كوميديا -لوبّاخين- أمير روسيا الرأسمالية المتأخرة (قراءة في مسرحية تشيخوف -بستان الكرز-)

نايف سلوم
2018 / 10 / 9

كتب تشيخوف (1860-1904 م)عدد من المسرحيات هي : حول مضار التبغ، الدبّ، النورس، الخال فانيا ، الشقيقات الثلاث ، وبستان الكرز (1903 م) أي قبل وفاته بعام . والتي هي موضوع القراءة والتعليقات.
بستان الكرز لتشيخوف كوميديا في أربعة فصول . وجميع مسرحياته من أربعة فصول باستثناء مونولوج (حول مضار التبغ) ومزحة (الدبّ) فهما من فصل واحد. الترجمة الرائعة لهذه المسرحيات من عمل المصريّ أبو بكر يوسف.
تضم شخصيات المسرحية رانيفسكايا لوبّوف أندرييفنا اقطاعية مالكة قرية باسمها متزوجة ثانية من محام غير اقطاعي وهو دليل تمرد السيدة وتفسخ النبالة . تحمل في قلبها عطفاً وشفقة تجاه الآخرين. تعيش مع ابنتين واحدة منهما متبناة، ومع المربية والخادمات ومع أخيها اللامبالي. تضم الشخصيات أيضاً اقطاعي آخر و تاجر رأسمالي من أصول فلاحية هو لوبّاخين و طالب كان يدرّس ابن السيدة الذي غرق في النهر. زوج السيدة الأول ذو الأصول الاقطاعية توفي منذ ست سنوات ، تضم الشخصيات ايضاً ناظر محطة وموظف بريد ووكيل و آخرين . تدور الأحداث في قرية رانيفسكايا في منزل العائلة . يوجد في القرية بستان كرز رائع وهو عرضة للبيع بالمزاد العلني نتيجة إفلاس العائلة النبيلة الماليّ.
ما يلفت الانتباه التشابه في المقطع الصوتي الأول (لوبّ) من اسم لوبّوف أندرييفنا ولوبّاخين . و lop: تعني 1-تقليم فروع الشجرة 2- قطع أخشاب الغابة 3- وتعني بالمعنى القديم المهجور: ا-قطع الرأس أو الأطراف للإنسان أو للشجر. ب: إزالة الأجزاء الزائدة غير الضرورية. نقرأ في نهاية الفصل الرابع والأخير: (وسط السكون تتردد ضربة فأس مكتومة على شجرة ، فترن وحيد حزينة)
الفصل الأول:
أول الداخلين إلى المسرح لوبّاخين التاجر الرأسمالي ، كان والده صاحب دكان من أصول فلاحية وقد دخلت معه الخادمة الشابة دونياشا الورعة حد الانهيار في حبها وولاء لسيدتها وللعائلة النبيلة.
(تدخل دونياشا بشمعة ولوباخين بكتاب في يده)
بهذا الشكل تبدأ الكوميديا التاريخية لاحتضار الاقطاع وأفوله في روسيا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وذلك عبر دخول الرأسمالية المتأخرة إلى روسيا.
لوباخين: وصل القطار (قطار الرأسمالية ) إلى روسيا والحمد لله، كم الساعة؟
دونياشا : تقريباً الثانية فجراً وهي لحظة التجلي الرأسمالي (تطفئ الشمعة) الدنيا نور
ولكثرة انشغال التاجر واهتمامه بالوقت يقول: نمت جالساً ، لقد تأخر القطار ساعتين على الأقل. وهي إشارة إلى تأخر وصول الرأسمالية إلى روسيا مائتي عام عن أوربا الغربية.
يتذكر لوباخين وهو يستعدّ لاستقبال العائلة النبيلة: لوبوف أندريفنا أمضت في الخارج خمس سنوات فلا أدري كيف أصبحت الآن .. أذكر عندما كنت صبياً في حدود الخامسة عشرة ضربني المرحوم ابي وكان آنذاك صاحب دكان هنا في القرية ، ضربني بقبضة في وجهي فتدفق الدم من أنفي .. جئت معه لهذه الدار لغرض ما وكان ثملاً ، وأذكر كأنما الآن كيف أخذتني لوبوف أندرييفنا وكانت ما تزال شابة نحيفة للغاية إلى حوض الغسيل هنا في هذه الغرفة نفسها، غرفة الأطفال وقالت لي "لا تبكي أيها الفلاح الصغير ، ستشفى قبل الزواج"
لوبّاخين تاجر غني غير مهذب ما يزال يحتفظ بجلافة الفلاح، لديه وعي بقلة ثقافته يحاول تدارك ذلك بحمل كتاب (وهذه مفارقة مضحكة) . يقول: كان أبي فلاحاً أما أنا فإنّي غني ونقودي كثيرة .. إذا أمعنا التفكير ودققنا فأنا فلاح جلف (يقلّب صفحات الكتاب) قرأت هذا الكتاب فلم افهم شيئاً ، نعست وأنا أقرأه.
تقول دونياشا الخادمة الشابة كلاماً فيه الكثير من الاستسلام الديني والشحنة العاطفية تجاه أسيادها النبلاء وولاء الخادم المطلق لهم :
دونياشا: الكلاب لم تنم طوال الليل ، تشعر بأن اسيادها قادمون
لهذا فهي على وشك الانهيار لأنهم قادمون من سفر(ياللورع!) هنا نلمح الأسلوب الساخر لتشيخوف
دونياشا وهي تحدّث لوبّاخين: قادمون، ماذا جرى لي، البرودة تشملني كلي ، .. يداي ترتعشان سيغمى عليّ.
تطلق لوبوف أندرييفنا عبارات تشير إلى أن فترة ما بعد الولادة تشبه فترة ما قبل الموت لأن في كل منهما طفولة . تقول: الآن أبدو كطفلة.
يُظهر النص المسرحي تشابهاً بين فاريا(أخميليا) الأبنة المتبناة من قبل لوبوف أندرييفنا وبين أوفيليا خطيبة هاملت في مسرحية شكسبير، لجهة التعلق بالبيت والأهل أكثر من التعلق بالخارج ؛ خارج البيت. أوفيليا تعني الصداقة باليونانية وتعني إلفة البيت وتفضيله عاطفياً على أي علاقة خارجه حتى لو كانت خطبة أو زواج.
لوبّاخين ذو الأصول الفلاحية يحب فاريا البنت المتبناة من العائلة النبيلة، وفاريا زاهدة تحب العائلة ورفقتها ، تقول عنه: لديه أعمال كثيرة ، عنده ما يشغله عني، رؤيته أمامي كم تعذبني . الجميع يتحدثون عن زواجنا ، فيما ليس هناك شيء ، كأنه حلم"
فاريا تتحدث عن لوباخين: لا يمكن أن اتقدم أنا لخطبته ، منذ سنتين والجميع يحدثوني عنه، ولكن إما يسكت وإما يمزح . انا فاهمة ، إنه يجمع الثروة لا وقت عنده (للمتعة).. آه لو معي نقود ولو مائة روبل لتركت كل شيء ورحلت بعيداً ، لدخلت الدير .
لوبوفا أندرييفنا تعطي عابر سبيل متسول نقود ذهبية وتقول للوباخين : اقرضني ثانية وتخاطب ابنتها بالتبني فاريا : لقد خطبناكِ هنا تماماً يا فاريا ، أهنئك . على قول أبي نواس:
مِنَ اللواتي خطبناها على عجلٍ لما عُجبنا بربّات الحوانيتِ
فاريا من خلال الدموع: لا يجوز المزاح بهذا يا أماه
الأمير لوباخين : أُخميليا (أوفيليا) اذهبي إلى الدير
لوباخين: أخميليا (أوفيليا) أيتها الحورية ، اذكريني في صلواتك.
أُخميليا (أوفيليا) صديقة البيت ورفيقته أفزعها عابر سبيل .
آنيا: شكراً لعابر السبيل أفزع فاريا
تروفيموف: فاريا تخشى أن نحب بعضنا بعضاً (تخشى ان تستبدل رفقة البيت بعلاقة حب خارجية)
فاريا مسيحية مستسلمة وزاهدة و"نطقت بجميع الأماكن المقدسة" بما فيها غرفة سيدتها آنيا ، يا للجلال! تدخل الغرفة ، يا للجلال !
إن تردد التاجر لوباخين في الزواج من الابنة المتبناة فاريا يشير من باب التهكم إلى تردد هاملت في الزواج من أوفيليا ابنة رئيس الوزراء بولونيوس في مسرحية هاملت لشكسبير. مثل فاريا كمثل أوفيليا في تفضيل البيت والعائلة على الزواج ، فروحها معلقة بالبيت والأسرة والعائلة.
ومثل الأمير لوبّاخين كمثل هاملت أمير الدانمرك ، هو أيضاً أمير روسيا الجديد ووصيها إثر أفول الإقطاع. لوباخين التاجر الأبله المغفّل مثله مثل ابيه الفلاح صاحب الحانوت في القرية يقول عن نفسه: لم اتعلم شيئاً وخطي فظيع ، أكتب كالخنزير حتى لأشعر بالخزي من الناس"
لوبوف أندرييفنا: أنت بحاجة إلى أن تتزوج يا صديقي (أي نحن بحاجة لنقودك )
لوباخين: نعم هذا صحيح
أندرييفنا: من فتاتنا فاريا
هاملت تدفعه أمه وعمه الملك للزواج من أوفيليا للتخلص من فكرة الانتقام التي تسمم العائلة الملكية، ولوبوف أندرييفنا تدفع لوباخين للزواج من ابنتها بالتبني كي تخلّص بنقوده العائلة الاقطاعية من الدين والافلاس. ولكن يا للجلال ! لوباخين التاجر أمير الرأسمالية المتأخرة في روسيا يخلّص العائلة الاقطاعية المفلسة!
يسخر تشيخوف من "مثل الحق والعدالة" التي يتحدث عنهما الاقطاعي جايف أخ لوبوف اندرييفنا" يقول جايف: في عيد القيامة كان عندنا أكل نصف دلو خيار" ، كما يسخر من عدالة يرمولاي لوباخين الجلف غير المثقف أمير التأخر الرأسمالي في روسيا ، كـتأخر هاملت أمير الدنيمارك في الانتقام لمقتل والده.
يعتمد تشيخوف في السرد على تقنية "الكياسة" وهي إحداث الأثر المطلوب في المتلقي بأقل قدر ممكن من التلفّظ والكلام ، ويقوم أسلوبه الساخر المتهكّم على ما يسمى "حوار الطرشان" حيث يحاور كل شخص رغباته وعالمه الداخلي ولا ينتبه للآخر إلا حين يمسّ الآخر هذه الرغبات. وهي إشارة إلى عزلة الطبقات الاجتماعية في النمط الاقطاعي للإنتاج.
جايف اقطاعي ومثله بيشيك ومعهما المربية شارلوتا. لنلاحظ الحوار
جايف : تأخر القطار
شارلوتا (لبيشيك): كلبتي تأكل حتى الجوز
بيشيك (مندهشاً) : يا سلام!
آنيا ودونياشا تتحدثان كل واحدة عن هواجسها ورغباتها وأفراحها وذكرياتها، تتحدثان من دون تواصل (عزلة الطبقات الاجتماعية وسخرية تشيخوف)
دونياشا: يحبني ، كم يحبني!
آنيا: غرفتي نوافذي ، كأني لم أرحل
يظهر حوار الشخصيات أكثر تواصلاً بين أفراد الطبقة الواحدة
هذا الأسلوب الساخر المتهكم نجده عند زياد الرحباني ، حيث يجيب عند السؤال عن تساؤلاته هو لا عن تساؤلات محدّثه. هو مسكون بهاجسه ، غير معني بالآخر مباشرة. كأنه يتجاهل الآخر بشكل مؤقت.
الخادمة الشابة دونياشا التي تذوب إعجاباً ومحبة بأسيادها خاصة سيدتها الشابة آنيا ، تشفع محبتها هذه بكلمات تخص الديانة المسيحية: تقول : "سافرتم في الصيام الكبير" .. وكيل الأعمال يبيخودوف بعد عيد الفصح عرض عليّ الزواج "
فاريا تمدح البيت تحدّث نفسها: أنتِ في البيت ثانية
يبدو أن آنيا تصدّر أو تنقل عباراتها الدينية إلى الخادمة دونياشا. تقول: "سافرت من هنا في أسبوع الآلام إلى باريس" . النبلاء يسافرون إلى باريس للمتعة والثقافة والتظاهر بالرقيّ.
استحواذ العبارات المسيحية في الفصل الأول يشير إلى أن الأم السيدة لوبوف أندرييفنا مسكونة بهذه العبارات، كما هو حال العائلة النبيلة وقت الأفول. تقول آنيا: دخلتُ فوجدت عندها فرنسيين لا أعرفهم وسيدات وقسّ عجوز يمسك بكتاب والدخان يملأ الغرفة والجو غير مريح." وهو ما يشير إلى تشاؤم وتطيُّر طبقة النبلاء في روسيا زمن احتضارها وبداية أفولها في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. تقول آنيا: فجأة أحسست بالرثاء الشديد لماما. بكلام آخر: أحسست بالرثاء لكائن يحتضر. هذا الاحتضار جعل العائلات الاقطاعية الباذخة المترفة في حالة مديونية وعجز مالي خاصة مع دخول التجارة الرأسمالية إلى روسيا في الفترة المذكورة .
تظهر سخرية تيشخوف في هذا الورع الأحمق من قبل العبيد والخدم تجاه أسيادهم المحتضرين المفلسين. يقول الخادم العجوز فيرس مأخوذاً بأسياده الذين ذهبوا إلى باريس وهم الآن قادمون منها ، فيرس مأخوذاً بطريقة تفوق التصور: يا للجلال ! فيرس: أي خدمة؟ (بفرح) سيدتي عادت، عشت حتى رأيتها. الآن استطيع أن اموت (يبكي من الفرح)
يستحوذ حضور الأسياد لدى الخدم والعبيد ويغمرهم بعاطفة طاغية لدرجة أنه يأخذ شكل عاطفة دينية. يا للجلال!
يسخر تشيخوف من امرأة اقطاعية تتشدق بحب الوطن . تقول أندرييفنا: يعلم الله كم أحب الوطن، أحبه برقة ، لم استطع النظر من العربة ، كنت أبكي"
يلاحظ انشغال التاجر الرأسمالي لوباخين بالعمل والإنتاج والسرعة والزمن وهما سمتان تميزان الرأسمالية عن الاقطاع الذي يتسم بالبطء والاستهلاك .
يقول جايف: في المعجم الموسوعي ورد ذكر هذا البستان، بستان الكرز. جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس في معنى كلمة "كرز": أصل واحد يدل على اختباء وتستر " ويكرز في دعوته : يدعو لها سراً . وقد شاعت الكرازة في المسيحية المبكرة عندما كانت المسيحية دعوة سرية. وكرز إلى المكان إذا مال إليه والتجأ. ولكن يالسخرية التاريخ: الدعوة السرية التي يضحى من أجلها وتشفي الشعب من كل مرض وضعف ، باتت مرمية مهملة على قارعة الطريق ، طريق التاريخ الكبير . يقول متى البشير: "وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب" واستخدمت الترجمة السبعينية* كلمة (Kerysso) "يكرز" بمعنى "ينادي" ، و "يبشر" ويقول الرسول بولس عن الإنجيل: “الذي جُعلت أنا له كارزًا ورسولًا "
إقطاع محتضر مثقل بالديون والرهونات، والعائلة تقترح خيارات متعددة للخروج من المأزق المميت: تتزوج فاريا المتبناة من لوباخين التاجر الغني ، الذي لديه نقود ، أو تتزوج آنيا من رجل ثري أو تربح العائلة ورقة يانصيب أو ترسل العمّة نقوداً لفك الرهن. يقول جايف في إشارة إلى هذا الوضع اليائس، وإلى مرض الاقطاع التاريخي الذي لا شفاء منه : إذا اقترح الكثير من الوسائل لعلاج مرض فهذا يعني أن المرض لا شفاء منه" حتى لو كرز المسيح ثانية.
يذكر تشيخوف جيل السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر في روسيا وصعود التجارة الرأسمالية وصراع المعتقدات والمسألة الفلاحية بعد عشرين عاماً من إلغاء القنانة في روسيا سنة 1861م.**
يُظهر الحوار صعود أصحاب الفيلات من بورجوازية المدينة ومعهم المستثمرين الأجانب من الألمان والفرنسيين والإنكليز.
لوباخين: لم يكن يعيش في الريف من قبل سوى السادة والفلاحين الاقنان ، أما الآن فظهر المصطافون أصحاب الفيلات . جميع المدن حتى أصغرها محاطة اليوم بالفيلات . وهذا ما يشير، مع صعود الرأسمالية، إلى انتقال وتحول مركز الإنتاج من الريف إلى المدينة في روسيا بالتزامن مع أفول الاقطاع واحتضاره.
الفصل الثاني
في إشارة إلى تغير المزاج الفلاحي خاصة والروسي عامة يظهر المكان في بداية الفصل الثاني على شكل حقل ومصلى قديم متهالك مهجور منذ زمن بعيد بجواره بئر وأحجار كبيرة كانت فيما مضى على ما يبدو شواهد قبور، وأريكة قديمة.
يبدو أن تحرير الأقنان في روسيا 1861 م ودخول التجارة الرأسمالية والسكك الحديد في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر همّش الحياة الدينية نسبياً لدى الفلاحين وأحدث تغييراً في العقائد لديهم ، بينما تبقى العائلات الاقطاعية المفلسة بجانب المصلى القديم. عند الأفق تلوح بصورة مبهمة ملامح مدينة كبيرة ، المدينة البورجوازية الحديثة. قريباً ستغرب الشمس ؛ شمس الاقطاع.
المربية شارلوتا المغامرة ربما كانت من أصول إيطالية ، ابنة الطريق مربية العائلة الاقطاعية لا أهل لها ولا أصل . يا للمفارقة المضحكة : أولاد الأصول تشرف على تربيتهم من لا أصل لها!
تقول: بدأتُ أعمل مربية أطفال ، لكن من أين أنا ومن أنا لا أعرف .
وكونها لا أصول لها فهي تشعر بالوحدة ضمن العائلة الاقطاعية ، فهي لا تجد من تتحدث إليه
شارلوتا: كم أود أن أتحدث ، لكن مع من ، ليس لديّ أحد
وهذا ما يشير إلى نظام الطبقة المغلقة caste في النمط الاقطاعي للإنتاج ، الطبقات في عزلة اجتماعية فلا تداخل ولا حوار بينها.
كم هو عظيم شغف دونياشا الخادمة الشابة بالسفر إلى الخارج ! لكن لا تنخدعوا فهذا مجرد تقليد وتقمص لأسيادها . "ها هي يداها بيضاوان كيدي السيدة"
الوكيل يبيخودوف: كل شيء في الخارج تمام التمام من زمان . هذه إشارة إلى تطور الرأسمالية في أوربا الغربية من زمان وتأخر روسيا مائتي عام عن ذلك كما تأخر القطار القادم إليها ساعتين.
الوكيل منقسم على نفسه عدميّ بلا وزن ولا اتجاه ، فمصالحه مع الاقطاع الافل وثقافته منفتحة على الحياة البورجوازية المتطورة في أوربا . يبوح: أنا شخص مثقف قرأت شتى الكتب الرائعة ولكني لا أستطيع ابداً أن أحدد الاتجاه ، هل أعيش أم انتحر ، ما الذي اريده في الواقع!
هذه العدمية وانعدام اليقين وعدم القدرة على التوجه كانت سمة ومناخ مسيطر في روسيا الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. نجد صداها في أعمال غوغول المتأخرة وفي أعمال دسويفسكي.
شارلوتا: هؤلاء الأذكياء أغبياء كلهم ، لا يوجد من أتحدث معه . من أنا لماذا أنا لا احد يدري (تتساءل عن معنى حياتها )
جايف مصاب بوساس البلياردو وهذا الأخير يرمز إلى التسلية وحياة الفراغ والسأم لدى النبلاء.
لوبوف أندرييفنا تلوم ياشا معلم ابنها الذي غرق في النهر ، تلومه على افراطه بالكلام بلا طعم وبلا مناسبة ، كلامه عن عقد السبعينيات وعن أدباء الانحطاط في ذلك العقد . ولمن ، تتحدث مع خدم المطعم عن أدباء الانحطاط؟! تلومه لأنه يخرق العزلة الاجتماعية بين الطبقات.
يقول لوباخين في إشارة إلى افلاس الاقطاع : الثري ديريجانوف ينوي شراء ضيعتكم ، يقال أنه سيحضر المزاد بنفسه.
وفي إشارة إلى كِبْر وخنزوانة وعنجهية العائلات الاقطاعية تقول لوبوف أندرييفنا: فيلات ومصطافون، يالها من وضاعة!
في هذه الظروف ظروف انحطاط واحتضار وأُفول الاقطاع تأخذ لوبوف اندرييفنا ملمحاً مذكراً ، تأخذ اسم ابيها لوبّوف، ويأخذ أخوها جايف ملمح أنثوي مائع ، لا مبالي. تشاهد هذه التحولات الضدية في فترات الانحطاط والأفول (قارن هذا مع طقوس الإشارات والتحولات لسعد الله ونوس وظهور شخصيات مخنّثة) وهذه الفترات يسيطر فيها التشاؤم والتطير والشعور بالذنب.
يقول لوباخين لجايف: أنتَ امرأة !
لوبوف أندرييفنا: طوال الوقت أتوقع شيئاً كأنما سينهار السقف علينا.
جايف منشغل بوسواس الفراغ والبلياردو: دوبليه إلى الزاوية كروازية إلى الوسط." لوبوف أندريفنا ينتابها شعور بالذنب ، وأنها تعاقب لتبذيرها ولأنها أحبت رجلاً غير زوجها ومن غير طبقتها النبيلة . في أوقات الأفول هذه ينتشر التطير والشعور بالذنب في محاولة تفسير الأفراد لخساراتهم المتتالية . وهي في الواقع لا تخص فرداً بعينه ولكنها تخص مجمل الطبقة وهي حاصلة بفعل التاريخ وحركته. وهنا قد يلجأ أفراد الطبقة النبيلة إلى المصلّى القديم وإلى ورع ديني متأخر مضحك لا نفع منه. تقول: يا إلهي اغفر ذنوبي لا تعاقبني أكثر!
كان اليهود في روسيا مصاحبين للعائلة الاقطاعية عبر أمرين: الأول الربا والنقود والثاني بعض الفرق الجوالة الموسيقية اليهودية. هذا ما يلمّح إليه النص من بعيد . ومع صعود التجارة الرأسمالية ووراثة البنوك والمصارف للربا اليهودي لم يعد يسمع شيئاً عن هذا.
أندرييفنا: هناك موسيقى تتردد فيما يبدو(تصيخ السمع)
جايف: إنها فرقتنا اليهودية الشهيرة
لوبوف أندرييفنا : أما زالت موجودة ؟ لو أمكن دعوتها إلينا يوماً ما وإقامة حفلة ، لكن لم يبق نقود لإقامة الحفلات.
لوبّاخين : (يصيخ السمع) لا أسمع شيئاً (يدندن بصوت خافت) "وبالنقود يفرنس الألمان روسيا" يضحك، يالها من مسرحية ، رأيتها أمس في المسرح مضحكة جداً.
يلاحظ التحول من موسيقى الفرق اليهودية المرابية إلى مسرح تهيمن عليه التجارة الرأسمالية . يالها من كوميديا ساخرة ومضحكة.
ياللعبيد ، يُمنحون الحرية فيرفضونها!
فيرس: (يضحك) عندما ألغيت القنانة (1861 م) كنت أنا وصيفاً أول . ولم أوافق على اعتاقي . وبقيت لدى السادة.(صمت) أذكر أن الجميع كانوا فرحين ، ولكن لماذا لا أحد عرف (ياللجلال!)
يرد لوباخين بتعريض: كانت الأمور حسنة جداً في الماضي. كانوا على الأقل يُجلدون (هذ الأسلوب البلاغي يسمى التعريض وغرضه السخرية من فيرس الذي يشيد بالعبودية تجاه أسياده)
تروفيموف الطالب المثقف يوجه كلامه إلى لوباخين: عما قريب ستصبح مليونيراً . وكما أن الوحش الكاسر الذي يلتهم كل ما يصادفه في طريقه هو ضروري في عملية التمثيل الغذائي ، فأنت ايضاً ضروري.
تروفيموف: تحدثنا بالأمس عن الإنسان الأبيّ (انظروا إلى لوباخين) مركّباً فيزيولوجيا بطريقة سيئة ، غير ذكي وتعيس للغاية . كفى إعجاباً بالنفس ينبغي فقط أن نعمل.
تروفيموف يطالب المثقفين بالأفعال وليس الاكتفاء بالسحنة الجدّية الصارمة والحديث عما هو هام والتفلسف . هنا عرض هام لوضع المثقفين في روسيا المضطرمة المتحولة الثلث الأخير من القرن التاسع عشر حيث يتم الانتقال من العلاقات الاقطاعية إلى رأسمالية متخلفة وتابعة لرأس المال في أوربا الغربية ، رأسمالية من دون طعام ولا ثقافة . يقول تروفيموف: أنا أخاف السحنات الجدية جداً ولا أحبها أخاف الأحاديث الجدية (لأن وراءها يكمن تعصب أعمى وعنف كامن ضد الأغيار في العقيدة، يكمن التكفير.).وهذه مفارقة لأن تروفيموف لديه نفس السحنة الجدية الصارمة!
لوباخين: أفكر، يا إلهي لقد أعطيتنا غايات هائلة وحقول لاتحد وأفاقاً لانهائية . ومن المفروض ونحن نعيش هنا ، أن نكون عمالقة بحق"
بالفعل ما هذه المفارقة! كل هذه الطاقات ونحن نعاني من التخلف ، كل هذا التحديث ونحن متخلفون. هذه حداثة تخلف كما وصفها مارشال بيرمان.
جايف: الشمس (شمس الاقطاع ) غربت يا سادة
تروفيموف: نعم
وأمام احتضار الاقطاع وانهيار كل شيء وبداية الأفول التاريخي ، أما انحطاط التاريخ وخلوه من المعنى تحضر الطبيعة بكل بهائها وديمومتها . يقول جايف: أيتها الطبيعة الساحرة أنت تتوهجين ببريق خالد ، رائعة لا مبالية . أنت التي نسميك أمنا تجمعين بين الوجود والعدم أنت تعيّشين وتدمرين.
تروفيموف بتهكم تجاه جايف: الأفضل ان تضرب الصفراء في الوسط دوبليه (أي خلّيك بتسلايتك)
لوبوف أندرييفنا تتطير وتتشاءم وتحس أن مصيبة سوف تقع : أحس بضيق لست أدري
لوباخين: يبدو أن سطلاً وقع بعيداً في المناجم (تلميح إلى بداية ظهور الطبقة العاملة في روسيا)
فيرس: قبيل المصيبة وقع مثل هذا .. صاحت بومة وأزّ السماور دون توقف
جايف: قبيل أي مصيبة؟
فيرس: قبيل إلغاء القنانة (التي جاءت بالتاجر الرأسمالي والإنتاج الرأسمالي والاستهلاك الرأسمالي وبعامل المنجم)
تروفيموف: فاريا تخشى أن نحب بعضنا بعضاً (تخشى ان تستبدل رفقة البيت بعلاقة حب خارجيه)
يضيف تروفيموف المثقف والمدرّس الخصوصي: إنها لا تستطيع بعقلها الضيق أن تفهم أننا اسمى من الحب أن نتجنب تلك التوافه والأوهام التي تعوقنا أن نكون أحراراً وسعداء. إلى الأمام إننا نمضي دون هوادة إلى النجم الساطع الذي يضيء في الأفق ، إلى الأمام ! لا تتخلفوا يا أصدقاء!
هذا المدرّس الخصوصي يشبه السوفسطايين الإغريق ، وعقله عقل شيطاني يدّعي أن تجاوز الحب يحرر الإنسان ويسعده ، وهو في الواقع مشروع طغيان واستبداد . إنه مشروع لوسيفر أو لوتشيفيرو كوكب الزهرة أو نجمة الصبح التي تضيء نفسها فقط دون الاخرين على الضد من القمر. الشيطان لا يرى إلا نفسه لا غير، دون الآخر. وطُلب إبليس حين طالب بالمزيد ، فقال له اسجد ، قال لاغير (أنا لاغير) و قال له: وإنَّ عليك لعنتي ، قال لا غير؛ (أنا لاغير)!. هذا الاندفاع إلى الأمام ، هذه "الزيادة" هي مشروع نقص وفقر كالاغتصاب في اندفاعه الأهوج الأعمى. هذا الاندفاع الشيطاني لا يعرف الرجوع ، لا يعرف العود. فإبليس هُدّد بالنار وما رجع عن دعواه ولم يُقرّ بالواسطة البتّة . قال الحلاج : لعن إبليس لازدياد الزيادة في زيادته ، والزيادة هنا نقص. هذا الفكر الذي يتكبّر على الحب هو نوع من الغرور والزهو والكِبْر والخنزوانة وهو سمة شيطانية ودرب طغيان . الحب أرفع قيمة إنسانية ومعه الشفقة والتعاطف. هذا المثقف الشيطاني سحر آنيا وجعلها لم تعد تحب بستان الكرز
آنيا: ما أروع كلماتك، (صمت) الجو هنا ساحر اليوم .. ماذا فعلت بي يا بيتيا حتى لم اعد أحب بستان الكرز
تروفيموف في إشارة إلى قدوم الرأسمالية المتأخرة: روسيا كلها بستان
تروفيموف مثقف من دعاة التغيير ، لكنه مخيف بعدميته وتكبّره على الحب والعطف والشفقة . يقول: فكّري يا آنيا كل اسلافك كانوا اقطاعية يملكون النفوس الحية (العبودية) ، انظري إلى البستان ألا ترين مخلوقات بشرية تحدّق فيكِ. إن تملك النفوس الحية هو الذي أفسدكم جميعاً ، إنكم تعيشون بالدَّين أنت وأمك وخالك على حساب الغير ، على حساب أولئك الذين لا تسمحون لهم بتجاوز مدخل بيتكم . لقد تخلفنا مائتي عام على الأقل ، وليس لدينا أي شيء على الاطلاق . ليس لدينا موقف واضح من الماضي (الاقطاعي).. علينا أولاً أن نكفّر عن ماضينا ، أن نفرغ منه.
يحدس ترفيموف بالتغير القادم إلى روسيا بشكل غامض ومع ذلك فهو واثق بأنه قادم ومعه السعادة (السعادة القادمة) يقول: كم قاسيت .. كم طفت بأماكن ! لكن روحي ظلت دائماً ، في كل لحظة ليلاً ونهاراً، مفعمة بالهواجس الغامضة ، إنني اشعر باقتراب السعادة يا آنيا ، ها أنا ذا أراها.. أسمع خطواتها .. فإذا لم نرها لم نخبرها ، لا يهم سيراها غيرنا!
آنيا وقد امتلأت بالأمل: طلع القمر كناية عن إشراق العالم الجديد وظهور الكون الجديد.
الفصل الثالث
يسمع في هذا الفصل عزف الفرقة اليهودية التي ورد ذكرها في الفصل الثاني ، ورغم استمرار هذا التقليد إلا ان جديداً طرأ . فالأزواج الراقصة التي خرجت من الصالة إلى غرفة الجلوس تضم الآن فئات اجتماعية لم يكن ليسمح لها بمخالطة العائلة النبيلة. هذه المخالطة الاجتماعية علامة انحطاط وأفول الطبقة الاقطاعية . تخرج آنيا مع موظف بريد (الزوج الثالث)، وفاريا مع ناظر محطة (الزوج الرابع)
يشير حضور فرقة العزف اليهودية مرة ثانية إلى استمرار العائلة الاقطاعية في اقتراض المال والدّين ، وإلى العزلة الطبقية التي سوف تظهر أنها تهكمية وأنها كذبة مضحكة ، ودليل ذلك المخالطة الاجتماعية السالفة الذكر.
إن حضور اسم يهودي يذكّر بأمرين: العزلة الاجتماعية وكَنز النقود عن طريق الربا الذي حرّمته المسيحية والإسلام في العصور الوسطى.
فاريا: (بتفكير مرير) ها قد استأجروا العازفين فمن أين ندفع لهم ؟
بيشيك جاء من أب ساخر أصله الحصان الذي نصّبه الطاغية الروماني كاليغولا قنصلاً في مجلس الشيوخ، بيشيك هذا يذكر الفيلسوف المتهكم نيتشه. يقول سليل حصان كاليغولا: نيتشه .. من أعظم الفلاسفة واشهرهم ، رجل جبار العقل يدّعي في مؤلفاته أنه يجوز صنع النقود المزيفة . إن هاجس النقود يسيطر على عقل العائلة الاقطاعية ولم تأخذ من نيتشه سوى تزوير النقود. نيتشه يعتبر القانون من وضع الحاكمين وبالتالي وضع ليخرق دائماً وعند الحاجة. بكلمات أخرى : صكّت النقود لتزور!
تروفيموف: وهل قرأت نيتشه؟
يرد بيشيك الاقطاعي المثقل بالديون بما معناه: لا يهمني من نيتشه إلا أنه أجاز تزييف النقود وأنا بيشيك مفلس بحاجة للنقود، أما عنه فداشنكا أخبرتي: يوجد فيلسوف محتال يجد مخارج زائفة لمشاكل العائلة الاقطاعية . إن تهكم نيتشه عدمي الملمح لا يعطي مخارج فهو يرى أفول الاقطاع الأوربي وفي الوقت نفسه يرى ولادة رأسمالية تجارية أكثر وحشية وقسوة فيكفر بالاثنين تيمناً بقول الحلاج: كفرت بدين الله والكفر واجب عليّ وعند المسلمين قبيحُ (الأعمال الكاملة)
في هذا الفصل تأتي فرقة العزف اليهودية في غير وقتها ، لأن مزاد بيع البستان تأخر والعائلة الاقطاعية مفلسة.
لوبوف أندرييفنا: جاء الموسيقيون في غير وقتهم ، والحفل اقمناه في غير وقته (تدندن رقصة ليزجنكا القوقازية السريعة كناية عن الاستعجال) . لقد استعجلنا..
تعدّ شارلوتا في لعبتها مع بيشيك بالألمانية : واحد ، اثنان، ثلاثة (آين، تزفي ، دري) في إشارة إلى المستثمرين الألمان الذين يبيعون أملاك الشعب الروسي بالمزاد العلني. تظهر آنيا وفاريا من خلف الحرام ، ويجري المزاد العلني والعد بالألمانية حتى الثلاثة . كل شيء للبيع حتى بنات العائلات الاقطاعية المفلسة .
شارلوتا تمثل دور الساحرة: أرجو الانتباه نمرة أخرى (تتناول حراماً من على الكرسي ) ها هو حرام جيد جداً أريد ان أبيعه (تنفضه) ألا يرغب أحدكم أن يشتريه؟
شارلوتا الساحرة: نمرة أخرى، آين ، تزفي ، دري.. ترفع الحرام خلف الحرام آنيا وهي تحيي الجمهور بانحناءة .
شارلوتا الساحرة: آين، تزفي ، دري.. ترفع الحرام المدلى بسرعة خلف الحرام تقف فاريا. تحيي بانحناءة
لوبوف اندرييفنا: لقد انتهى كل شيء ، والضيعة بيعت، اولم يجري المزاد، فلماذا يجعلني أتخبط في الجهل طوال هذه المدة!
تروفيموف موجهاً كلامه إلى فاريا: تحشر أنفها فيما لا يخصها . طوال الصيف لم تتركنا لحظة ، لا أنا ولا آنيا ، كانت تخشى ان تنشأ بيننا علاقة غرامية . ما شأنها؟ ثم إنني لم يبدر مني شيء ، إنني جد بعيد عن الابتذال ، نحن اسمى من الحب !
لوبوف أندرييفنا: أما انا فالظاهر أني أدنى من الحب . أنت لست جميلاً
تروفيموف: لا أريد ان أكون جميلاً
أندرييفنا: إن وجهك صارم يا بيتيا (مع أنك كنت منذ وقت تنتقد ذوي الوجوه الصارمة من المثقفثن) .. ينبغي أن تكون رجلاً ، ينبغي ان تحب بنفسك ينبغي ان تعشق (وتشفق) .. بغضب: نعم، نعم ، وليس في روحك طهارة ، بل تظاهر تافه بالطهر . أنت غريب مضحك ، مسخ. أنت لست اسمى من الحب بل كما يقول فيرس الخادم العجوز: أنت مغفل ، شاب في سنك وليس لديه عشيقة
ناظر المحطة يقرا قصيدة "الخاطئة" مريم المجدلية لإلكسي تولستوي ؛ الضالة التي غفر لها السيد المسيح ذنوبها . ناظر المحطة هو من يراقص فاريا في الصالة يحاول اقناعها بالعدول عن الدير وأن الخطايا تُغتفر.
يتحدث فيرس عن المخالطة الحاصلة بين العائلات
ياشا يتحدث عن روسيا كبلد جاهل ، وبلا اخلاق وفوق ذلك بلا ضمير ويطلب من السيدة أن تأخذه معها إلى باريس . السيدة لوبوف أندرييفنا مشغولة بالمزاد وببيع بستان الكرز تسأل: من اشتراه؟
لوباخين التاجر أمير العصر الرأسمالي الجديد: أنا اشتريته ، يقول: لو نهض أبي وجدي من قبرهما ونظرا إلى كل ما حدث وكيف اشترى ابنهما يرمولاي الموصوم بالأمية الذي كان يركض حافي القدمين في الشتاء ، كيف اشترى ضيعة.. أنا اشتريت الضيعة التي كان أبي وجدي فلاحين عبدين فيها ، حيث لم يكن يسمح لهما بدخول المطبخ.
ألقت فاريا بالمفاتيح تريد أن تريني أنها لم تعد ربة البيت هنا (وأنها جاهزة للزواج مني بسبب ثرائي ووضعي الطبقي الجديد ) وبدل أن تعزف الفرقة اليهودية للعائلة الاقطاعية الآفلة عليها أن تعزف للوباخين التاجر الرأسمالي الجديد . يقول لوبّاخين: أيها الموسيقيون ، اعزفوا أنا اريد أن أسمعكم . تعالوا جميعاً لتروا كيف يعربد يرمولاي لوبّاخين بالفأس في بستان الكرز وكيف ستسقط الأشجار على الأرض، سنبني الفيلات!
فلتعزف الموسيقى بوضوح ، فليكن كل شيء كما أريد (باستهزاء) السيد الجديد يسير ، مالك بستان الكرز ،(يصطدم بطاولة صغيرة ، عفواً فيكاد يسقط الشمعدان) أستطيع أن ادفع ثمن كل شيء!
الفصل الرابع
المنظر يشير إلى أفول الاقطاع وتجهزه للخروج من التاريخ . الديكور معبّر : ديكور الفصل الأول ؛ الستائر نزعت عن النوافذ واللوحات من على الجدران وبقي القليل من الأثاث الذي جمع في ركن واحد كأنما للبيع.. الخواء ظاهر ملموس. بجوار باب الخروج ، وفي عمق الخشبة رصت الحقائب وصرر السفر وخلافه.. لوباخين يقف منتظراً.
تظهر شخصية اندرييفنا كشخصية عطوفة شفوقة أعطت محفظة نقودها للفلاحين مع أنها مديونة، ومن قبل في فصل سابق أعطت متسول عابر طريق قطع ذهبية .
تروفيموف يضيّع خفّه وهذا دليل التردد وأنه مثقف ضائع متصنّع ومغرور . لوباخين يعيب عليهم (على العائلة الاقطاعية) بطالتهم وتسكعهم يقول: هدّتني البطالة، لا استطيع البقاء بلا عمل (عطالة وبطالة الاقطاع وطابعه الاستهلاكي وحياة البلادة والبطء مقابل حياة الإنتاج والسرعة والاستهلاك الجنوني في الرأسمالية )
لوباخين يعرض على تروفيموف سلْفة من بيع محصول الخشخاش المخدر ، لوباخين يحاول شراء المثقفين وتخديرهم بالنقود (الرأسمالية والمثقف النقدي)
تروفيموف ما يزال متعلقاً ببقايا الاقطاع الرومانسية (الجميلة آنيا) : دعك، دعك ، لو أعطيتني مائتي ألف لن آخذها ، أنا إنسان حر (لا يمكن للمال أن يستعبدني ) أنا قويّ وأبيّ . البشرية تسير إلى الحقيقة السامية ، إلى السعادة السامية ، أقصى ما يمكن بلوغه على سطح الأرض ، وأنا في الصفوف الأولى .
في الواقع توجد حقيقة تاريخية وسعادة تاريخية ، وأقصى الحدود هي حدود فترة تاريخية بعينها والأبيّ والإباء معناه تحول العقائد الإيديولوجية إلى قوة مادية بفعل إيمان البشر بها سواء أكانت خاطئة ورجعية كالفكرة الفاشية و الداعشية أو صحيحة وتقدمية كالفكرة الاشتراكية.
لوباخين: وستصل؟
تروفيموف: سأصل
لوباخين: كل منا يتعالى على الآخر ، المثقف الثوري والرأسمالي لكن الحياة تمضي في طريقها
تروفيموف: فيرس الطويل العمر حسب رأيي النهائي لا يجدي معه الإصلاح ، عليه ان يلحق بأسلافه العبيد –الاقنان.
ياشا الخادم الشاب وتيمناً بأسياده الاقطاعيين لاشعور وطني لديه فهو يحب فرنسا (يقول بالفرنسية : تحيا فرنسا !) لا أستطيع أن أعيش هنا ، شبعت من الجهل..
يخرج جايف: حين حسمت المسألة نهائياً هدأ الجميع . الشباب الاقطاعي ومعهم الخدم مسرورون بالسفر إلى فرنسا وبدء حياة جديدة بثمن بستان الكرز . الشباب هذا يحلم بحياة جديدة وثقافة في باريس الرأسمالية والاشتراكية. باريس بلد الثورة الفرنسية البورجوازية وبلد الكمونة البروليتارية.
لوباخين : سنهيئ لك يا شارلوتا إيفانوفنا ، اطمئني(سيكون لك دور في الرأسمالية الجديدة كمربية)
جايف: الجميع يهجروننا ، أصبحنا فجأة بلا ضرورة (مع انتصار النمط الرأسمالي للإنتاج أصبح الاقطاع نافلاً بالمعنى التاريخي (lop): إزالة الأجزاء الزائدة غير الضرورية)
يتحدث بيشيك عن تأجير أرضه للإنكليز في إشارة إلى الاستثمار الأجنبي الرأسمالي الأوربي الغربي في روسيا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، بعد إلغاء القنانة 1861 م .
يقول بيشيك : أناس جبارو العقول هؤلاء الإنكليز .
لوبوف أندرييفنا: أرحل بهمّين همّ فيرس متزوج الخدمة الأبدية والعبودية ، وهمّ فاريا متزوجة البيت وخادمته .
الرأسمالية وأخلاق الزهد، والرأسمالية والعبودية . بدأت الرأسمالية بتبني أخلاق التقشف والعمل والزهد ، من ثم انقلبت وتبنت أخلاق المتعة في اطوارها الأخيرة الاحتكارية/ المالية. في البداية تمت الإشارة إلى إمكانية زواج لوباخين من فاريا المترهبّة حباً بالبيت.
تقول لوبوف أندرييفنا: لا أدري لماذا، يبدو وكأن كل منهما يتحاشى الآخر
لوباخين: لست أدري .. صدقيني ، غريب كل ذلك..
عندما كانت الرأسمالية ما تزال تخرج من رحم الاقطاع وملوثة بدمه كان ذلك وارداً ، أما الآن فغير وارد ذلك. لم يتأخر ظهور علامات الانحلال في الرأسمالية خاصة في طورها الإمبريالي.
لوباخين (موجهاً الكلام للوبوف أندرييفنا): أنا بدونك أشعر اني لن اقدر على خطبتها . ثم يخاطب فاريا: إلى اين تذهبين؟
فاريا: إلى آل راجولين اتفقت ان أتولى شؤون البيت عندهم .. يعني(مدبرة منزل).. نعم الحياة انتهت في هذا البيت ، لن تعود أبداً
لوباخين: أترك هنا يبيخودوف (وكيل الأعمال) لقد استأجرته (الرأسمالية ترث كل خدم الاقطاع وعبيده)
جايف يتذكر والده وهو ذاهب إلى الكنيسة. ياللورع الاقطاعي ، يا للجلال!
جايف: أذكر عندما كنت في السادسة في عيد العنصرة كنت جالساً على هذه النافذة أنظر إلى ابي وهو ذاهب إلى الكنيسة.
"في السادسة" إشارة إلى يهودية عيد العنصرة حيث أخذته المسيحية لاحقاً. عنصرة: كلمة عبرية تعني محفل أو اجتماع عام . وهو نزول وحي ناموس موسى في اليوم الأربعين . أما في المسيحية فهو عيد الخمسين أو الأسابيع أو الحصاد . وسمي بالخمسين لحلول الروح القدس بتلامذة المسيح بعد خمسين يوم من قيامته . استغرقت قيامته عشرة أيام وحلول الروح القدس بتلاميذه أربعين يوماً. وهو عيد ميلاد الكنيسة المسيحية اثر تلقي التلاميذ الوحي .
عنصرة في اليونانية Pentecost بنديكوست وتعني اجتماع أو محفل تشير إلى عيد الخمسين اليهودي الذي كان يجتمع فيه كل ذكر من اليهود من كل "بقاع الأرض"[خارج المدينة المقدسة] إلى أورشليم للاحتفال بالعيد.
إن تسميته بعيد الحصاد وعيد الباكورة؛ باكورة حصاد موسم جني القمح يدل على أنه عيد وثني زراعي كنعاني اقدم من اليهودية.
فاريا تجد خفّ تروفيموف: كم هي متسخة وقديمة هذه العلاقة بين مثقف ثوري والعائلة الاقطاعية. إنه نمط مثقف اقطاعي "تقدمي" بائد، ما أن تبدأ التحولات الثورية حتى يرتد ويتحول إلى رجعي. بالتالي هو نمط انتهازي بالمعنى التاريخ يستفيد من عداء البروليتاريا للرأسمالية ويمشي مع التقدمية وكله حنين لاسترجاع الماضي الاقطاعي ورومانسيته.
البستان ، بستان الكرز حياة العائلة الاقطاعية
لوبوف اندرييفنا: يا بستاني العزيز ، بستاني الرقيق الرائع ، يا حياتي يا شبابي يا سعادتي ، وداعاً!(هي تبيع بستان الكرز وتهاجر إلى باريس ، ياللسخرية من هذا الغزل البستاني)
(صوت آنيا المرح ، صوت تروفيموف بمرح وانفعال : "أووو!")
الوحيد الذي تم نسيانه هو فيرس مربّى العبودية، المخلص لها إلى النهاية .
(الخشبة خاوية ، يسمع صوت البواب توصد كلها بالمفاتيح ، ثم صوت رجل العربات . يسود الهدوء . وسط السكون تتردد ضربة فأس مكتومة على شجرة ، فترن وحيد حزينة . يسمع وقع خطوات. من الباب الأيمن يظهر فيرس يرتدي ملابسه المعتادة . السترة والصديرية البيضاء ، وفي قدميه شبشب وهو مريض . يقترب من الباب ويشد المقبض )
فيرس: مغلق، سافروا (يجلس على الكنبة) نسوني .. يتنهد مهموماً أنا لم أنتبه (يدمدم بشيء لا يمكن فهمه ) مرّ العمر وكأنما لم أعش (يضطجع ) سأرقد قليلاً ، ليس لديك أي قوى ، لم يتبق شيء ابداً .. آه يا لك من مغفل !(يرقد بلا حراك).
هوامش
* الترجمة السبعينية هي ترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية، في القرن الثالث قبل الميلاد (247-285 ق.م )من قبل اثنين وسبعين شيخاً يهودياً في الإسكندرية أيام بطليموس الثاني فيلادلفوس مع بعض الكتب الأخرى التي نقل البعض منها عن العبرية كسائر أسفار العهد القديم، والبعض الآخر كُتِبَ أصلًا باليونانية.
**إلغاء القنانة أو إصلاح التحرر في الإمبراطورية الروسية أو إصلاح الفلاحين 1861 هو أول وأهم الإصلاحات الليبرالية البورجوازية في عهد الكسندر الثاني إمبراطور روسيا ، أنهى الإصلاح القنانة في روسيا . أقر بيان إصلاح التحرر حرية الأقنان في الأراضي والمنازل. بهذا القرار تحرر ما يزيد عن 23 مليون روسي. أعطي الأقنان حريتهم ومواطنتهم الكاملتين, فأصبح بإمكانهم الزواج دون موافقة ملاكيهم وامتلاك الاراضي والأعمال التجارية الخاصة. اضاف البيان ان الفلاحين يستطيعون شراء الاراضي من الملاكين القدامى. كان الأقنان الأكثر تضررا من القرار هم الذين منحوا فقط حريتهم دون أرض. منح الأقنان الحكوميون أو اقنان العقارات الامبراطورية حريتهم في 1866 وأعطوا اراضي اوسع وأجود

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول