النص .. تأويل لا تفسير

احمد البهائي
2018 / 7 / 25

(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ).
النص القرآني بشموله وإنتظام آياته ، بين آيات محكمة واضحة الدلالة والقطع الثبوتي، كما في آيات التشريع ووصف الكون ومامنحه الله للانسان من سمع وبصر وعقل.....، ثم هناك الاسلوب الأدبى التصويرى والمجازى, خصوصا الذى يصف لنا الغيبيات التى لم نشهدها بعد ، وهى تخرج عن نطاق خبراتنا ومدركاتنا الحسية ، فالايات المتشابهة يخاطب الله بها البشر إعتمادا على الاسلوب المجازى ليقرب الصورة لعقل الإنسان محدود الإدراك ، اذاً المتشابهات تقع كلها في دلالة الأدراك(العقلي والطبيعي والوضعي) رغم إستحالة العقل البشرى ان يخضعها للبحث والتجريب،بمعنى اولي هو الغيب الثبوتي الذي لم ندركه الان وقد يمكن إدراكه ويكون بعد ، بعلم من الله ومع ذلك اعطانا الله منحة لإعمال العقل فيه بالتفكير والتخيل القائم على الربط بين الحقائق الظاهرة وحقيقة غائبة ، الى ان يأتي ميعاد ثبوته ليكون ملموسا وواقعيا ، وكما تحدثنا ربط التأويل بالمتشابه بالمجاز ليخفف واقعة الإدراك الوقتي، وهناك آيات كثيرة في النص توضح ذلك،فالحياة البشرية مرتبطة ارتباطا كليا بمواقيت التأويل الكوني الذي لا يعلمه إلا الله ويمنح ادراكه لمن يريد ، وبمجرد الإنتهاء من تثبيت كل التأويلات تنتهي الحياة البشرية ، مثال كما في آياته( الله الذي رفع السماوات بغير عمدٍ ترونها )،هذا هو التأويل الذي منحه الله للراسخون في العلم من عباده ، لياتي ما هو أعمق منه ومهيمن علية واخص الله به ذاته الكاملة ومن اصطفى من الرسل بل ومن ارتضى منهم فقط وليس الراسخون من البشر ألا وهو " الغيب الالهي " كما في آياته ( قل ان أدرى أقريب ما توعدون أم يجعل له ربى أمدا. عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول . )،( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء ).هنا في الآيات لم نرى كلمة التأويل ، لانه يوجد ما يحتويها وهو أعمق واشمل منها ، أي الغيبيات ، التي سنرى تحقيقها عمليا وتجسيدها واقعيا فى يوم لا يدركه إلا الله، حين نتحول الى خلق آخر فى عالم آخر وبإمكانات تناسب ذلك العالم الآخر لتجعلنا قادرين على تحملها ومنها القدرة على رؤية الله العلى القدير ، " لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " .

( هل ينظرون الا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاء ت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا او نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل قد خسروا انفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) . اذأ التأويل منه كوني وهذا واقع لا محال مرتبط بمواقيت تحقيقة عندها ينتهي التاريخ وهو منحة من الله منه ما يتحقق على يد خلقه ثبوتيا ومنه تحقق كما حدث ونعرفه الان في بعض آيات الكون ومراحل خلق الإنسان ،(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )،( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) ، ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا ...)،( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فهناك من يعتبر أن تلك الآيات من ضمن آيات الإعجاز العلمي في النص ، مع العلم ليس في النص ما يسمى إعجاز علمي، ولكن هي في حقيقتها تدخل ضمن التأويل بل وفي صميم التأويلات ، اذ وقت نزول الآيه آمن بها الاتباع بالرغم من عدم الادراك والتحقق الثبوتي ، إلا انهم أعطوا العقل والخيال وقت للتفكير فيها إعتمادا على الدال والمدلول والملازمة بين كل شيئين ملازمة طبيعية ، وهم الراسخون الأوائل في العلم ، الى ان ثبت ما كان غير مدرك وقتها ، التثبيت لا يقع على المؤمن وحده وقد يكون تكليف غير المؤمن به اكثر دلالة وتثبيتا ، ليأتي دور الراسخ في العلم والعالم بآيات الله ليأخذ بكل الاسباب ويحقق بها الآية وتأويل الله منها، لياتي الشئ الأعظم الشامل لكل التأويلات والخاص بالذات الالهية ومن ارتضى من الرسله الذي يبدأ من تحقيق تلك الاية ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ )،أي إنتهاء وتحقيق ما أتى به النص من تأويل،ليأتي الغيب الذي يعلمه الله ومن ارتضى به من الرسل ، كما في قوله ( أنما توعدون لصادق . وان الدين لواقع .) ، أي الغيبيات واقعة .

فالجدل مدخله الشك وهو سبب الزيغ الذي حذر الله منه وأن بديله الراسخون الاخذون بالاسباب والباحثون بكافة معنى البحث الديني والعلمي وغيرة ، اي هو علاج الزيغ والاية واضحة في لفظ (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ )والاتباع المقصود هنا هو فهمهم حسب مدخلات الشك وليس القائم عن بحث او تثبيت، فقوله (تَجرِى بِأَعيُنِنَا ) وقوله ( وَلِتُصنَعَ عَلى عَينِى ) وقوله( فَأَينَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجهُ اللهِ ) و( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) هل هذا يعني أن الله له يد وعين ووجه مثل الانسان ؟ ، لتأتي الآية التي تحد لنا نطاق التخيل حتى نكون بعيدا عن الخرافات ويقطع مجال التخيل الشيطاني في قوله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ) فالمثل هنا يشمل القدرات والشكل والهيئة والصفات ،حتي يأتي ونعرف ما هي صفات الخالق ، ومنها لنعرف ان لله يد وعين ووجه فنعم اليد والعين والوجه.

أخيرا ، النص القرآني دائما وابدا جاء بالتجديد والحداثة،وخير تأكيد قوله " الراسخون في العلم " اي المنهج العلمي والديني وإعمال العقل،وهذا ما يجب الانشغال به،لا الانشغال هل القرآن مخلوق ام غير مخلوق هل انزل دفعة واحدة ام متقطع على مراحل، لنقول هل دعا الله الى ذلك الفكر الجدلى الممل المتحجر،وما الفائدة من ان نعرف ان النص انزل دفعة ام على مرحل حتى نختلف،وحتى لو عرفنا ان الله الخالق له يد مثل ايادينا هل ذلك سيزيد الايمان او يقلله طالما نعبد الله على اي هيئة ،هل هؤلاء هم الراسخون في العلم لا والله بل هم الفاسدون للعلم ،القرآن أنزل كى لا نشقي بل للتدليل والتبيات والاهتداء ، والنص صريح قائم على التأويل والغيب،لا التفسير، ليعرفنا الخالق ان النص ليس له تفسير بل تأويل وإذا أدخل التفسير البشري على التأويل ضاع النص وهذا ما حدث ويحدث ، فالنص انزل وليس له ملحق توضيحي ، حتي جميع الأحكام والتشريعات واضحة لا تحتاج الى إيضاح أو تفسيرات لكي نعرفها ، فجميع التفسيرات كان هدفها سياسيا لتخدم الفترة والحاكم والنظام والادلة على ذلك واضحة ، فالنص لا تفسير له ، النص له تاويل، فدعونا ندرس ما تحقق من تأويلات ونستعد لما هم أت منها .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية