواطن العربي .
فمن الشأن الاقتصادي الى السياسي، الذي يدنو هو الاخر تحت احذية التبعية للدول والتكتلات القوية في العالم و تحت ظلال هذه الأنظمة العربية السياسية المرهونة بنوع من التبعية الساذجة ان صح التعبير، وهي ما تفرض الدولة القوية على الدولة الضعيفة من اسلوب سياسي يصب في صالح الدولة المتبوعة، وبه تكون تبعية الدولة الضعيفة قهرية واضطرارية اي ان الدولة الضعيفة لديها رؤى وقناعات سياسية لكنها مجبرة على التخلي عنها بسبب هيمنة الدولة المتبوعة.. وبهذا عاش المواطن العربي زاحفا لاهثا وراء تحصيل لقمة عيشه ،وحبة الدواء لمريضه، وقسط من التعليم لأبنائه الذين قدر لهم أن يتعلموا وأما أولئك الذين لم يكتب لهم أن يتعلموا ،وهم كثر .فظلوا رهينة الجهل والأمية والفقر المدقع تحت انظمة لا تملك قرار سياسي سياديا لوحدها بل تخضع رغم انفها للوصاية الغربية حتى في ابسط شؤونها الداخلية.
أما على الصعيد الاجتماعي والثقافي وكذا الديني والتربوي ..فلقد شجّعت الأنظمة العربية في مجملها خطاب العودة للأصول أي ثقافة ترسيخ العادات والتقاليد (هذا ما وجدنا عليه آباءنا)،وإشاعة المعرفة اليقينيّة التي تقوم على الجواب الواحد الصحيح والعلاقات الميكانيكية السببية ، أي اختصار الواقع في تبسيطات اختزالية مثنويّة (أسود /أبيض ،خير/ شر ، نور /ظلام ،مؤمن /كافر) والتي غالباً ما تستمد قوتها من إسباغ اليقين الديني والتمسّك بأصالتها الماضوية وبالثوابت .وبذلك تم سدّ السبل أمام الفكر الحر وإبداعه الذي يعتمد على النقض والنقد وقابلية التجاوز والشك والجدل والتعدديّة والاحتماليّة .. ويكفينا النظر إلى واقع الإعلام في الدول العربية ، لندرك كيف سيطرت الأنظمة العربية عليه ووجهته بما يعزّز النظرة الدينيّة التراثيّة ويخدم مصالح النخب الحاكمة في آن معاً ،ومدى إحكام الرقابة على دور النشر والكتب المستوردة والصحافة وإخضاع المؤسسات الثقافية لمؤسسات حكومية بيروقراطية لا تفهم معنى الثقافة ولا تدرك أهميتها المجتمعيّة .وعلى الصعيد التربوي، لم يكن الوضع بأفضل مما هو عليه مما سبق فلقد فشلت المدرسة في رسالتها المرجوّة وبدلاً من نشر الفكر النيّر والروح النقديّة ساعدت على نشر الفكر التعصّبي والقَدري ،وتحوّلت المدرسة خاصةً في في الأنظمة الشمولية إلى مؤسسة تدجين وتهجين وترويض ولا كلمة تعلو على الجهل واندحار منسوب الوعي النقدي .
اما الجانب الديني باعتباره مصباح علاء الدين بيد العصابات العربية الحاكمة ،فمن أجل شرعنة وجودها اعتمدت على الاستخدام النفعي للأديان بشكل عام وللدين الإسلامي بشكل خاص ..وسنلاحظ أنه وفي حالات كثيرة تمّ توظيف الدين في الدول العربية لتحقيق أغراض نفعيّة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى ثقافية …وهكذا تحوّل الدين إلى مظاهر خارجية وأداة من أدوات الحكم والسلطة وتم اختزاله في وظائف وغايات ذات طبيعة دنيويّة متدنيّة - على حدّ تعبير _نصر حامد أبو زيد _في كتابه ( التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التفكير )الصادر في عام 2010 ،"لقد كان ومازال تحالف السلطة السياسية والسلطة الدينية من أقوى آليات التحكّم والترويض للإنسان العربيّ، ففي الوقت الذي كانت تقوم مؤسسات النظام الحاكم العربي بحرمان الناس من أبسط حقوقهم السياسيّة والاقتصاديّة وحق المشاركة في اتخاذ القرارات المصيريّة، كانت مؤسساته الدينيّة تقوم بحرمان الناس من أبسط حرياتهم الاجتماعيّة والإنسانية والفكريّة".