تأملات في أسباب الأزمة التركية

عبد السلام أديب
2018 / 8 / 16

لفهم الأزمة التركية الحالية والأزمات المتزامنة معها تجب دراسة مرحلة صعود وانهيار البلدان المسماة بالبريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وافريقيا الجنوبية) والميست (المكسيك واندنوسيا وكوريا الجنوبية وتركيا).

فهذه البلدان شهدت تقريبا نموا متزامنا متصاعدا تدريجيا منذ سنة 2002 وحيث بلغ أوجه سنوات 2009 و2010 ثم بدأ نموها يشهد انحدارا تدريجيا ابتداء من سنوات 2014 و2015 الى ان بلغ قمة انحداره أواسط هذه السنة (2018). ففهم هذه الظاهرة بسيط رغم الضبابية التي قد تحيط به.

ففي سنة 2002 بلغت أزمة الشركات الاعلامية العملاقة أوجها والمثال البارز عنها هو انهيار شركة "انرون" في أمريكا سنة 2001، (أزمة 2000 – 2003) كما سبق هذه الأزمة اندلاع أزمة النمور الآسيوية ما بين 1997 و1999، كما بدأت منذ سنة 2002 و2003 أزمة جديدة تتطور تدريجيا عرفت بأزمة السوبرايم في الولايات المتحدة الأمريكية (أزمة الأسهم المسمومة جراء بيع العقارات وعجز حائزيها عن سداد اثمنتها التي عرفت انهيارا مريعا بسبب ارتفاع فوائد القروض المتغيرة) والتي ستبلغ أوجها سنة 2008 حيث ستنتشر في العالم بأسره وستستمر الى غاية سنة 2014.

فماذا حدث خلال مختلف هذه المراحل من الأزمات الدورية المتقاربة؟

لقد حدث تحويل وهروب لرؤوس الأموال الكبرى الباحثة عن الاستثمارات السريعة المربحة هاربة أولا من بلدان النمور الآسيوية نحو استثمارات مجزية في مجال الاعلاميات وفي مجال العقارات في أوروبا وامريكا، لكن مع انهيار الارباح في مجال الاعلاميات العقارات هربت رؤوس الاموال مرة أخرى نحو بلدان البريكس والميست التي توجد تركيا من بينها والتي كانت تشكل اوراشا استثمارية هائلة في شتى المجالات الصناعية والفلاحية والخدماتية.

واستقرت استثمارات رؤوس الأموال الضخمة بهذه البلدان ما بين 2008 و2014، حيث تنعكس إيجابا في حساباتها القومية محققة جراء ذلك أعلى معدلات النمو مقارنة بكافة بلدان العالم الأخرى التي كانت ترزح تحت وقع الأزمة.

عقب قرارات دول العشرين منذ نونبر 2008 تفريغ الأزمة الاقتصادية والمالية للسوبرايم على كاهل الميزانيات العامة لمختلف الدول الشيء الذي أدى الى تراجع وقع هذه الأزمة سنة 2014 حيث بدأت رؤوس الأموال الكبرى تخرج من بلدان البريكس والميست وخاصة من تركيا لتعود نحو بلدانها الأم. علما ان رؤوس الأموال هذه كانت تدخل بالدولار فترفع قيمة العملات المحلية، ويتحسن الاقتصاد المحلي. وعندما تخرج رؤوس الأموال بالدولار كذلك (وهو شرط ضروري لجلب الاستثمار الأجنبي بمعنى قابلية عودة رؤوس الاموال الى مواطنها الاصلية)، فإنها تخلف وراءها ازمة سيولة رؤوس الأموال مما يحدث انهيار في العملات الوطنية. تلك هي إذن الاسباب التي تقف وراء ازمة العملة في تركيا.

لكن الأصل في مختلف هذه الأزمات الدورية لنمط الانتاج الرأسمالي هو ميل الربح الى الانهيار على المدى المتوسط والطويل بسبب الانتاج الزائد غير القابل للتصريف، وهي النظرية التي حللها كارل ماركس بإسهاب منذ أزيد من 160 سنة خلت.

يبقى علينا رصد العوامل المساعدة على وقوع البلدان الرأسمالية التابعة بسهولة في مأزق تحولات السوق الدولية. فبلدان الميست والبريكس مثل تركيّا دولة رأسمالية تبعية نامية يرتكز اقتصادها أساساً على الاستثمار الأجنبي وعلى القروض الخارجية ويقوم الاقتصاد المغربي مثله مثل اقتصاديات بلدان العالم الثالث على اساس هذه الاستراتيجية. ونظرا للحاجة الدائمة والمستمرة لهذه البلدان الى تدفق رؤوس الأموال اليها للحفاظ على وثيرة نموها، فتقدم الكثير من الحوافز لرؤوس الأموال الأجنبية من بينها قابلية تحول عوائد الأرباح بل وحتى رأس المال الأصلي الى الخارج.

وأغلبية الأموال الساخنة المتدفقة كقروض نحو بلدان العالم الثالث تبرم بفوائد متغيرة، فحالما تتغير نسبة الفوائد نحو الارتفاع فإنها تشعل نار المديونية وتعجز بلدان العالم الثالث عن سدادها الشيء الذي يدفعها الى الطلب على المزيد من القروض الخارجية ذات الفوائد المرتفعة. وتتأثر الشركات المنتجة بارتفاع كلفة رؤوس الأموال لضمان استثماراتها وهذا ما حدث للشركات التركية منذ سنة 2014 ودفع بها تدريجيا نحو ازمة خانقة.

مدخلات الاقتصاد التركي في غالبيته ذو مصدر خارجي وهي الظاهرة الناجمة عن اتساع مجال الاستثمارات الأجنبية التي تستورد المنتجات نصف المصنعة وقطع الغيار تقريبا بكاملها من الخارج وهو ما يعمق من أزمة عجز الميزان التجاري التركي المزمنة. وهذا الوضع بحد ذاته يعمق لجوء تركيا الى القروض والاستثمارات الأجنبية، فإذا ما انحصرت تعمقت الأزمة أكثر.

ونظرا لتحويل القروض الأجنبية لصالح الشركات الخاصة التركية المحلية والأجنبية، لذلك حينما تهرب رؤوس الأموال بالدولار الى الخارج، فإن الميزانية العامة والبنك المركزي يصبحان في ورطة وأزمة مالية خانقة يستحيل معها معالجة الأزمة دون اللجوء أكثر فأكثر الى مساعدات الخارج حتى بشروط مجحفة. إذن فميكانيزمات الأزمة التركية تضاعف نفسها بنفسها. فبالإضافة لارتفاع أقساط سداد القروض، والبحث عن قروض جديدة، أدّى هبوط الليرة التركيّة إلى تعميق أزمة الرأسمالية التبعية التركيّة، حيث تبيع منتجاتها بالليرة وتدفع قروضها بالدولار واليورو، وحيث أن انخفاض الليرة يؤدي إلى انخفاض قيمة مبيعاتها كما يؤدي إلى المزيد من ارتفاع قيمة مديونيّتها.

خروج رؤوس الأموال الكبرى وبداية تعمق الأزمة في تركيا دفع كثير من رؤوس الأموال الأجنبية الأخرى إلى بيع استثماراتها في الأسهم وسحب رؤوس اموالها بالدولار، مما ساهم في مزيد من انحطاط قيمة العملة التركيّة. وإذا أضفنا إلى كل هذا قرار الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات على تركيا وخاصّة مضاعفة تعرفة الاستيراد على البضائع التركيّة وبالتحديد الحديد والصلب والألومنيوم، الشيء الذي خفّض من القدرة التصديريّة لتركيّا، التي تعتبر تاسع أكبر مصدّر للصلب في العالم.

وإذا كان انخفاض قيمة الليرة التركيّة سيساهم في تعزيز الصادرات التركية إلا أن ذلك سيتم على حساب معدل الربح والنمو.



محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير