أصل الجسيمات وتوحيدها (2)

يحيى محمد
2018 / 5 / 24

رغم وجود جسيمات اساسية من دون بنى كما تبدو حالياً؛ ظهرت تأويلات حولها تستند الى نظرية الكوانتم. ومعلوم انه كانت هناك مدرستان حول منشأ الهايدرونات الجسيمية كالبروتونات والنترونات، احداهما ترى وجود هايدرون اولي اساسي هو الكوارك، فيما ترى الثانية ان الهايدرونات هي بكثرة ما تندّ عن امكان ارجاعها الى هايدرون اولي. وفي نهاية الخمسينات وبداية الستينات طوّر الفيزيائي الامريكي جيفري شيو (Geoffrey Chew) هذا المذهب واطلق عليه الديمقراطية النووية nuclear democracy theorem، حيث استمد هذه الموارد المعرفية من أنشطته السياسية الخاصة وابتعد عن النهج السائد في دراسة الجسيمات، فقدّم في بعض الموارد الجزئية تفسيراً جديداً لمخططات فاينمان، فدعا إلى ديمقراطية نووية من شأنها تعالج كل الجسيمات النووية على قدم المساواة، فعبّر عن علاقات الجسيمات بالرقص القلق للتحولات الشبحية، حيث لا يمكننا الامساك بجسيم محدد، فكل واحد منها مؤلف من البقية في حلقة غريبة لا نهائية، فليس ثمة جسيم اكثر اولية من جسيم اخر. وهو مذاق شمولي لأوجه الكموم في طبيعة المادة. وبالتالي فهي تنفي وجود جسيمات اولية محددة، فكل جسيم يتألف بشكل ما من البقية، او ان كل واحد منها يحتوي على شيء ما من هوية الجسيمات الاخرى. وهو يذكّر بالاطروحة العريقة لنظرية وحدة الوجود الصوفية.
وخلال هذه الفترة او قبلها بقليل قام الفيزيائي الشهير هايزنبرغ ببحث هذا الموضوع في كتابه (الفيزياء والفلسفة) عام 1958، فاشار الى ان الفيزيائيين حاولوا ايجاد قانون اساسي لحركة المادة لاستنباط جميع الجسيمات الاولية وخصائصها رياضياً، سواء اشارت المعادلة الرياضية الى جسيمات مادية او موجات من نوع معروف، مثل موجات البروتون والميزون، او اشارت الى موجات او جسيمات ذات طابع مختلف اساساً لا علاقة لها باي من الموجات المعروفة او الجسيمات الاولية، حيث يمكن رد كل الجسيمات الاخرى الى تلك الاولية. وقد اتبعت الفيزياء النظرية خلال العقدين الماضيين هذا النوع من البحث. وفي قبال هذه الرؤية هناك من رأى انه يمكن رد كل الجسيمات الاولية المختلفة الى جوهر كلي نطلق عليه الطاقة او المادة التي تتصير بأشكال مختلفة، فلا احد منها يمكن ان يفضل على البقية كونه اكثر جوهرية، فهناك جوهر واحد اساس يتكون منه كل الواقع، كالذي يبحث عنه فلاسفة الإغريق القدماء، لا سيما ان ذلك يتطابق برأيه مع عقيدة انكسيماندر. واعتبر هايزنبرغ انه على قناعة من صحة وجهة النظر الاخيرة في الفيزياء الحديثة. وهو من سمى ثنائية (البروتون – النترون) بالنكليون (nucleon)، بحجة انهما وجهان لجسيم اساسي واحد، حيث كل منهما يتحول الى الاخر ضمن ظروف معينة.
والحقيقة هي ان التداخل بين الجسيمات وتحول بعضها الى البعض الاخر يوحي بان هناك شيئاً مشتركاً فيما بينها هو ما يمكن ان يكون اساس وجودها وتجلياتها جميعاً. لكن من الممكن تصور هذا الشيء على أشكال مختلفة:
فقد يمثل الشيء المشترك وجود جسيم موحد يمثل الاصل في ظهور الاختلاف والتمايز بين الجسيمات. كما قد يكون أحد الجسيمات هو ما يمثل الاساس المشترك، بحيث يتصف باقل طاقة وكتلة ممكنة ومنها تتألف البقية وان لم يظهر عليها ذلك. والمثال عليه علاقة الواحد بالعدد، فكل عدد مؤلف من وحدات، لكن الواحد لا يتألف من العدد. يضاف الى انه قد يكون عبارة عن شيء منبسط على الجسيمات دون ان يمثل واحداً منها. ويأتي ذلك على معنيين، احدهما سريان الشيء في صميم الجسيمات، بحيث يكون الجسيم مركباً من الشيء الخاص والشيء المشترك، وهو ما يبدو من عبارة الفيزيائيين. والمعنى الاخر هو ان ينبسط الشيء على الجسيمات من الخارج، بحيث يكون الجسيم بسيطاً ومستقلاً في حد ذاته.
ومن حيث التفصيل يمكن تصور خمس نظريات مختلفة حول اصل الجسيمات وعلاقتها ببعضها كالتالي:
1ـ تعترف النظرية الاولى بوجود عدد من الجسيمات الاساسية العديمة البنى، فلا يمكن ارجاع بعضها الى البعض الاخر، وعليها تتأسس سائر الجسيمات المركبة. وتنسجم هذه النظرية مع الاعتقاد بكون الطبيعة غير بسيطة. لكن لو عولنا على هذه الفكرة لاصبح من الضروري ان تكون هناك مراجعة جذرية لقوانين الفيزياء المتعلقة بالكتلة والطاقة. فهي لا تنجح الا ضمن حدود، اذ لا تنسجم مع بعض قوانين الفيزياء المناطة بعلاقة الكتلة مع الطاقة. حيث اذا كانت الجسيمات الاساسية العديمة البنى ذات كتل مختلفة؛ فمن الناحية النظرية كيف يمكن ان نفسر تحول بعضها الى البعض الاخر. وبالتالي فهي ليست صحيحة بالمعنى الذي تكشف عن طبيعة ما عليه قوانين الكون. فالاخيرة من هذه الناحية تعبر عن صياغات ذهنية دون ان يكون لها واقع حقيقي، كالذي يراه اصحاب المذهب الاصطلاحي.
2ـ ترى النظرية الثانية ان للجسيمات وحدة جامعة غير متمايزة وعديمة الكتلة ظهرت قبل زمن بلانك، او اللحظة الزمنية الاولى من عمر الكون، ثم بعدها بدأ التمايز بين الجسيمات، وذلك تعويلاً على نظرية الانفجار العظيم التي افترضت ارتفاع درجة الحرارة الى اقصى حد ممكن قبل تلك اللحظة الحاسمة، مما جعل الجسيمات موحدة، وعند انخفاض هذه الحرارة اخذت التمايزات تظهر بأشكال مختلفة، كالحال الحاصل في قوى الطبيعة عندما صوّرها الفيزيائيون بانها كانت تمثل وحدة مشتركة خلال درجة بالغة السخونة، ثم تمايزت بالتدريج عند انخفاض هذه الحرارة كما سنعرف.. واذا أخذنا بنظر الاعتبار انه لا توجد قوة طبيعية دون ان يرافقها جسيم، لذا فمن المتسق التنبؤ بوجود جسيم موحد مشترك مع القوة الموحدة الاولية قبل التمايز وانكسار التناظر. وهذا ما يميل اليه فيزيائيو الجسيمات لإعتبارات الجمال والبساطة.
3ـ هناك اطروحة ثالثة تعود الى نظرية الاوتار، حيث ترى ان من الممكن ارجاع الجسيمات الى نغمات الاوتار، فمن هذه النغمات والاهتزازات تنشأ الجسيمات، كل بحسب طبيعة هذا الاهتزاز، ومن خلالها تتولد الكتل وشحنات القوى المختلفة وسائر الخواص. لذلك كانت هذه النظرية واعدة بانها نظرية كل شيء، فكل شيء يعود الى جوهر واحد هو الوتر ونغماته الاهتزازية. لكن من حيث التحقيق تفترض هذه النظرية وجود اشياء فيزيائية جديدة لا دليل عليها لحد الآن.
4ـ تسلّم النظرية الرابعة بوجود جسيم اصيل واحد هو اساس بقية الجسيمات الاخرى. والعلاقة بين الطرفين هي كعلاقة الواحد بالعدد كما سبقت الاشارة اليه. ولو عولنا على هذه النظرية فسيمثل الجسيم الاقل كتلة اساس الجسيمات الاخرى، فهو يشترك معها، من دون عكس. وتعتبر هذه النظرية - مثل الثانية - اقل تكلفة من حيث البساطة مقارنة بغيرها.
5ـ ترى النظرية الخامسة انه لا يوجد جسيم محدد يمكن ان يكون اساس البقية، بل كل جسيم يمتلك شيئاً منها من الناحية الضمنية، وبالتالي فهناك شيء مشترك فيما بينها، وان التحولات من البعض الى البعض الاخر يجري وفق المشترك الذي يجمعها، وإن لم يحدد هذا الشيء على نحو التعيين، كالطاقة والمادة. وقد تتأيد هذه الاطروحة بظاهرة تشابك الجسيمات وتعالقها. فهي تتضمن شيئاً مشتركاً داخلياً قد يفسر ما عليه تلك الظاهرة. وسبق لمدرسة كوبنهاكن ان افترضت بأن الشيء الجسيمي موجود هنا وهناك، الامر الذي يفسّره وجود المشترك الضمني للجسيمات، بحيث يسمح للشيء ان يكون هنا وهناك، كما يسمح بظاهرة التأثير عن بعد..
وحقيقة ان هذه الظواهر يمكن تفسيرها ايضاً وفقاً للنظرية الرابعة، فهي تتبنى ايضاً وجود شيء مشترك بين الجسيمات، لكنه يتميز بكونه اساس البقية، لذلك تعتبر اقل كلفة من النظرية الخامسة وغيرها.
ونشير الى ان من غير الممكن ان يتمثل الشيء المشترك بين الجسيمات بمجال هيجز الذي يسمح بظاهرة الاختلاف في الكتل الخاصة بها. وسبب الاستبعاد يعود الى ان هذا المجال ليس معنياً باختلاف الجسيمات كذوات مستقلة. كما ان الفيزيائيين يفترضون ان هذا المجال قد ظهر متأخراً عن وجود الجسيمات خلال المراحل الاولى من عمر الكون.
كما نشير الى انه قد ترد نظرية اخرى مقاربة للنظرية الخامسة من حيث الاعتراف بوجود مشترك بين الجسيمات، لكن هذا المشترك ليس من ضمن ذواتها الداخلية، بل عارض عليها من الخارج. وكتقريب لهذه الفكرة يمكن التمثيل عليها بالتصورات الفلسفية القديمة، فهي اشبه بالهيولى الاصلية التي تتوارد عليها الصور المختلفة، ومن دونها لا يظهر شيء. او اشبه بالعقل الالهي الذي ينبسط على الاشياء فتظهر بحسب طبائعها الامكانية، وبدونه تبقى الاشياء معدومة كأعيان ثابتة لا تشم رائحة الوجود، ومع ذلك لا تُعرف حقيقة هذا العقل، فهو كالنور الذي تتمظهر به الاشياء وبدونه لا يظهر منها شيء قابل للرؤية، ولا يمكن معرفته والاحاطة به استناداً الى هذا التجلي بالصور المتنوعة. وقد تنفع هذه النظرية في تفسير ما يجري من تطورات دقيقة لدى الظواهر الفيزيائية. اذ يصبح الشيء المشترك بمثابة اثير يتوسط بين الاشياء ضمن اعتبارات ميتافيزيائية ووجودية عامة وظيفته إمداد القوة للتأثير والتنوع والتطور الغائي.
لكن تبقى هذه الاطروحة اقرب للتصورات الفلسفية، وهي قابلة للتلبس بأي من النظريات الخمس السابقة، كاطار مرافق لها دون ان تكون عرضية معها او منافسة لها.
ونعتقد ان النظريتين الرابعة والخامسة هما اكثر اقناعاً من البقية. أما ارجحها جميعاً فهي الرابعة لبساطتها ولكونها تفسر الظواهر الفيزيائية وفقاً للقوانين المعمول بها، ومن ذلك قانون تحول الكتلة والطاقة. وتبعاً لهذه الاطروحة فان اقل كتلة تتعلق بالجسيمات هي تلك التي تحملها الفوتونات، حيث كتلتها السكونية تساوي صفراً، وهي بهذا المعنى تكون ابسط الجسيمات الاولية، ولها تشابهات مع جسيمات قوى النموذج القياسي الاخرى، فالفوتون والبوزون (z) هما الوحيدان الذان ينتقلان من دون تغير هويتهما عبر الفراغ، مع اكتساب البوزون (z) لكتلة من دون الفوتون. كما هناك تشابه مذهل بين الفوتون وجسيم (W)، وعلى اساس ذلك تم توحيد القوتين الكهرومغناطيسية والضعيفة بنجاح تام.
كذلك هناك بعض التشابه بين الفوتونات والگليونات ضمن حدود. فجسيمات الگليونات تقوم بايصال القوة النووية الشديدة التي يؤدي تبادلها الى تجاذب الكواركات او تنافرها، شبيهاً بما تقوم به الفوتونات من خلق التفاعلات الكهرومغناطيسية عبر خضوعها للتبادل بين الجسيمات ذات الشحنات الكهربائية. لكن من حيث الفوارق يلاحظ ان الفوتونات لا تحمل شحنة كهربائية، ومن ثم لا تتعرض مباشرة لتأثير القوة الكهرومغناطيسية، فيما تتعرض الگليونات نفسها لتأثير القوة النووية الشديدة. وعليه تقوم الفوتونات بنقل القوة الكهرومغناطيسية لمسافات هائلة – كما يلاحظ لدى تمكننا من تشغيل التلفاز – في حين لا يمكن للگليونات والكواركات الانتقال بعيداً من دون تفاعل، لذلك كان تواجدها في احجام صغيرة للغاية مثل حجم البروتون.

***
وعلى شاكلة ما مر معنا حول النظريات المتعلقة بعلاقة الجسيمات فيما بينها، يمكن علاج مشكلة التفكير في علاقة قوى الطبيعة ببعضها البعض. فمن حيث المبدأ ان من الممكن تصور خمس نظريات حولها كالسابق، وان هناك ما قد يكون مرافقاً لمضمون واحدة منها حسب التصور الفلسفي الذي سبق عرضه. وبالتالي تصبح قوى الطبيعة والجسيمات بمثابة وجهين لعملة واحدة.
مع ذلك فالطرح السائد حول علاقة تلك القوى ببعضها ينحى الى تبني النظرية الثانية التي سبق عرضها، وهي ان هذه القوى كانت موحدة في قوة مشتركة قبل ان تتمايز فيما بينها، ويعود تبرير هذه الفكرة الى نظرية الانفجار، حيث افترضت انه عندما كانت درجة الحرارة عظيمة للغاية قبل الانفجار العظيم فان القوى لم تكن متمايزة فيما بينها، ولكن انخفاض الحرارة شيئاً فشيئاً جعلها تتمايز بالتدريج ابتداءاً من الانفجار ذاته عند لحظة زمن بلانك.
هذا فيما لو عولنا على نظرية الانفجار العظيم، اما وفق نظرية الانكماش الكوني والفضاء اللامتناهي فسيكون الامر معكوساً وفقاً لدرجة الحرارة والزمن.
فمن غير المنطقي ان نفترض في هذه الحالة ان القوى كانت في الاساس موحدة ثم اخذ بعضها ينفصل عن البعض الاخر، سواء عند ارتفاع درجة الحرارة او انخفاضها، وذلك استناداً الى ان البسيط ينبغي ان يكون سابقاً على المركب. لذا نفترض ان القوة الاولية تتصف بانها ذات طاقة متدنية، وبفعل تراكم الحرارة تولدت سائر القوى الاخرى.
لقد بينت بعض التجارب الفيزيائية ان حالات التجمع بين الجسيمات انما تكون عند انخفاض درجة الحرارة لا ارتفاعها، كما هو الحال في تكاثف بوز اينشتاين، حيث تتلاشى لزوجة الغازات المسالة عند الانخفاض الشديد لهذه الدرجة، فينجم عنه التميع الفائق. ومن الممكن ان نستنتج من ذلك بان حشر الجسيمات يقتضي ان يكون ضمن بيئة باردة للغاية كما في الفضاء المفتوح، وان هذه الجسيمات القابلة للحشر هي البوزونات لامتيازها بخاصية التجمع والتكثف، خلافاً للفرميونات التي تخضع لمبدأ باولي في الاستبعاد. في حين انه وفقاً لنظرية الانفجار العظيم ان وجود حرارة عظيمة لا يبرر جعل الجسيمات محشورة مثل البرودة، بل متدافعة الى اقصى حد ممكن.
ولا يوجد اقل طاقة قابلة للتكاثف يمكنها ان تنافس الفوتونات.. لذلك قد تكون القوة المرافقة لهذه البوزونات تتمثل بالمجال الكهرومغناطيسي. ويمكن اضافة قوة الجاذبية باعتبارها قوة شاملة التأثير لكل من البوزونات والفرميونات. فالفوتونات وقوى الجذب هما اساس سائر القوى والجسيمات. فبفعل التفاعل الثقالي والكهرومغناطيسي نشأت بقية القوى والجسيمات بعد ارتفاع درجات الحرارة. بمعنى ان القوى النووية لم تكن ظاهرة الا بعد ان ازدادت الحرارة، فالادنى طاقة هو اساس التطور والتنوع لبلوغ الطاقات العالية، وقد رافق ذلك ظهور سائر الجسيمات المعروفة.
ومع ان بعض الفيزيائيين يحيل ان تكون القوة النووية الشديدة منشأها كهرومغناطيسي طالما ان النترونات محايدة كهربائياً. لكن من السهل الرد على ذلك بان النترونات والبروتونات يشكلان عملة واحدة ذات وجهين، وللبروتونات شحنة موجبة واضحة، وهي ابسط من النترونات. بل ان التغاير بينهما يتعلق بالترتيب الداخلي لبيت الكواركات.
وبطبيعة الحال ما زالت فكرة محاولة توحيد القوى كاملة لم تنجح لحد الان. فرغم تمكن الفيزيائيين من توحيد القوتين الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة، لكنهم واجهوا مشكلة امام القوتين الاخريين دون التمكن من ادماجهما مع الاوليين، لا سيما الجاذبية حيث تواجه مشكلة اعظم مقارنة بالقوة النووية الشديدة. فعند ضم الجاذبية الى القوى الثلاث الاخرى، كما في نظرية الكم للجاذبية، فستنتج اللامتناهيات بما هو اسوء بكثير من اللامتناهيات في النظريات الاخرى للمجالات الكمية. ويعود مصدر هذه الصعوبة الى ان تخليق طاقة الجاذبية يخلق قوة اضافية جديدة، وفي لغة المجال الكمي ان الگرافيتونات المفترضة للجاذبية تفضي الى ان تتفاعل وتتجاذب فيما بينها، خلافاً لبقية القوى الناقلة الاخرى التي لا تتفاعل فيما بينها، كالفوتونات مثلا ً. وما زالت نظريات كل شيء تبحث عن اساس لتوحيد هذه القوة مع القوى الثلاث الاخرى.
أما القوى الثلاث غير الجاذبية فقد حظيت باهتمام النظريات التوحيدية؛ وذلك في اعقاب نجاح توحيد القوتين الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة طبقاً لما سُمي بالتفاعل الضعيف، حيث يستطيع نيترينو يأتي من الخارج ان يتفاعل عن طريق التفاعل الضعيف مع الكوارك السفلي فيغيره الى كوارك علوي داخل النترون، فيتحول النيترينو الى الكترون، والنترون الى بروتون، اي يستطيع التفاعل الضعيف ان يغير احد الليبتونات الى نوع اخر. وقد شجع هذا النجاح في توحيد القوتين الى البحث عن اساس رصين للتحول بين نوعي جسيمات اللبتونات والكواركات، وذلك عبر ما سُمي بالتفاعل القوي لنموذج الديناميكا اللونية الكمومية quantum chromodynamics (QCD).
فهذا هو اساس ما نشأت عليه نظريات التوحيد العظمى، الا انها بدلالة العنوان عبارة عن نظريات عديدة وليست واحدة، بمعنى انها ما زالت غير مكتملة، وهي تراهن على افتراض بوزونات تعمل على تغيير نوع من الشحنة الى نوع اخر ليمكنها تحويل البروتونات او الكواركات الى لبتونات وبالعكس.
ففي التفاعل القوي عندما تتحرك الگليونات بين الكواركات فانها تحمل معها شحنة لون، لذا باستطاعتها ان تغير لون الكواركات او شحنة اللون، وهو ما يعني تغيّر احد انواع الكواركات الى نوع اخر. وهذه حيلة يفعلها التفاعل الضعيف ايضاً، لكن بطريقة مختلفة، وذلك عندما يغير كواركاً سفلياً الى كوارك علوي داخل النترون. فجميع نسخ هذه النظريات تتضمن مفتاحاً مهماً واحداً هو ان البوزونات التي تستطيع ان تغير نوعاً من الشحنة الى نوع شحنة اخر ستكون قادرة على ان تحول الليبتونات الى كواركات وبالعكس. ولم يكن هذا مفاجئاً على اثر اكتشاف ان الكواركات والليبتونات تأتي في ثلاثة اجيال بحسب النموذج القياسي، في كل جيل زوج من الليبتونات وزوج من الكواركات. لذلك كان في هذا الاكتشاف ما يشير الى وجود صلة اساسية بين نوعي الفرميونات. وبالتالي فمثلما ان النترونات تستطيع ان تتفاعل مع بوزونات المجال الضعيف لتضمحل وتتحلل الى بروتونات، فكذا ينبغي ان تكون البروتونات قادرة على التفاعل مع بوزونات المجال الموحد لتحول نفسها الى ليبتونات. اي انه حتى البروتونات ينبغي ان تضمحل عندما تتحول الكواركات داخلها الى ليبتونات. فهذا هو ما تنبأت به النظريات الموحدة العظمى لكل من جورجي وجلاشو. وتسمى البوزونات المفترضة للمجال الموحد جسيمات (x) و (y)، حيث كتلتها هائلة وتقدر بحوالي (10 15) مرة ضعف كتلة البروتون. لكن لم يتم الكشف عن هذه الجسيمات قط.
وتتأسس فكرة اضمحلال البروتون وتفككه على ما اذا كان بامكان ان يقترض احد الكواركات في البروتون طاقة كافية طبقاً لمبدأ عدم اليقين الكمومي للفراغ التراوحي، فيصنع بذلك جسيماً افتراضياً (x)، فيتبادله مع كوارك اخر مجاور، ومن ثم يتحول احدهما الى الكترون (بوزيترون). اما الكواركان المتبقيان فسيصنعان جسيم البيون، وهكذا يتحلل البروتون. وباعتبار ان جسيم (x) ثقيل جداً فستكون فترة حياته ضئيلة جداً لدرجة انه بالكاد يتمكن من الانتقال الى الكوارك المجاور فيما لو كان على مسافة قصيرة للغاية قدرها (10-29 سم). وتعتبر هذه المسافة اصغر من قطر البروتون بحوالي (10 30) مرة، لذلك كان هذا التقارب نادراً للغاية. وبالتالي فانه يمكن حساب جريان هذه العملية كمرة واحدة كل (10 10 سنة)، او مرة كل (10 32) طبقاً للنظرية المفضلة. وحيث ان عمر الكون هو (10 10 سنة)، لذلك اتصفت البروتونات بالاستقرار دون ان يظهر فيها علائم التغير والتحول. مع ذلك فمن الممكن توقع احتمال انحلال البروتون الواحد خلال عام واحد بقيمة قدرها (10-30). وقد تم تصميم بعض التجارب لملاحظة هذا الانحلال لاشهر وسنوات. فهناك الف طن من المياه تحتوي على (10 33 بروتون)، لكن لم يلاحظ لحد الان اي اثر للانحلال، ولم يُرصد البوزون المشار اليه عندما تم فحصه في المختبرات. فاستبعد على ذلك نموذج تلك النظرية.
ومعلوم ان هناك بعض البدائل المقترحة ضمن نظريات التوحيد العظمى، منها ما يُعرف بنظرية التناظر الفائق او السمترية الفائقة (سوسي susy). فبعض السمتريات السابقة يتغير فيها احد انواع البوزونات الى نوع اخر من البوزونات. لكن في منتصف السبعينات طرح جوليان وايس في المانيا وبرونو زومينو في كاليفورنيا اقتراحاً بان الفرميونات والبوزونات قد تكون على علاقة احدهما بالاخر بواسطة نوع اخر من عملية سمترية هي السمترية الفائقة التي تستطيع ان تحول الفرميونات الى بوزونات وبالعكس. لكن لا نستطيع ان نحول اي فرميون قديم الى بوزون قديم، كل نوع من احد الجسيمات يجب ان يقرن بالنوع الخاص به من شركاء السمترية الفائقة. وبالتالي يتم ادراج جميع الجسيمات ضمن تناظر فائق عبر بعض الحيل الرياضية التي تحول البوزونات الى فرميونات وبالعكس، كمحاولة لتلافي ما بينهما من فروقات كبيرة، فالفرميونات مثلاً تخضع لمبدأ باولي في الاستبعاد، فيما لا تخضع له البوزونات. وبالتالي فهما مختلفان كلياً. ومن وجهة نظر اصحاب نظرية التناظر الفائق انه يمكن ان يتماثلا بأنْ يكون هناك توأم بوزوني لكل فرميون، وكذا العكس، مثل ان يكون للالكترون توأم يدعى سيليكترون، وهو مفترض ضمن البوزونات ذات اللف الصفري، وكل نوع من الكوارك له نظير بوزوني سمي (س – كوارك). كما ان للفوتون نظيراً فرميونياً سمي (فوتينو). وهكذا مع البقية.. بيْد انه لم يُعثر – لحد الان - على مثل هذا التناظر في اي جسيم. فمن وجهة نظر الفيزيائيين النظريين انه عندما وصل الكون الى حالة من التبرد بعد الانفجار العظيم تم كسر التناظر المشار اليه، حيث انتجت الجسيمات المتناظرة المشار اليها كتلاً ثقيلة جداً، لكنها مكثت في الظلام خلال فترة التبرد الكوني، لذلك لم يتم الكشف عنها. وقد وصف الفيزيائي جون جريبين هذه الفرضية بانها نتاج تحريك عصا الرياضيات السحرية لادخال هذا النوع من كسر التناظر.
***
وبغض النظر عن المحاولات الفاشلة لتوحيد القوى والجسيمات، وبعيداً عن التناظرات والتوائم المفترضة بين الفرميونات والبوزونات، يمكن دراسة الحال بالشكل النظري وفقاً لنظرية الانكماش والفضاء المفتوح، فبحسب الرصد والتجارب ثبت بان بعضها يتحول الى البعض الاخر، على الاقل في بعض المجالات، مثل تحول الفوتون كطاقة الى الكترون وبوزيترون كمادة وبالعكس، رغم ان بين الفرميونات والبوزونات فوارق هامة، فالاولى تخضع لقانون الحفظ دون الاخيرة، اذ لا يمكن زيادة العدد الكلي للاكترونات مثلاً في الكون لدى التفاعلات الداخلية بين الجسيمات، حيث عددها ثابت منذ الانفجار العظيم. اما البوزونات فتتدفق كالنهر الخالد وباعداد ضخمة بلا حدود كما يلاحظ لدى فوتونات الضوء السيالة من اي مصباح.
وبناءاً على هذه التحولات وعلى فكرة ان البسيط هو اساس وجود المركب، يمكن تصور كيف جرى الحال بداية التشكل الكوني، فما نحتاج اليه هو البحث عن الشيء البسيط الذي يتوقف عليه صنع المركب. وسبق ان عرفنا ان هذا الشيء يحمل اقل كتلة ممكنة، كما يتمثل بالفوتونات التي تحمل أقل كتلة مقارنة بغيرها من الجسيمات. وهي من هذه الناحية يمكن ان تشكل اساس وجود البقية تبعاً للتحولات الفيزيائية القائمة على العلاقة بين الكتلة والطاقة. لذا من الممكن ان تتشكل منها مستويات متراتبة من الطبقات والنظم، شبيهاً بالخلية الحية عند مقارنتها بالكائن الحي المعقد كالحيوانات اللبونة مثلاً. ولعل اولى الطبقات النظامية الناشئة عنها هي تلك المتمثلة بالنيوترينوات والالكترونات ومضاداتها، اذ تتخلق هذه الجسيمات من خلال تصادم الفوتونات بعضها بالبعض الاخر. كما ان للفوتونات علاقة بالكواركات، فعند تصادم الاخيرة مع مضاداتها فانها يمكن ان تنتج فوتونات، وهذه بدورها تولد زوجاً من الجسيمات المتضادة. كذلك تبين انه عند تصادم الالكترونات بالبوزيترونات فانها تنتج جسيمات القوة النووية الضعيفة (Z)، ويُعتقد ان هذه بدورها تولد الكواركات ومضاداتها عند الطاقات العالية. يضاف الى ان الكواركات العالية الطاقة يمكنها ان تنتج سيلاً من نفثات الگليونات، كالذي تم انتاجه خلال مصادم الهايدرونات الكبير عام (1991).
كذلك رغم عدم وجود الالكترون داخل النواة او ضمن النترون؛ فانه عندما يتحول الاخير الى بروتون فانه يطلق الكترون ومضاد النيوترينو، ويسمى هذا التحول بانحلال بيتا الذي سوف يتغير فيه الكوارك السفلي الى كوارك علوي ويطلق جسيم (w-) وهو بدوره يتحول الى الكترون ومضاد النيترينو.
وما يتبين هو ان هناك علاقات تحولية بين جملة من الجسيمات، كالحال الحاصل بين الفرميونات والبوزونات، وهو ما يقرب فكرة التوحيد فيما بينها، فهي ليست مستقلة عن بعضها البعض طالما ان بعضها يتقبل التحول الى الاخر.
هكذا انه بفعل هذه التراكبات للطبقات والنظم تتشكل قوى الطبيعة الاساسية وفقاً لنظرية الانكماش الكوني. فالقوة النووية الشديدة مثلاً لم تكن موجودة اذا ما افترضنا انه يمكن رد الكواركات الى جسيمات اصغر، حتى ننتهي الى طاقة الفوتونات او ما شاكلها. وتعتبر هذه الفكرة مخالفة للتصور الفيزيائي الحديث الذي يبحث عن اتحاد للقوى الاربعة، بل ويفترض ان هذا الاتحاد كان سابقاً زمنياً على ظاهرة الانفصال التي نشهدها لهذه القوى، والتي تمت خلال جزء ضئيل جداً من الثانية منذ لحظة الانفجار العظيم.
وطبقاً لهذا التفكير يمكننا ان نطرح السؤال التالي: هل من الممكن لاشياء متماثلة كالفوتونات المجردة فقط ان تكوّن لنا كوناً، وذلك وفقاً لتصوراتنا عن نظرية الانكماش واطروحة الفضاء اللامتناهي؟ ام لا بد من وجود شيئين مختلفين على الاقل لتكوين هذا الكون؟ فهل يسع الكون ان ينشأ عبر وحدة مادية منفردة من دون حاجة الى ان يضاف اليها ما هو مختلف عنها، ام لا بد من الاختلاف؟ فالمادة المعروفة مؤلفة من شيئين مختلفين، هما كما عرفنا اللبتونات والباريونات، وفي الاساس الالكترونات والكواركات. لكن من جانب اخر يمكن للفوتونات، وهي من حاملات الطاقة او البوزونات، ان تنتج الالكترونات التي هي جسيمات مادية تصنف ضمن الفرميونات. كما ان للفوتونات علاقة بالكواركات كما عرفنا. لذا لِمَ لا يكون اصل الكون مؤلفاً من الطاقة كما تتمثل بالفوتونات، وان كل ما له كتلة وشحنة قد تولد من شيء عديم الكتلة (السكونية) والشحنة، ومثل ذلك فيما يخص الاختلاف في اللف المغزلي، وكذا الاستبعاد الخاص بالفرميونات؟..
لكن ذلك قد يعود بنا الى سؤال اعمق، وهو انه اذا كان للفوتونات هذه القدرة على توليد المختلفات لِمَ لا نفترض بان لها اصولاً مختلفة دون ان تكون اساسية من غير بنى؟ اذ في هذه الحالة يمكننا تفسير الاختلاف الجاري في الجسيمات وفقاً للتعددية او الاختلاف في الاصول كالذي يفترضه الفلاسفة القدماء طبقاً لقاعدة (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) استناداً الى اصلهم المولد المتمثل بالسنخية؟.
من وجهة نظرنا انه لا يشترط ان نفسر الاختلاف وفقاً لاختلاف الاصول والبنى التحتية، بل يكفي تفسير ذلك من خلال الاستناد الى اصل واحد مع تباين الظروف، ومن بين هذه الظروف: تباين السرعة والتردد والتكديس والتهندس والإختفاء والكمون وسط البساط الموجي الذي لا يعني شيئاً دونها. وهو حال أشبه بعلاقة المداد بالحروف، والبحر بأمواجه، كالذي يؤكد عليه العرفاء. وتشهد على ذلك ظاهرة ماندلبورت (Mandelbrot)، او ظاهرة التكرار المتغير في الطبيعة (هندسة الفراكتال Fractal geometry). وبالتالي فكل شيء مهما كان صغيراً سيصبح متضمناً للكون كله، وان هذا الاخير لا يملك سوى تكرار ذلك الشيء البسيط..

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا