الخشقجة الصغرى والخشقجة الكبرى ..وما بينهما !

عارف معروف
2018 / 10 / 16

الخشقجة الصغرى والخشقجة الكبرى ..وما بينهما ! (1)
-------------------------------------------------------

1- ليست " الخشقجة " بممارسة جديدة على أنظمة الاستبداد ومصادرة الحريات والحقوق الأساسية في المنطقة ، وخصوصا العربية منها ، فمنذ عقود طويلة ينتهي المعارضون ، مهما كانت درجة معارضتهم ، جذرية او بسيطة وعظية ونصائحية ، الى الموت او السجن او التشريد اوقبول الاستسلام والإذعان والمسايرة كرها واندحارا ، اما من يريد ان يمارس حقه الطبيعي في الحرية والتعبير عن رأيه وابداء انتقاداته في الشأن العام وسلوك الحكام فليس له سوى السيف حتى ولو هرب الى اقصى اصقاع الأرض .
2- ولان البعثات الدبلوماسية كانت ولا تزال امتدادا للحاكم والسلطة وليست ممثليات للوطن والشعب فقد نأت ممارستها الفعلية ، في أحيان كثيرة ، عن العمل الدبلوماسي الحقيقي الى الممارسات البوليسية والسلوك المخابراتي بل وتحولت في أحيان ليست قليلة الى مصائد للمعارضين وربما مقاتل لبعضهم ..واستغلت حصانة مباني هذه الهيئات لتعمل كأوكار مورس فيها الخطف والاعتقال وكذلك التعذيب وربما نفذت فيها احكام الإعدام اما البريد الدبلوماسي غير الخاضع للمعاينة والتفتيش من قبل الدولة المضّيفة وفقا للعرف الدبلوماسي والقانون الدولي فقد نظمت من خلاله عمليات ترحيل قسرية لبعض المعارضين حيث كانوا يُخدرون بعد اختطافهم من شوارع المدن الغربية او عند مراجعتهم للسفارة لأي سبب كان ليحشروا في صناديق وحقائب كبيرة ويشحنوا على متن الخطوط الجوية " الوطنية " ليستفيقوا ، بعد ساعات ، في زنازين الامن او اقبية المخابرات !
3- ولقد برعت بعض اجهزت المخابرات العربية الى درجة ان هذه الاعمال أضحت ممارسات روتينية يمكن ان تؤدى دون أي ارتباك او نسبة خطأ قد تتسبب بفضيحة ، مع واقع انه يمكن لملمة اية فضيحة وردم اية ثغرة من خلال التواطؤ وسياسة غض البصر التي كانت تنتهجها دول الغرب وكذلك الشرق الأوروبي إزاء الأنظمة العربية تبعا لتحالفها معها او لثرائها وإمكانية الاستفادة المالية منها. وتبعا لشخصية الضحية وانتماءه وميوله ، فاذا كان من القوى الجذرية المعادية للمصالح والسياسات الغربية فعادة ما تبتلعه تلك الدوامة السوداء دون ان يفطن الى مصيره احد اما اذا كان من الشخصيات التي ترتبط بالغرب وتتناغم مع مصالحه فقد تقوم الدنيا ولا تقعد بشأن مصيرهم ويتم توظيفه وقة ضغط ضد النظام . ولقد بزّ نظام صدام كل الأنظمة العربية في هذا المضمار وتفوق عليها تفوقا لافتا بفعل خبرته المبكرة جدا في تصفية الخصوم وسياساته التي كنت مؤسسة على أساليب العصابات والممارسات المافيوية منذ بدايته.
4- اما بالنسبة للنظام " السعودي " فانها ليست خشقجته الأولى فقد تمت تصفية العشرات من المعارضين الذين كانوا خارج المملكة وحدّث ولا حرج بالنسبة لمعارضي الداخل ، لكنه كان دائما يختار أسلوب (القتل شبه المعلن )، كتتمة ضرورية لسياسة السيف وقطع الاعناق التي اشتهر بها وأتباعا لنصيحة المؤسس لأولاده وقادته الميدانيين من مقاتلي البدو في إرهاب الخصوم واثارة الرعب في نفوسهم بالقتل الذريع والمُثلة ، حيث جاء في رسالته لاحد أولاده : " واغز اطراف بني خالد واعمل فيهم القتل الذريع والمُثلة ، واعلم ان ذلك هو ما اذل لنا الرقاب "! واقصد بسياسة القتل شبه المعلن ، ان العائلة الحاكمة في الجزيرة العربية لم تكن تهتم كثيرا بترك آثار تشير اليها في ارتكاب تلك الجرائم بل كانت تتقصد ذلك لإرهاب الخصوم والمعارضين ولإبلاغهم رسالة ان لا مهرب من السيف ولا عاصم لهم من الموت ان عارضوا او حرضوا على النظام او شتموه ولو كانوا في أوروبا وامريكا ، وقد اختُطف امراء معارضون او يختلفون مع الاسرة بهذا القدر او ذاك من دول أوروبية عديدة وبعلمها وتواطؤها مثل سلطان بن تركي وتركي بن بندر وسعود بن سيف النصر وكلهم من احفاد سعود بن عبد العزيز وكلهم اخُتطف في اروبا وخُدر ونقُل الى المملكة ، لردع الاخرين وابلاغهم رسالة ان يد النظام وامواله ستطالهم أينما كانوا في حين قُتل آخرون قتلا فيه نوعا من " المثلة " لبث الرعب ، كما حدث مع الشخصية القومية واليسارية المرحوم ناصر السعيد الذي اختُطف في بيروت على يد عناصر فلسطينية متواطئة ، كما قيل في حينه ، وقتل برميه من طائرة على السواحل اللبنانية ، لغرض اثارة الذعر والمثلة ليس غير ، والاّ فقد كان يمكن اغتياله بالرصاص في بيروت التي كان وضعها الأمني شبه منفلت يومذاك و يسمح ويغطي على مثل هذه الارتباكات لكنها سياسة النظام السعودي في قتل شبه معلن يشير اليها دون ان يعطي دليلا جنائيا ملموسا ضدها ، لتتحقق الغاية في الردع والاخافة ، وكذلك ما حصل في جريمة قتل الشاعر طلال الرشيد في الجزائر عام 2003 !وكل هذه الوقائع هي غيض من فيض معروف ، شمل غيرهم وغيرهم !
5- لذلك لم " يطور " السعوديون أساليب استغلال البعثات الدبلوماسية والسرية التامة بحرفية وكفاءة كما فعل نظرائهم في أنظمة الرعب العربية وكان لابد لولي العهد الحالي والحاكم الفعلي محمد بن سلمان ان يبادر الى ارسال فريق من حماياته والمحيطين به لتنفيذ انتقام يبدو طالعه شخصي ، وان يبدو كهاو تعتور عمله الكثير من الأخطاء والارتباكات . ففريق متخصص بالقتل لم تكن تلك الأنظمة ترسله بهذا العدد وبطائرات خاصة ومباشرة الى الدولة الهدف وانما كانت ترسل اثنين او ثلاثة من القتلة المحترفين والمتخصصين وضمن ركاب الرحلات العادية ليهبطوا في بلد مجاور آخر ثم يعرجوا الى العاصمة المقصودة ، وكانوا ينفذون عمليات القتل او الخطف بعيدا عن السفارات والقنصليات ، ليحملوا ضحاياهم الى تلك السفارات لاحقا ثم ليبعثوا بهم مخدرين ضمن البريد الدبلوماسي على الخطوط الجوية " الوطنية " ، فيصلوا كطرود او رزم بريدية تأخذ طريقها الى أجهزة الامن بدلا من وزارة الخارجية !
6- لقد خضع موقف الأطراف الدولية الخارجية ، عالمية او محلية ، من سياسة الخشقجة ، ودائما ، لاعتبارات المصالح والضغوط وكذلك الاغراءات المادية للأسف الشديد . فقد تسترت دول عربية عديدة في ما حصل على أراضيها وضمن نطاق " سيادتها " من ارتكابات بتأثير الضغط والمال السعودي ، في حين أسهمت أخرى في هذه السياسة دون مراعاة لما ادعته من استقلالية او مراعاة لاعتبارات وقيم أخلاقية وسياسية ( سلمت الكويت ، هذا العام ، مثلا ، نواف الرشيد ، ابن المغدور طلال ، الى السعودية بعد ان اعتقلته خلال زيارته لها بدعوة شخصية ، رغم كونه يحمل الجنسية القطرية !) . اما دول الغرب فسياساتها في هذا المجال ليست ازدواجية فحسب بل وتفتقر الى ادنى معايير الاخلاق والقيم الديمقراطية والإنسانية التي تدعيها وتروج لها فإضافة الى غضها البصر بل وتواطؤها في معظم عمليات الخشقجة الصغرى التي شملت الافراد المعارضين من السعوديين ، فانها غضت السمع والبصر وتجاهلت كليا بل وساهمت في الخشقجة الكبرى ، التي تجري منذ سنوات اتجاه الشعب اليمني ومدنييه العزل في جرائم مشهودة مثل قتل اطفال المدارس او قصف الأسواق الشعبية او ضرب مجالس العزاء بالصواريخ . وكذلك الخشقجة الأخرى التي استهدفت وتستهدف الشعب والدولة السورية على مدار سنوات ، وتلك التي استهدفت العراقيين ، عبر أدوات معروفة الارتباط وتمويل ملياري ودعم اعلامي .
7- وفي الوقت الذي تتوجب فيه ادانة اختطاف الإعلامي السعودي المعارض ، جمال خاشقجي ، وما قد يكون تعرض له من ارتكاب مناف للإنسانية والحقوق والحريات الشخصية ( لابد من ان نندب حظ خاشقجي العاثر الذي سيضيع مصيره وحقه الشرعي في تشخيص والاقتصاص من القتلة بين اطراف وضوار ٍ دولية لا يعنيها الانسان وحقوقه وانما تستخدم كل ذلك ورقة للابتزاز من جهة واخرى إقليمية اتصفت باستمرار بسياسة شايلوكية لا تخجل منها وقد تحاول تحقيق اقوى نفع مالي وسياسي ممكن من جهة أخرى ، وسلطة مجرمة تعرف كيف توظف المال الذي يسيل له لعاب الاخرين في ستر جرائمها من جهة ثالثة مما لا يستبعد معه تسوية او ترضية متعددة الأطراف على حساب مصيره الشخصي المفجع ) ، لابد من تسجيل استنكار معقول واستغراب لا بد منه كيف ان معظم الجهات الغربية أبدت اهتماما لافتا ومشاركة " وجدانية " منقطعة هنا ، في عين الوقت الذي تتجاهل فيه ، تماما ، كل ارتكابات النظام السعودي البشعة في اليمن وسوريا وبحق المعارضين من شعبه في الداخل ، بل وتدعمها وتسهم فيها ، ليصدق عليها القول : قتلُ امرءٍ في غابة ٍ جريمةٌ لا تُغتفر .... وقتل شعبٍ آمن مسألة ٌ فيها نظر !
__________________________________-
(1) من الفعل خشقج يخشقجُ ومصدره ما تعرض له جمال خاشقجي !

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية