رواية العنيدة والذئاب: نسيج إبداعي يخلص إلى أن الأيمان بالقيم هو ما يمكن أن يعتصم به الانسان في مواجهة الشر.

صلاح شعير
2018 / 8 / 28

دراسة نقدية عن روايتي العنيدة والذئاب بقلم: فاطمة فؤاد أحمد

رواية العنيدة والذئاب الصادرة عن دار يسطرون للنشر والتوزيع بالقاهرة للكاتب والروائي والمسرحي صلاح شعير، تجعل من يطالعها منذ الوهلة الأولى بأنه أمام وجبة شهية، وهذا الشعور يزداد بعد الانتهاء من القراءة، لأن الأديب في تلك الرواية نجح ببراعة في أن يمزج بين عبق الماضي وأصالته، وبين حداثة المستقبل بموضوعية وحيادية فائقة؛ ليرسم لنا حالة خاصة عبر صورة ذهنية تهيئ القارئ لأن يستدعي أفكاره فكرة تلو الأخرى، ليتحرك ويتفاعل مع الورق بحواسه، ومدركاته وبذلك يكون النص قد حقق هدفا ساميا من أهدافه الأدبية، ألا وهى دفع المتلقي للتحليل والتفكير والاستنباط، فقد كانت الرسالة الإبداعية تتحرك بين آمال الفرد، وهموم المجتمع.

يمتلك الكاتب أدواته الفنية بدءا من اختيارالعنوان، الذي يبشر القارئ بصراع درامي حامي الوطيس، وعبر التحليل النفسي، نجح الكاتب في الغوص داخل النفوس البشرية، ليصف لنا حالات بعينها، ويطلعنا على بعضا من التفاصيل، ويجسد لنا صورا من واقع الحياة نتعاطف معها تارة، ونشفق عليها تارة أخرى، ونلوم عليها أحيانا، فقد كانت الرواية نسيجًا واحدًا تتشعب منه أحداث كثيرة تم ربطها في سياق واعِ ومحكم، وبالتالي قدم لنا المؤلف نموذجا فائقا للأدب الذى يتبنى عبر الفكر أجيالا، وبشكل لا تتعارض القيم والعادات العربية، وعبر مساحات سردية عميقة الدلالة برزت رواية “العنيدة والذئاب” وكأنها منارة فكرية تحمل المصداقية، والواقعية، والرومانسية في آن واحد.

الشخصيات

نجح المؤلف في تصوير الشخصيات لدرجة يشعر معها المتلقي أن أبطال الرواية ليسوا من عالم بعيد، فهم يعيشون بيننا، ويتمتعون بميزات تعكس لنا الواقع، لدرجة أن القارئ أثناء المطالعة يشعر بنبض الشخصيات وهم يضحكون، ويتألمون، ويصارعون الحياة، وتصارعهم الحياة، ومن ثّم كان رسم الشخصيات محكم بدرجة سينمائية، فصورهم فوق الورق واضحة المعالم.

لقد صور لنا المؤلف كل شخصية على حدة بكل مكامنها الداخلية والخارجية وما تحمله من مظاهر الخير والشر القابعان داخل الأعماق.

لقد جاء رسم الشخصيات في رواية “العنيدة والذئاب” متقنًا، بدرجة ممتازة، فسمح لنا برؤية معالم البشر، وغرائرهم، والطموحات المشروعة، وغير مشروعة، كما أن الأسماء كانت تحمل دلالات رمزية، فعل سبيل المثال لا الحصر، اسم ناجي ينطلق من فكرة المناجاة، وهذا الاسم على وجه التحديد يناسب سلوك البطل، الذي تعلق بحبيبته عبر المناجاة، والأمل، وبذل الجهد، ثم الفوز، ثم التصادم، ثم العودة للمناجاة من جديد حتى تعود الحبيبة التي هجرت عش الغرام، أما اسم ليلى فهي امتداد لفكرة الحب التي تجسَّدت عبر التراث العربي في قصة قيس وليلى، وأيضًا نجد اسم فواكه ابنة خالة البطل الحالمة بحبه، اسم يدل على طهارة الروح، وفي الجانب المقابل يدل اسم نبيل الحاوي على الأطماع التي تحرك النفوس البشرية، وعلى هذا المنوال تتطابق دلالة الأسماء مع تصرفاتها، وتحمل أبعادًا وتفصيلات تفيد البناء الروائي.

الماضي يحدد الحاضر

الرواية جسَّدت بطريقة بسيطة وممتعة تأثير الطرق والأساليب التربوية على الإنسان، وقد برز ذلك في شخصية ليلى، التي تخرجت كلية الحقوق، ومازالت تحمل ذيول الماضي وأيام الطفولة، وقد عبَّر الكاتب عن ذلك التأثر باختياره لحدث يمثل شكلا من أشكال الارتباط بين الطفولة والكبر، ليوضح في مجرى الأحداث الذى سنتعرف عليها تباعا أن البطلة تعيش الماضي المؤلم عندما يتم استدعاء الذكريات من أيام الطفولة التي بدأت بانتزاع تلك العروسة، والتي كانت محل الصراع المشتعل طوال ست سنوات بين ليلى وبين اختيها، ثم منحها تارة لريهام، ومرة لمنى، تؤكد لنا الرواية في هذا المشهد أن ما ترتكبه بعض الأسر في حق الأبناء من أخطاء تربوية، يظل مقترنا بالشخصية طوال الحياة، وهنا يدق المؤلف ناقوس الخطر من خلال روايته محذر من التفرقة بين الأطفال في المعاملة، لأن ما يلاقيه بعض الأبناء منذ طفولتهم من إهدار لحقوقهم التربوية من خلال التعنيف، أو الإهمال، أو الضرب يترك آثاراً نفسية لا يُحمد عقباها في المستقبل، وقد أدي ذلك الخلل في تربية ليلى إلى تأصل صفة العناد بداخلها، مما جعلها تؤذي نفسها عبر ظاهرة العناد السلبي.

والنموذج الآخر هو للشاب الرزين هو ناجي ذلك الطفل الذي تربى يتيما، يعاني الفاقة، والحرمان، ويعيش مع أمه على معاش ضئيل، وعندما أراد أن يمتلك قطارا كصديقه الصغير باسم، وبسبب الفقر وعدم القدرة على الشراء، تسلق السور ودخل بيت باسم، ومد يده نحوه لكى يأخذه، ولكنه تراجع عن السرقة فجأة، عندما تذكر كلمات أمه تدوى في أذنه وهي تقول: (من يسرق يدخل النار). تراجع ناجي عن فكرة السرقة، وقرر أن يدخر مصروفه الضئيل لشتري ما يريد، وقد كبر على تلك العادة، العمل.

التناقضات والتفاعلات الإنسانية

ترصد الرواية بعض التناقضات، منها ما هو رمزي فلسفي ومن أمثلة ذلك مولد الحب في قلب ناجى عندما صدم رجاء ابنة خالة ليلى بسيارته، هذه الصورة تجسد مولد الأم لمن رحم المعاناة، فهذا قلب يخفق، وقلب آخر يكاد أن يحتضر تحت عجلة السيارة. أما التناقضات الأخرى فتتمثل في تدهور العلم، وتراجع منظومة القيم لصالح طغيان المادة، واستشراء الفساد الخلقي.

رصدت لنا الرواية كثيرا من التفاعلات الإنسانية والوقائع المصيرية لحياة البشر في عالمنا المادي والمعنوي لنقف أمام مجريات الأحداث وكأننا نعيش داخل واقع هذه المأساة التي تحدَّث للبطلة حيث تفقد أهميتها من خلال مفهومها الخاطئ عن الحرية وربما بسبب الرواسب النفسية التي تربَّت عليها منذ طفولتها نجدها تفقد أمها وتفقد حبها الأول أمام كل هذا الفقد تقع تحت طائلة الاكتئاب النفسي، وتصبح فريسة للرجال، وهذا هو مآل العناد والرواسب النفسية الخاطئة التي تنشأ منذ البداية، برزت نتيجة المفاهيم المغلوطة في سلوك ليلى عندما تطور الألم النفسي لديها الى رغبة قاتلة في الانتقام من الرجال، هى لا تدرى ماذا تفعل؟ ربما كانت تلهو في مغامرة جديدة لتشعر نفسها أنها مازالت مرغوبة، هي تريد أن تحقق نصرا في حربها مع الرجل، فتهزم نفسها بجدارة.

البناء الجمالي والأخلاقي

يجد القارئ نفسه وهو يبحر بين شواطئ رواية “العنيدة والذئاب” أنه أمام عمل متكام لا يتماشى مع الأعراف الأخلاقية، والقيم المبدئية، فيرسم لنا الكاتب شكلا آخر لعالم مليئ بالأحداث السريعة والمتلاحقة التي تحمل في طياتها الخير، والشر، والجمال، والقبح، وقد برز كل ذلك من خلال توغل السرد داخل النفوس البشرية بعمق، لنجد أنفسنا في النهاية أمام صورة متكلمة تعرض بشكل درامي عالم يحكمه التناقض والازدواجية.

بعد طوال ترحال تصل بطلة الرواية في النهاية إلى حقيقة هامة، تتلخص في أن الحب الأكبر وهو حب الخير، وحب العطاء، وحب الله، فالإيمان بالقيم هو ما يمكن أن يعتصم به الإنسان في مواجهة الذئاب.