إيماءات الاختفاء ومراوحات الظهور والغياب في العرض المسرحي شبيهي

محمد سمير عبد السلام
2018 / 12 / 14


يحتفي فريق مراية المسرحي بتقديم عروض للمسرح الأسود، أو مسرح الضوء، والعتمة؛ وهو مسرح إيحائي تصويري، يقوم على التناول التجريبي الإيمائي للخطاب من خلال كل من التشكيلات التصويرية، وصيرورتها على الخشبة، والحضور الجمالي / الروحي للجسد، ومدى التواصل الروحي بين فريق العمل خلال لحظات الصمت، وبناء الصور، والتشكيلات الموحية؛ وهو ما يذكرنا بتقنية الاتصال الروحي عند ستانسلافسكي؛ والتي أشار إليها في كتابه إعداد الممثل.
تنبع – إذا – شاعرية المسرح الأسود من التشكيل السيميائي التصويري للخطاب من جهة، وإعادة تشكيل سينوغرافيا الضوء، والظلمة، وعلاقتها بظهور الجسد، وغيابه، واختفائه، أو انبعاثه مرة أخرى في تشكيل جمالي من جهة أخرى؛ وقد بدت الإيماءات التصويرية للمسرح الأسود في عرض فريق مراية المسرحي المعنون ب شبيهي، وتم عرضه بنادي الشبان المسيحيين بمدينة المنيا ضمن مهرجان وصال المسرحي برعاية مركز دوار الفنون هذا العام، وتم إعداد النص عن مسرحية شبيهي للكاتبة المغربية بديعة الراضي، وأخرجها الفنان أندرو عماد، وساعد في الإخراج الفنان أبانوب عاطف.
ويتناول العرض المسرحي إشكالية العلاقة بين الذات، والآخر وفق مستويات فلسفية، وثقافية، وجمالية عديدة، وكثيفة؛ إذ يمزج بين إيحاءات التعارض، والتداخل، والصراع، والتعاطف، والانبعاث الشعري الذي يقع بين الظهور، والغياب.
وقد وظف المخرج الفنان أندرو عماد سيمياء الضوء، والظلام، وتنويعات الجسد، والأيدي، والأقنعة – بصورة لعبية فنية – توحي بالتفكيك ما بعد الحداثي لمركزية الوجود، أو نهاياته المحتملة، وكذلك لمركزية الانفصال بين الأنا، والآخر في الخطاب التفسيري الذي قدمه العرض للنص المسرحي؛ ومن ثم أسهم الممثلون في إبراز حالات الجسد الروحية المتنوعة مثلما هو عند ستانسلافسكي، كما أبرزوا التشكيلات العلاماتية الدالة، والتي ترتبط بمفاهيم الوجود، والاختفاء، ومنطق الصراع، وتفكيكه في حالات تحول الذات، والتشيؤ الجمالي المضاعف، أو الانبعاث الطيفي للآخر؛ وكأنه جزء من مرايا الذات، وتشكلاتها التمثيلية في العرض.
يؤول العرض المسرحي – إذا – خطاب النص من خلال ثراء التشكيل العلاماتي الإيحائي لإشكالية الذات، والآخر؛ وكأنه يكثف شاعرية تجليات الآخر في الوعي، واللاوعي، والذاكرة الجمعية، والحضارية.
ويذكرنا التناول الذاتي لمدلول الآخر في الخطاب، وفي علامات العرض بثراء الآخر الشعري في كتابة شارل بودلير؛ إذ تناول مدلول الآخر من داخل الانعكاس الموحي بالاختلاف والتعارض الذاتي الداخلي المحتمل المنتج للغياب، وللحضور المحتمل الذي يفكك بنية الصراع الداخلي، ويؤكدها معا.
يقول في نص المعذب نفسه، ضمن ديوان أزهار الشر:
"أنا المرآة المشئومة
التي تنظر فيها إلى نفسها المرأة الشرسة.
أنا الجرح، والسكين!
أنا الصفعة، والخد!
...
أنا مصاص دماء قلبي".
(راجع، شارل بودلير، الأعمال الشعرية الكاملة، ترجمة: رفعت سلام، دار الشروق، ط1، سنة 2009، ص 305).
إن الحضور الشعري للآخر – في خطاب بودلير – يوحي بثراء الأنا، وتجليات الصراع الداخلي من خلال التشكل العلاماتي التمثيلي للآخر الملتبس بصوت الذات، ومراوحته بين الحضور، والغياب.
وقد قدم عرض فريق مراية / شبيهي مستويات تمثيلية إيمائية للآخر، ومراوغاته الوجودية، والفنية التي تستعيد بنية التعارض، والصراع، وتسخر من مركزيتها في الآن نفسه.


*إيماءات الاختفاء، ومراوحات الظهور، والغياب في العرض:
يقدم عرض فريق مراية لبلاغة الاختفاء المصاحبة لصور الآخر، وعلاماته، والتباسه بالذات، وتعدديته التمثيلية، واختلاطه بكل من الفراغ، والانبعاث الفني في الفضاء الجمالي للخشبة؛ وتذكرنا بلاغة الاختفاء في العرض بتصور الفيلسوف الفرنسي جان بودريار الفكري، والثقافي لمدلول الاختفاء، وارتباطه بتطور الصور والتشبيهات في الثقافة المعاصرة؛ إذ يرى أن الاختفاء يعد أسلوبا يحمل قدرا من التعقيد البنائي؛ فالاختفاء قد يمثل طريقة، أو أسلوبا للشخص، أو للموضوع في حالات التجسد، والتواصل، وتعيين الهوية.
(Read, Jean Baudrillard, Selected Writings, Stanford University press, Edited by Mark Poster, Second Edition, 2001, P.210).
اقترن الاختفاء – في فكر بودريار – بتأويل الوجود من داخل التباسه بالغياب المحتمل، ومن خلال الحضور الطيفي، أو التجسد التصويري، والتشبيهي؛ وقد راوحت تشكيلات الجسد التصويرية - في عرض شبيهي - بين التجسد، والغياب المحتمل في الذات، والشبيه الذي يجمع بين تمثيلات الآخر داخل الأنا، والآخر كتكوين مغاير / مختلف.
وتومئ مساحات الفراغ – في العرض – بالغياب، والانبعاث المحتمل، والمتجدد للشبيه من داخل الذات، وعبر آثار الذاكرة الجمعية التي ارتبطت بعلاقات الصراع، والحروب، والتعاطف الكوني، والتداخل، والتفكك الداخلي، وتجسدات الهوية التمثيلية المحتملة؛ الفراغ احتفالية لحضور تشبيهي تفسيري يقترن بالغياب المؤجل في المشهد، وفي صيرورة العلامات في العرض المسرحي.
وقد أبرز مخرج العرض الفنان أندرو عماد حالات الجسد الروحية في تمثيلاتها التصويرية لحالات الذات، والشبيه، ومراوغاته الجمالية، والوجودية، وتكثيفه لأصوات الماضي الصامتة الحاملة لتاريخ الصراعات، والتفكك الداخلي.
وكشف الممثلون الذين قاموا بالتشكيلات، ومراوغات الحضور، والغياب عن مهارة الاتصال الروحي التي تذكرنا بمنهج ستانسلافسكي، فضلا عن ألعاب المسرح الأسود، وتشكيلاته التجريبية الإيمائية؛ ومن أبرز هؤلاء؛ أندرو عماد، ومينا جمال / جيمي، وأحمد جمال، وكيرلس مجدي، وأبانوب عاطف، ونانسي صبحي، ويوستينا ميلاد، وراندا يوسف، وأدهم عاكف، ومحمد أحمد، وبيشوي هاني، وبيتر سامح، وعادل ملاك، وجون أشرف.
ويجيد الفنان مينا جمال / جيمي تمثيل حالات التجسد، والتجسد الطيفي، فضلا عن تشكيل الصور، والعلامات الموحية؛ وقد أبدع في أداء هذه التقنيات في شبيهي، ومن قبل في عرض تجريبي آخر بعنوان الساحر، بدا فيه الجسد كمعزوفة جمالية تشكيلية تناقش إشكالية الموت، والخير والشر في سياق ثقافي، وحضاري.
لقد جمعت مراوغات الحضور، والغياب، والانبعاث، والصراع – في شبيهي – بين تأكيد ثراء مدلول الآخر، وأطيافه من جهة، والسخرية ما بعد الحداثية من حضوره المركزي المغاير، ومن تاريخ العلاقات التقليدية نفسها التي اتصلت بتعارض بنائي بين الأنا، والآخر من جهة أخرى؛ وهو ما يؤكد النزوع التجريبي في العرض، واقترابه من مدلول الاختفاء الذي يحتفي بالمسافة البينية بين الذات، والتشبيه.
*لعب الأيدي، والأقنعة:
تتصل علامة القناع بالإشارة إلى الهوية الذاتية، وتأجيلها في الوقت نفسه؛ فهو يرتبط بمدلول الهوية بصورة مجازية؛ ومن ثم فهو يتضمن الإشارة إلى الآخر صمن بنيته الخاصة، وترتكز ألعاب المسرح الأسود على تأثير الأقنعة السحري، وتوظيفها في النسق السيميائي الإشاري للعمل، وقد قام المخرج أندرو عماد بتوظيف إشارات الأيدي، والأقنعة ضمن التشكيل الجمالي للآخر، والذات؛ وكأن الأقنعة تشير إلى أصالة التداخل بين الأنا، والآخر المحتمل، فضلا عن وفرة مدلول الآخر، وصوره الجمالية، ونسخه، وتشبيهاته التي تمتد من الذاكرة الجمعية السحيقة حتى تاريخ العرض.
وقد أشارت علامات الأيدي إلى الوظيفة الجمالية التجريبية؛ وهي اللعب الجمالي الذي يختلط بصراع شكلي يستعصي على النهايات الحاسمة للصراع في العرض.


التناقض الإبداعي في الرقصة الأنثوية:
جسدت الرقصة الأنثوية في عرض شبيهي التناقض الإبداعي ما بعد الحداثي في علاقات التجاور، والتداخل بين بنى الصراع، والقهر، والتعاطف بين الأنا، والآخر؛ وذلك لتفكيك بنية التعارض، وتاريخها الإنساني، وقد تم الاستعراض الراقص من خلال صور الظل الأسود؛ ليكشف عن الحضور الطيفي للذات، والآخر، والتباسهما بأصوات الماضي، ولحظة الحضور؛ وقد أبدعت الفنانتان نانسي صبحي، ويوستينا ميلاد في إبراز العلاقات الملتبسة، والمتداخلة، والتي تراوح بين التعاطف، والقهر على أنغام أغنية موطني، وكذلك الكشف عن تعددية الوجود المحتملة في بنى الظلال في المشهد.
*الدمية بين التشيؤ المضاعف، والتعاطف الكوني:
اختتم النسق السيميائي التصويري لعرض شبيهي بصورة لدمية ناقصة، أو تمثال غير مكتمل البنية، ثم وضع مجموعة من الأدرع التي تضاعف من بنية الدمية، وتوحي بوفرة التكوين، وقوته الشيئية، وقد أبدع الممثل الفنان جون أشرف في تمثيل حالة التشيؤ، والتعاطف الصامت الجسدي مع فريق العمل؛ ليوحي بالميكانيكية الشيئية من جهة، وبالتعاطف الكوني، والإنساني، والثقافي، والاجتماعي من جهة أخرى.
لقد وظف الفنان المخرج أندرو عماد سينوغرافيا المسرح الأسود في إنتاج خطاب تصويري تجريبي للنص؛ ليحقق العرض مجموعة من الرؤى الفلسفية، والثقافية الممزوجة بمتعة جمالية تصويرية منتجة بواسطة سينوغرافيا الضوء، والظلمة، والأقنعة، وتشكلات الجسد الروحية.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول