الجنيه بين التعويم والتخفيض

احمد البهائي
2018 / 11 / 23

مر عامان على قرار البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، وترك تحديد قيمة العملة الوطنية لآليات العرض والطلب، أو كما يطلقون عليه التعويم الحر. ولكن ما حدث هو انهيار العملة، لأن الجنيه مُسعّر وفق تلك الأليات منذ 2003، حيث كان البنك المركزي يتدخل بشكل غير معلن لحماية الجنيه في أوقات نقص السيولة الدولارية أو تزايد المضاربات في سوق الصرف، وهو بعينه ما يحدث، فالتعويم الحر نظام، وليس من أدوات السياسة النقدية المباشرة وغير المباشرة، أو من الإجراءات والتدابير الكمية والهيكلية، حيث يستخدم بهدف التأثير في سرعة تغيّر سعر الصرف، وليس الحد من ذلك التغير، فإذا ما ازداد الطلب على الدولار في سوق النقد الأجنبي، فإن معدل صرف الدولار يميل نحو الإرتفاع، وإذا ما انخفض الطلب على الدولار فإن معدل صرفه يميل نحو الانخفاض. إذن، من يراقب السياسات والقرارات التي اتخذها البنك المركزي المصري، يعرف أن ما حدث في 3 نوفمبر 2016، ليس تحريراَ لسعر الصرف، بل تخفيضاً لقيمة الجنيه.
كان تخفيض قيمة الجنيه من أهم مطالب صندوق النقد الدولي، لإتمام إتفاقية القرض مع الحكومة المصرية، بهدف تحقيق مجموعة من الأهداف حسب توصيف الصندوق، التي منها: تحقيق الاسـتقرار فـي مـستويات الأسعار، وتنشيط عمليات التبادل التجاري، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والإستخدام الأمثل لعناصر الإنتـاج ورفع معدلات الإنتاجية، وزيادة الإحتياطيات النقدية من مصادره الرسمية البعيدة عن الديون والقروض التضخمية، وجذب الإستثمارات، والأهم علاج الإختلالات في ميزان المدفوعات، مـن خلال زيادة الصادرات، ظنّا أن تخفيض قيمة العملة وحدها تساهم في زيادة القدرة التنافسية للصادرات في الأسواق العالمية، نظراً لما تسفر عنة عملية التخفيض من انخفاض أسعار السلع المنتجة محلياً مقومة بالعملات الأجنبية، كذلك تخفيض حجم الواردات في الاقتصاد المصري، نظراً لارتفاع أسعارها مقومة بالعملـة الوطنيـة نتيجة تنفيذ سياسة التخفيض.
لكن تعالوا معا نرى ماذا تحقق، وإلى أين وصل الاقتصاد المصري بعد مرور عامين؟ فقد عكس مؤشر التضخم وقياس مستوى تغيير أسعار السلع على المستهلكين أولى تبعات قرار تخفيض قيمة الجنيه، فمعدلات أسعار كثير من السلع ارتفعت على أساس سنوي لتصل إلى 48% مقارنة بما كانت عليه قبل نوفمبر 2016، بل وتجاوزت النسبة في سلع أخرى لتصل إلى 240%، كالأدوات المنزلية والكهربائية والتكنولوجية، كذلك عدم قدرة الحكومة على الوفاء بالتزامتها نتيجة تخفيض قيمة الجنيه ومحاولة رفع الإحتياطي النقدي لديها، ما دفعها للجوء إلى الإقتراض الخارجي والداخلي على حد سواء، مما تسبّب في ارتفاع معدلات الديون بصورة مفزعة، حيث أظهرت الأرقام أنّ الدين الخارجي لمصر بلغ 92.6 مليار دولار في 2018، مقارنة بــ 47.8 مليار دولار في 2016، كما ارتفع الدين العام الداخلي إلى 3.7 تريليون جنيه مقارنة 2.368 تريليون جنيه في 2016.
ومن ناحية جذب الإستثمارات، أظهرت البيانات أن الاستثمار الأجنبي المباشر وصل 7.7 مليار دولارفي 2018، مقارنة بـ 6.9 مليار دولار في 2016، أي لم تحقق الحكومة سوى زيادة قدرها 800 مليون دولارفقط، وذلك رغم إعلان الحكومة أنه بنهاية 2018 ستصل حجم الاستثمارات المباشرة إلى 12 مليار دولار، مع العلم أن ما تحقق من استثمارات بعيدة عن المشروعات الصناعية والتحويلية.
ومن ناحية الإستثمارات الأجنبية غير المباشرة (الأموال الساخنة)، فالوضع أكثر سوءا، وينبئ بكارثة، فمنذ تخفيض الجنيه، سمحت الحكومة بدخول كميات كبيرة من تلك الأموال على شكل استثمارات في أدوات الدين الحكومية، وهذه أموال تمويل تضخمية، بدون ضوابط وآليات، والتي تقدر بـ 36 مليار دولار، وبعد أن حققت أرباحاً بنحو 250% من أصل رأس المال، فوجئ بتحرك هذه الأموال للخروج من الأسوق المصرية بشكل جماعي، ما يزيد من أزمة النقد الأجنبي ويدفع الجنيه لموجة هبوط أكثر حدّة خلال الفترة المقبلة.
ومن ناحية رفع الصادرات وخفض الواردات، والتي اتخذ على أساسه قرار تخفيض الجنيه، كان المنتظر أن تحقق الصادرات المصرية زيادة بنسبة 40% في السنة الأولى من التخفيض، تتبعها زيادات متتالية، لكن الأرقام تؤكد غير ذلك، على الرغم من انخفاض العملة المحلية بنسبة 60%، حيث حققت الصادرات زيادة متواضعة 2018 مقارنة بعام 2016، مسجلة 24 ملياردولار، مقابل 22 مليار دولار، بزيادة نسبتها 10%، بينما الواردات لم تحقق انخفاضا ملحوظا يؤخذ كنسبة يمكن أن يتحسن بها العجز في الميزان التجاري، ما يؤكد عدم جدوى عملية تخفيض قيمة العملة، ويقلل من فعاليتها في تحقيق زيادة في حجم الصادرات أوتخفيض حجم الواردات.
بعد عامين من تطبيق سياسة تخفيض العملة تبين فشلها، لأنه لم يؤخذ في الحسبان أن الإقتصاد المصري يعاني من عيوب هيكلية، وخصوصا في عموده الفقري، نتيجة ضعف مؤسسات الدولة الإقتصادية، وأن الإقتصاد لا يعرف التنوع، فهو ذو نمط استهلاكي قائم على الإستيراد، والإنتاجية فيه ضعيفة للغاية.، وهذا ما يعكسه الميزان التجاري، فهناك عجز بين الواردات والصادرات لصالح الواردات بقيمة تفوق 40 مليار دولار ، وهذا كان يمثل الخطر الأكبر في حالة الموافقة على سياسة التخفيض ، والتي كان يشترط نجاحها عند بدء التطبيق في مثل هذه الظروف، أن لا يقل الإحتياطي النقدي عن 40 مليار دولار،وأن تكون عناصر تكوينه بعيدة عن الديون والقروض التضخمية ، بجانب ذلك تخفيض العملة تتطلب سياسة النفس الطويل والمقدرة على إتباع سياسات وأدوات نقدية متنوعة،أهمها رفع سعر الفائد لكبح التضحم الذي قد يصاحبها في مراحل التطبيق ، حتى لا ترتفع الأسعار بشكل جنوني وبنسب لا يقدر عليها المواطن ، وتتآكل قوة النقود ،وبالتالي تصبح الاصلاحاتالاقتصادية بلا قيمة، فجميع الدول التي إنتهجت سياسة التعويم لم تنجح في تطبيقها إلا بعد أن إتبعت معاير وآليات وضوابط معينة ، التي إختلفت من دولة الى أخرى حسب مستوى تحرر إقتصادها الوطني، وكفاية أدائها ، ومرونة جهازها الإنتاجي، وثبات أسعار بيع السلع المنتجة محليا ، وثبات تكاليف الإنتاج، والقدرة التنافسية للصادرات في السوق الدولية، وهذا ما تفتقدة مصر ، فوجود السوق الموازي يعتبر وحده من الاسباب الرئيسية التي تهدد نجاح سياسة التخفيض، فالتطبيق في ظل الظروف والأوضاع الإقتصادية الحالية يصب بشكل أساسى فى مصلحة كثير من المستثمرين ورجال الأعمال والمحتكرين ، فهناك مازلت ضغوط ورغبة من قبل أصحاب النفوذ وخاصة ممن في حيازتهم كميات كبيرة من الدولار ويسعون لتحقيق المزيد من الثروات الإستمرارية في سياسة التخفيض ، بحجة أنها تعكس القوة والقيمة الحقيقية للعملة المحلية ،ولكن من التجارب تجد أن سياسة التخفيض لايصلح تطبيقها إلا في الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة ، التي يقوم إقتصادها على الإنتاج والصناعي والتصدير في المقام الاول ، وتريد من خلال إتباع تلك السياسة زيادة حصيلتها المالية والحفاظ على تماسك عملتها مقابل بقية العملات ،إذن،خلاصة القول في جملة واحدة،أن قرار تخفيض قيمة الجنيه كان قرارا خاطئا .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا