الدوله المصريه والمصريون المسيحيون

رفعت عوض الله
2018 / 12 / 14

منذ مجيئ العرب لمصر في منتصف القرن السابع الميلادي اصبح المصريون المسيحيون اهل ذمة، أي في ذمة وحماية المسلمين حاكما ورعية ، فلا يُسمح لهم بحمل السلاح والدفاع عن انفسهم ، ولا الانخراط في الجيش ، ولا ركوب الخيل ، ولا حتي لبس الملابس العامة ، فعليهم ان يلبسوا ملابس تدل علي كونهم ذميين وليسوا مسلمين . واذا هُدم او تقادم بناء في كنائسهم فليس لهم ترميمه او تجديده ، وعليهم دفع الجزية في مذلة ، ويلاحقهم الوصف بانهم كفار ومشركون . وكانوا في احايين كثيرة يتعرضون لبطش جيرانهم من الرعية المسلمة او لبطش الحاكم او الوالي فلا يجدون من يرد عنهم العدوان . كانوا رهن رضا او سخط الرعية والحكام ...... هكذا كانت أحوال المصريين المسيحيين طوال عصور الدولة الإسلامية ، ولكنهم في بعض الاحايين عوملوا بإنصاف وتقدير وخاصة من قبل بعض خلفاء الدولة الفاطمية .
استمر هذا الحال المزري حتي مجيئ محمد علي وبداية تأسيس الدولة المصرية الحديثة . نظر اليهم هذا الحاكم المستنير نظرة انصاف فرأينا رجالا منهم يتبوأون المناصب ويسهمون في بناء مصر الحديثة. وفي عهد محمد سعيد باشا اُسقطت عنهم الجزية ، وتجندوا بالجيش المصري ، فكانت هذه خطوة كبري نحو مساواة المصريين المسيحيين بالمصريين المسلمين .
بعد الحرب العالمية الاولي والتي انتهت في سنة 1918 طالب المصريون برحيل الانجليز، والغاء الانتداب البريطاني . وتشكل وفد مصري للسفر لمؤتمر الصلح بباريس لعرض المطالب المصرية. بيد ان السلطات الإنجليزية رفضت السماح لهم بالسفر واعتقلت سعد زغلول وصحبه ، فإندلعت وعمت البلاد المظاهرات الضخمة واشترك كل المصريين فيها عمال وطلبة وازهريون وقساوسة وموظفون وفلاحون ، فكانت ثورة كبري بحق ، مما اضطر الانجليز للإفراج عن سعد وصحبه وكان بعضهم من المصريين المسيحيين .
فاوض الانجليز الوفد المصري علي الاستقلال ، فكان تصريج 28 فبراير سنة 1922 والذي بمقتضاه أصبحت مصر مملكة مستقلة ، ذات سيادة مع شروط أربعة اخلت بمفهوم الاستقلال التام .
كتب المصريون دستورا حديثا " دستور 1923 " علي غرار الدساتير الاوروبية الحديثة ،وأجريت الانتخابات التشريعية وصار لمصر مجلس نواب وصار لها وزارة مسؤولة امام البرلمان.
في ظل دولة المواطنين الحديثة شارك المصريون المسيحيون في كل جوانب الحياة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا ، ولم تكن هناك تفرقة . فرأينا وزراء بل رؤساء وزارة من المصريين المسيحيين .
ورغم وجود تيار اصولي قوي تمثل في جماعة الاخوان المسلمين إلا ان علمانية الدولة المصرية آنذاك حمت مصر من تفشي الأصولية الإسلامية وما يستتبعها من التفريق بين المواطنين علي أساس ديني .
في عام 1937 عدلت حكومة الوفد برئاسة مصطفي النحاس من قواعد القبول والالتحاق بالكلية الحربية "المدرسة الحربية "والتي فيها يتخرج ضباط الجيش المصري . فقد كانت قواعد القبول بها تقصر الالتحاق علي أبناء الطبقة الارستقراطية ، فجاء التعديل ليسمح لأبناء الطبقة الوسطي والدنيا بالالتحاق . وهكذا التحق بتلك المدرسة العسكرية أبناء صغار الموظفين ، فاستطاع جمال عبد الناصر ابن وكيل مكتب بريد ان يلتحق بها ويصير ضابطا ،هو وغيره . وهؤلاء الضباط المنتمين اسريا للشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي ،كانوا غير راضين عن الملك وطبقة الباشوات ، ولا عن الأحزاب السياسية ، وكانوا علي صلة بتنظيم الاخوان المسلمين الاصولي .
نظموا ما يسمي يتنظيم الضباط الاحرار ، وبالتنسيق مع جماعة الاخوان المسلمين استطاعوا ونجحوا في الانقلاب علي الملك والامساك بمقاليد الحكم في مصر .
أولئك الضباط الذين لم يكونوا راضين عن شكل ومضمون الحكم في مصر ، الغوا الأحزاب السياسية وكرسوا حكم الفرد ، وتنكروا لتقاليد الحداثة في مصر ، ونظروا نظرة شك في ولاء المصريين المسيحيين . والدليل الدامغ على ذلك عدم وجود ضابط واحد مسيحي في تنظيم الضباط الاحرار.
بدافع من عدم ايمان اولئك الحكام الجددبقيم المواطنة والتساوي، وبدافع من تأثير جماعة الاخوان جري تهميش المصريين المسيحيين واقصائهم من مواقع العمل والنفوذ .
رويدا رويدا انعزل المصريون المسيحيون ، وانسحبوا من المجال العام .
رفع عبد الناصر لواء القومية العربية ، ونادي وعمل علي تكوين كيان عربي واحد . ومنطقي ان العروبة تستند للاسلام ، وهذا لم يكن مشعورا به في زمن عبد الناصر ،ولكن مع انكسار المشروع الناصري في هزيمة يونيو 1967 قوي واشتد عود المد الديني الإسلامي حتي انهم ارجعوا الهزيمة لتخلي الدولة والمجتمع عن الإسلام استمساكا باليسار والاشتراكية .
مات عبد الناصر وجاء السادات رئيسا بعده . أراد ذلك الحاكم ان يؤسس تيارا خاصا به مخالف لتيار عبد الناصر . ولما كانت الكوادر اليسارية والاشتراكية والناصرية هي المهيمنة علي الشارع المصري ، عقد الرجل اتفاقا مع الاخوان لكي يحلوا محل الاولين ويسيطروا علي الشارع المصري. فاخرج الاخوان من السجون الناصرية ،وفتح لهم أبواب الجامعة والمدرسة والنقابات المهنية ليأسلموا المجال العام في مصر مع رفع لواء دولة العلم والايمان ،واخلاق القرية المصرية .
فكان منطقيا ان يستهدف الإسلاميون المصريين المسيحيين ، فكانت احداث الخانكة وبعدها الزاوية الحمراء وغيرها والدولة( ذات المنحي والتوجه الإسلامي) لا تحرك ساكنا ،ولا ترد عدوانا ،ولا تطبق القانون .
استمر الحال هكذا بعد رحيل السادات مقتولا بيد من فتح الباب لهم ، فعقد خليفته حسني مبارك اتفاقا ضمنيا مع الاخوان وكل الجماعات المتأسلمة علي ترك المجال العام لهم شريطة ألا ينازعونه في الحكم .
هكذا استشري فعل تنظيم الاخوان وامتد وظهرت جماعات اخري مثل الجماعة الإسلامية وغيرها. وظهر السلفيون وعبروا عن رفضهم لوجود المسيحيين في مصر بحسبانهم اهل كفر وشرك. وانتشرت الفضائيات التي تعرض وتندد بالعقيدة المسيحية ،وتعرض خطباء المساجد للمسيحية ووصفوها باٌلذع النعوت ،بل وظهرت مدارس إسلامية تعلم التلاميذ كراهية جيرانهم المسيحيين.
وشيئا فشيئا تكون عقل جمعي مصري مسلم يرفض المصريين المسيحيين ويحمل لهم مشاعر النفور والاستعلاء .
في ظل هذه الأجواء نمت وتضخمت احداث العدوان علي الكنائس وممتلكات واحيانا أرواح المصريين المسيحيين ، وشهدت قري الصعيد احداثا ووقائع حرق وتدمير وسلب ونهب وقتل للمصريين المسيحيين .
كل هذا والدولة ممثلة في المحافظ وقوات الامن وأجهزة الحكم المحلي لا تحرك ساكنا ، بل تمكن الجاني من الهروب من تبعة جنايته ، وتكرس لجلسات الصلح العرفية فتضرب القانون والدولة المدنية في مقتل .
رغم توالي هذه الاحداث والجرائم بسرعة ، وانتشار وتكرار إلا ان الدولة لا تفيق ولا تفعل شيئا .
الإشكالية هنا ليس في وجود الجماعات المتطرفة الكارهة والرافضة للمصريين المسيحيين ،ولكن في الدولة التي تتخلي عن مسؤوليتها في حماية بعض من مواطنيها من عدوان بعض اخر ، وفي تغييب القانون فلا يُعاقب جانى بل يحصل علي قوة وجراة فيكرر جريمته .
الدولة بغضها الطرف عن كل هذا هي تنكر نفسها وتفتح الطريق للقضاء عليها ،الدولة التي تسمح بحدوث ما يحدث بأستمرار ليست دولة.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير