الاعلام .. تاريخانية الوجود :

خالد بوفريوا
2018 / 6 / 17

ان الحديث عن الاعلام ومنظومته هو ذات الحديث عن اوكار العناكب وتشعبها على شاكلة خلايا النحل, الخلايا الممتدة امتداد الانسان على طول تضاريس هذا الكوكب تلفها من كل اتجاه مشكلة - بضم الميم- منظومة اتصالية صعبة التحليل والتفكيك وقد ولد هاجس الاعلام ورغبة التعامل به مع ولادة الانسان ، فمنذ ان اطلق الانسان صرخة ولادته الاولى معبرا عن وجوده وذاته ، بدأت سلسلة انماط التعبير والإفصاح عن مكنوناتها والإدلاء بالآراء والتصورات والانطباعات عن كل ما يحيط بالإنسان من ظواهر بشرية او طبيعية … وهنا نلمس ان البعد الاجتماعي في حياة الانسان واضحا اشد الوضوح ،
وقد اتخذت صور تعبير الانسان عن ذاته اشكالا وأوضاعا مختلفة, فهي تارة بالصوت وتارة بإشعال النيران وأخرى بكتابة الخطوط والرموز على الحجر والعظام والجدران وكذلك في تعليق العلامات والرايات مما عنا بها الانسان القديم التعبير عن وجوده ومشاعره …
وقد ارتبط تطور وسائل الاعلام التي مارس من خلالها الانسان وظيفته بالتقدم التقني والعلمي الذي مرت به البشرية ورغم تدرج سبل الاتصال والإعلام بين الانسان وأخيه الانسان من كونه غير واع او مقصود او لتحقيق غاية معينة الى اتصال واعي ومقصود ولتحقيق غاية معينة ثم من اتصال شخصي او محدود الى اتصال عام وجماهيري ، فقد لعبت ادوات التطور التقني في كل ذلك دورا مهما فاختراع الانسان للكتابة دفعه للتعامل مع الادوات والصناعات التي تتطلبها الكتابة فتطور الامر من حجر او قصب الى جلود معتنى بها وحبر اكثر ملائمة لتسجيل الافكار .والى مواد اخرى اكثر تحضرا مما سبق … اما الثورة الصناعية فقد حققت تطورا هائلا في هذا المجال بدخول مكائن وآلات صناعة الورق والأقلام وآلات الطباعة الحديثة التي جعلت وسائل الاعلام المطبوعة اكثر جماهيرية وعمومية بعد ان كانت قبل قرون من ذلك تقرا شفاها كما في خطبة الجمعة عند المسلمين او تعليق الرقع والقوانين كما عند الصينيين او نحتها على الحجر الاصم كما في مسلة حمورابي القانونية الشهيرة …
ان استمرار التقدم الصناعي خدم وسائل الاعلام خدمة كبيرة فبدت الصحف والمجلات والكتب اقل كلفة وأكثر نظارة وبهجة وإمتاعا وبتطور وسائل النقل الى مركبات وقطارات سريعة وطائرات تخرق الفضاءات الشائعة بدقائق معدودة اضح نشر المطبوع وإيصاله الى جهات عدة في العالم امرا متيسرا ومتاحا بسهولة اكثر من السابق … اما اختراع وسيلة التخاطب الصوتي / الاذاعي عن طريق الاسلاك ثم بدون اسلاك فقد ساهم هو الاخر في تطور وسرعة نقل المعلومة الاعلامية من المنشأ الى المستقبل وبذلك لم تقتصر وسائل الاعلام على الكلمة المطبوعة بل تعدتها الى صورة جديدة هي الكلمة المسموعة ثم اضيف اليها الصورة واللون والحركة باختراع التلفاز الذي ادى رخص ثمنه وسهولة استخدامه وعظيم اثره الى وصول الاعلام الى كل بيت في العالم مخترقا الحواجز الجغرافية والسياسية واللغوية, بعد ان ولدت الفضائيات التي استعانت بعملها بالأقمار الصناعية التي جعلت الصعب سهلا وحولت مفهوم" العالم قرية صغيرة" ، حقيقة يعيشها الانسان اينما كان على الارض ، فأصبح الحدث الواقع في اقصى شمال او شرق الارض منقولا بالصوت والصورة واللون خلال دقائق او ثوان الى الطرف الآخر من الكرة الارضية كما نشهد ذلك اليوم من حياتنا .
وبعد هذا كله تتواصل الجهود وتتبارى المؤسسات والشركات وتتنافس من اجل اختراع الجديد وتطوير ما موجود لغرض تحقيق النجاح والربح الاوسع عن طريق تصنيع وسائل اكثر حداثة في نقل المعلومة الاعلامية, ولنا في المنصات الرقمية التفاعلية او كما تسمى في ادبيات الصحافة والإعلام (وسائل التواصل الاجتماعي) او الإعلام الجديد (السوشيال ميديا) خير شاهد. التي احدثت فورة وجودية وفي زمن قصير على سيرورة الحقل الاعلامي والصحفي وعملت على اقبار الصحافة المكتوبة وطمس وجودها وحمل نعشها الى مثواها الاخير .