منفيون, منفيون جدا

ماجد مطرود
2018 / 10 / 2


منفيّون ..
منفيّون جداً

نعلّقُ أرواحَنا بالمسامير
ونرتدي جلودَنا بالمقلوب
نوزّعُ أجسادَنا بطريقةٍ عادلة
ونعدُّ ما تبقّى من دموعِنا الآسنة
هكذا نحن دائما ..
لحياتِنا عادةُ البكاء
ولموتِنا طرقٌ كثيرة
منفيّون .. منفيّون جدا
*
بلادُنا لها حيلٌ كثيرة
تحثّنا على الخروج
وليس البابُ طريقَتنا الوحيدة للنفاذ
هناك أبوابٌ أخرى
فالقلبُ مليئٌ بالثّقوب
منفيّون .. منفيّون جدا
*
كل ما نريده ..
طائرٌ بسيقانٍ طويلةٍ, وأجنحةٍ عريضة
كلّ ما نريده ..
ذاكرةٌ تجمعُنا بصورةٍ واحدة
تجمعنا كلّنا في بعضِنا
وفي الأماكنِ الضّيقةِ
تمنحنا دقائقَ الوَجد
لنصنعَ وطناً وعائلة
منفيّون .. منفيّون جدا
*
ليس غريبا على الرّيحِ أن تدفعَنا
ليس غريبا على الأشرعةِ أن تأخذَنا
ليس غريبا أن نمنحَ الغريقَ حكمةَ البحرِ
وليس غريبا أيضاً ..
أن نتمسَكَ بانتظارٍ مترهّلٍ, لمواعيدٍ فائتة
الغريب ..
هو أن نقدّمَ شكرَنا للموت
الغريب ..
هو أن لا ندري,
إن كنّا سعداءَ أم تعساء!
والأغربُ من هذا كلهِ
هو أنّنا لا نعرفُ ..
أن كانت زوارقَنا عادلة, أم أن بحارَنا ثقيلةٌ!
يا الله,
لماذا غيماتُنا خفيفةٌ لهذا الحدّ؟
لماذا جعلتَها خفيفةً مثل أعمارنا؟
كيف لك أن تأخذَنا بعيدا,
بعيدا بهذا الشتات ..
ولا تحثُّنا على النّسيان؟
منفيّون .. منفيّون جدا
*
قلنا..
لا نقبل الظلم مرتين, وقبلنا!
قلنا لا نترك بغداد وحيدة, وتركناها!
وأخيرا..
قلنا لن نسألَ عن الشكّ فينا, وسألنا
سقطتْ بلادُ الرافدين, أم نهضت ؟
أخطاؤنا,
لم تكن كبيرة
لم تكن فلسطينَ أختَ الحُسين
وبغدادَ لم تكن بنتَ الرّشيد!
اجتهدنا وأخطأنا
فلماذا تفرّ جلودنا
وتنأى بأرواحنا ؟
منفيّون .. منفيّون جدا
*
حريتُنا في إشارة المرور
كفاحُنا في نهاية الشّارع

الشكُّ فينا –دائما-
ودائما يقودنا الى تقاطع الطّرق
اليقينُ عندنا, سؤالٌ صعبُ الإجابةِ عنهُ
ببساطةٍ شديدةٍ كفرنا دون علمٍ
التفاصيلُ الكبيرة في حياتنا
لا تصلح للعقل
والتفاصيل الصغيرة
نفسّرها كما نشاء
مثلا
فسرنا التّخمة بالمبالغة
والجّوع فسرّناهُ بالعدو
تمنّينا لو كان رجلا لقتلناه
هكذا نؤمنُ بالقتلِ, ونحن منفيون
منفيّون .. منفيّون جدا
*
مشاعرُنا ..
تدورُ سكرانةً بالشهوةِ, أو بالحبِّ
لا فرق!!
فنحن لا نميّز بين الحبّ والشهوة!
ضعفنا يتقادم في المسافات
قوتنا تتلاشى في المساحات
عقولنا في الأخبار العاجلة
ذكرياتنا أحذية قديمة
طفولتنا خلف كهولتنا
ولغاتنا كثيرة الشكوى
منفيّون .. منفيّون جدا

لم نلد في المصابيح
ولم نولد في الظلام
سقطنا فقط
سقطنا بخفةٍ, برشاقةٍ
كما الرّيش في الهواء
هكذا نتهاوى, ولا نقع
عادة تحملنا الرّيحُ
مرةً للخريف, مرةً للخوفِ
مرّة للحروب, مرّة للهروب
وألفَ مرةٍ للبلاد
نبحثُ عن سببٍ وجيه
يُقنعُ أولادَنا بما نحنُ فيه
يقنعهم بأسمائِهم المستعارة, وحياتِنا الغريبة
منفيّون .. منفيّون جدا
*
لا نسأل النهرَ عن منبعهِ
لا نسأل الذئبَ عن وجارهِ
ولا نسأل الطفَّ,
عن مائهِ, وصحرائه
لأنّنا نعرفُ مسبقا
أنّ ثأر الحُسين, عكازتنا الأخيرة
في المحطات الكبيرة
رجالنا ..
يتقافزون بقرْنٍ وحيد,
وأجنحةٍ عاطلةٍ
ونساؤنا ..
يتراقصن بضَرْعٍ وحيد
متناغمون
متقاطعون
متناقظون
هكذا ..
كلّنا بلا استثناء
منفيون,
منفيون جدا
نظنّ أنّ القدسَ, زوجةَ الرّسول
وتاريخُنا عِشقٌ من طَرفٍ واحد
أمّا تآخينا
وأقصدُ المحبّةَ لذاتِها ..
فهو شمعةٌ, في نصفِها الأخير
بيدِ امرأةٍ لّعوب
في حانةٍ بائسة تنتظر الكأس الأخير
السنون تمضي..
وأيّامُنا, أوراقٌ صفراء
خبّأتْ تاريخَها, في ملفاتٍ مهملة
السنونُ تمضي ..
وأمنياتنا,
تّتسعُ بطنُها, وتنتفخُ
فتلِدُ, وتولد
وتتكاثر كالطحالب
ثمَّ ندّعي زورا ..
أنّها سّحابة عابرة
بينما مطر الله
يكشفُ لنا أثداءً قاحلة
وأطرافا موزعة في الشوارع
وجثثا تسقط فوق الرؤوس
منفيّون .. منفيّون جدا
*
ماجد مطرود/ بلجيكا

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت