حكومة بغداد تستجدي المانحين لتطبيع الوضع الإنساني!

فالح الحمراني
2018 / 8 / 4

حكومة بغداد تستجدي المانحين لتطبيع الوضع الإنساني!

فالح الحمراني

إن زعزعة استقرار الوضع في العراق بعد الانتخابات البرلمانية في شهر ايار الماضي، واتساع الاحتجاجات الجماهيرية في عدد من المدن العراقية اتصالا باستشراء الفساد وتدهور المستوى المعيشي وانعدام الماء الصالح للشرب وانقطاعات الكهرباء ورداءة الخدمات الصحية والتعليمية والتلاعب بعوائد النفط ( يصدر العراق 3.5 مليون برميل في اليوم ما يعني أن إيراداته تبلع ما معدله 250 مليون في اليوم الواحد، ولا يستفاد السكان منها) أضافت الغموض على خطط الحكومة في المجال الإنساني.*
وفي الوقت نفسه أن الحكومة عاجزة، أو إنها لا تروم تغير سياستها الاستثمارية وتوجيهها نحو المهام الاستراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وحل المشاكل العالقة، وإنها وكالسابق تعقد الآمال على تمويلات المانحين الأجانب السخية لحل مشاكل الوضع الإنساني. إن عدم شفافية النظام الاقتصادي وارتفاع مستوى الفساد يحول دون تبني الحكومة قرارات استراتيجية بشأن الاستثمارات في الاقتصاد وتوظيف عوائد النفط التي بلغت في شهر حزيران/يونيو 7 مليار و597 مليون و348 ألف دولار، بشكل عقلاني.
وبرغم تناقضات الإحصاءات والتقارير بحقيقة الوضع الإنساني في العراق فيمكن استخلاص أن تطبيع الحالة الإنسانية في العراق حتى منتصف عام 2018 وعلى الرغم من وجود إحصاءات مثيرة للقلق في مجال الأمن وعدم وجود استقرار سياسي بحصيلة انتخابات ايار، يسير بمستوى ثابت.
وكما ذكر خبراء منظمة إدارة المعلومات وإزالة الألغام الأرضية (Immap) غير الحكومية، فقد تزايدت في الأشهر بحدة الحوادث في مجال الأمن التي ارتفع تكرارها من 339 حادث في كانون الأول من العام الماضي إلى 485 حادث في يونيو 2018. بيد أن طابع هذه الحوادث يخف اكثر فاكثر وخطر اغلبها يعود إلى تبعات العمليات القتالية واسعة النطاق في المرحلة الماضية، وليست كونها مؤشر على تصعيد جديد للنزاع وبالتالي نشوب أزمة إنسانية. ويرجع نصف تلك الأحداث تقريبا، لحد يومنا الحالي، إلى انفجار الألغام والمواد المتفجرة المتروكة، وتشكل نسبة حالات المواجهات المسلحة المباشر أقل من 10%
والمؤشر الهام الآخر لتطبيع الحالة الإنسانية في العراق هو تقلص عدد النازحين داخليا. فمنذ بداية نزاع الحكومة المسلح في 2014 مع داعش الإرهابية، بلغ عدد المشردين داخليا رقما غير مسبوق ب 6 مليون شخص. وفي الوقت نفسه بلغ عدد العائدين لديارهم من بين النازحين داخليا في حزيران 2018 حوالي 3.9 مليون. واللافت أن 97% أي الغالبية العظمى منهم تمكنوا من العودة إلى أماكن إقامتهم.
وفي الوقت ذاته لا يُبدي الخبراء التفاؤل تجاه تقلص حجم النازحين داخليا على المدى المتوسط. وبرايهم إن دينامية التقلص حتى نهاية 2018 ستنخفض، بسبب أن النازحين داخليا الذين لم يعودوا إلى منازلهم لحد الآن لم يجدوا الأساس الجدي للعودة. وعلى وجه الخصوص ووفقا للدراسة السنوية للعراق التي جرت في بداية حزيران من السنة الحالية برعاية منظمة الهجرة العالمية، إن العائق الأساسي أمام عودة النازحين داخليا يكمن في مشاكل ذات طابع طويل الأجل، والتي لا يمكن حلها اليوم، ويتطلب حلها استثمارات كبيرة. ومن بينها دمار المجمعات السكنية وبالتالي عدم وجود سكن ( 26 من الذين جرى عليهم الاستطلاع) أو عدم وجود عمل، أو فرصة الالتحاق بعمل للحصول على مدخول منتظم (25%) أو عدم وجود ظروف أمنية ملائمة في هذه المناطق(18%). وبالمحصلة فان 30% من إجمالي عدد المتبقين من النازحين داخليا وعددهم 2 مليون شخص يخططون من حيث المبدأ العودة إلى أماكن إقامتهم الدائمة في غضون الستة اشهر القادمة. ولا يخطط 37% العودة، نظرا لانهم اندمجوا بشكل واعي في المجتمع المحلي، أو انهم كانوا مجبرين على القيام بذلك، لانهم لا يثقون بظهور خيارات ملائمة لعودتهم إلى منازلهم ومناطق سكنهم السابقة.
واللافت إن غالبية النازحين العراقيين داخليا يشيرون، عندما يُطرح عليهم سؤال عن متطلباتهم الرئيسية لاستعادة الحالة الإنسانية والتغلب على صعوبتها، إلى ضرورة تأمين فرص العمل ووسائل العيش (للحصول على مدخول ثابت). ويشار أيضا إلى مراعاة حقوق الإنسان وحرية التنقل كأمور ملحة، بيد أنها تتراجع إلى المرتبة الثانية على خلفية الأولويات المبينة.
وتجدر الإشارة إلى انه وعلى الرغم من انتهاء عمليات نزوح العراقيين الجماعية نتيجة للنزاع المسلح، تنشأ في مختلف المناطق بشكل دوري أوضاع معقدة. على وجه الخصوص استمرار تنقل العراقيين في شمال العراق ( بالدرجة الأولى من محافظة نينوى) ويكتسب هذا طابعا ثابتا ومنتظما. إن هذا التوجه يتطلب الاهتمام المستدام، وخاصة في فصل الصيف حينما تصل ت الحرارة إلى 50 درجة، مما يجعل هذه الشريحة في وضع لا يطاق.
ومن الواضح أن المشاكل الإنسانية الهيكلية ستقبى في العراق على المدى المنظور. إن تمويل المشاريع طويلة الأجل هو العامل الرئيس للتغيرات النوعية في المجال الإنساني. وفي الوقت ذاته إن اهتمام وانتباه المانحين الأجانب ينخفض موضوعيا بالتزامن مع استقرار إسعار النفط وتنامي مصادر المدخول الوطني. وفي هذا السياق تم في عام 2018 تمويل 55% فقط (تم استلام 313 مليون دولار بينما المطلوب 569) من برنامج منظمة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في المجال الإنساني، وان هذا يشهد إن على ببغداد إن لا تنتظر استلام المبالغ الكبيرة المعلن عنها، وسيجري في العام الحالي سد 50- 60% من إجمالي الاحتياجات في اطار البرنامج الإنساني. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• اعتمدت المادة على عدة دراسات نُشرت بالروسية عن الموضوع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت