الانتروبيا والنظام الكوني

يحيى محمد
2018 / 5 / 22

للقانون الثاني للداينميكا الحرارية (2nd law of thermodynamics) تعابير وصيغ مختلفة ظهرت منذ وقت اكتشافه وحتى الان. فقد صيغ لأول مرة من قبل المهندس الفرنسي سادي كارنو (عام 1829). واستمرت صياغته باشكال مختلفة كتعبير عن مداليله الخاصة، مثل تلك التي قام بها الفيزيائي الالماني كلاوزيوس Clausius واللورد كلفن وبوانكاريه. وكان كلاوزيوس قد انشأ صياغة هذا القانون على لاعكوسية سريان الحرارة التلقائي من الجسم الحار الى البارد، فنصَّ على القانون بما مفاده ان من المستحيل ان تسري الحرارة من الجسم البارد الى الحار بطريقة تلقائية من دون مؤثر خارجي. اما اللورد كلفن فقد ركز على هذا القانون بتعبير اخر يتعلق بتحول الحرارة الى شغل او عمل، وكان مفاده هو انه لا يمكن الحصول على شغل من دون سريان الحرارة، ولا يمكن ان تسري هذه الاخيرة الا اذا وجد اختلاف في درجتها.
وقد اعتبرت الصياغتان لكلاوزيوس وكلفن متكافئتين. مع هذا فقد اكتشف كلاوزيوس - أخيراً - كمية فيزيائية قابلة للقياس يمكن ان تتغير في اتجاه واحد فحسب، وسماها انتروبيا المنظومة (entropy system)، وهي عبارة عن درجة العشوائية في النظم الفيزيقية. واصبحت اليوم افضل وايسر وسيلة للتعبير عن هذا القانون.
كما كشف كلاوزيوس عن كيفية قياس تغير الانتروبيا عندما تحدث السيرورة، فاصبحت اعم من صيغة القانون الثاني كما يلي:
لا يمكن لمنظومة معزولة – عن اي نظام آخر - ان تتناقص انتروبيتها ابداً عند وصولها الى حد التوازن الحراري، اي عندما تكون درجة حرارتها واحدة في جميع اجزائها.
فالقانون الثاني يشير الى ان التغير يمكن ان يستمر في المنظومة المعزولة. فثمة شرطان يفرضهما ذلك القانون على هذه المنظومة، هما: ان لا تتغير طاقتها الكلية ابداً، وان تزداد انتروبيتها الكلية دائماً . وليس من الممكن حصول العكس ما لم يكن هناك جهد مبذول. وعليه تم استنتاج انه لا يمكن بناء أي آلة تعمل بحركة أبدية. فاتجاه التغيير فيها يكون غير معكوس، ومن ثم تحصل الفوضى وتزداد العشوائية والانتروبيا. وان الطاقة تتوزع بشكل متساو بمرور الزمن فتتوقف عند الفوضى والعشوائية التامة. ويعبر عن ذلك بالموت الحراري للكون (heat death of the universe)، حيث تتساوى درجة الحرارة لدى جميع الاجسام فلا يحصل فيها انتقال.
تلك هي الانتروبيا والقانون الثاني للثرموداينميك، وقد مرت على الاخير فترة اصبح فيها من المسلمات التي تُرفض على اساسه كل نظرية او تجربة مخالفة له من دون نقاش. حتى ان الفلكي البريطاني ادنجتون قال مرة (عام 1928): انني بهذا لا اقضي بعدم صحة القانون الثاني، ولكن اقول بانه لا يسري على النظم غير المستقرة حين يكون للجاذبية دور فعال .
واصبح من الثابت ان هناك تمايزاً بين النظم المغلقة والمفتوحة (Closed and open systems)، ففي النظم المغلقة لا يمكن للانتروبيا ان تقل خلافاً للمفتوحة التي تقل فيها الانتروبيا على حساب زيادة العشوائية في نظام اخر . ويمثل عليهما بالمقارنة بين اشكال الحياة والماكنة البخارية. فاشكال الحياة هي نظم مفتوحة على عكس الماكنة البخارية التي تمتلك نظاماً مغلقاً، فلا شيء جديد يدخل او يخرج في النظام المغلق، وقد تم استنتاج استحالة وجود محركات ذات حركة دائمة، او لا يمكن للماكنة ان تعمل بكفاءة تبلغ (100%)، فلا بد من ضياع الحرارة شيئاً فشيئاً، وهي ظاهرة نتلمسها كل يوم عند احساسنا بحرارة اللابتوب او التلفاز وغير ذلك من الأجهزة. في حين تتصف النظم المفتوحة بعدم التوازن . وتمتاز بحالتين متعاكستين للانتروبيا، حيث تزداد في مكان وتنخفض في مكان اخر. فخلق نظام في مكان ما يقتضي تصدير الانتروبيا الى مكان اخر ، كالذي نشهده في عالم الاحياء ومنه عالمنا البشري، حيث تنخفض الانتروبيا مع ازدياد شدة التنظيم المعقد، لكن لهذا ثمن يُدفع بتصريف الانتروبيا نحو الخارج، وهو عبارة عن تصريف الطاقة بعيداً.
يبقى ان كل ذلك مشروط بوجود نظم سابقة، سواء كانت مغلقة او مفتوحة، اي انها في الاساس تنطوي على القليل من الانتروبيا، ثم تزداد مع الزمن وفق القانون الثاني للثرموداينميك. في حين يختلف الحال عند افتراض أُطر مرجعية (reference frames) ذات انتروبيا عالية كما سنرى..
هكذا ان ما يجري في الكون كمجمل عام هو لصالح تعاظم الانتروبيا، حيث تزداد في كل مكان وناحية بما في ذلك النظم المعقدة التركيب. ويضرب البعض مثلاً، وهو انه لو كان لدينا وعاء فيه نوعان من الذرات الحرة، فاذا ما تكونت جزيئة من هاتين الذرتين فان ذلك سيزيد من الانتروبيا؛ لان العملية تفضي الى ان تنطلق طاقة نحو الخارج، ومن ثم تضاف انتروبيا هذه الطاقة الى مادة الوعاء كلها. وبهذا تزداد توافقاً مع القانون الثاني للثرموداينميك . وبالتالي لا تناقض بين هذا القانون وما يحصل لدى النظم المفتوحة المعقدة كما في الكائنات الحية. فكل زيادة للنظام في مكان ما له ثمن يدفعه في مكان اخر بزيادة الفوضى فيه. وتمتاز النظم الحية بانفتاحها على محيطها، فهي غير معزولة، والثمن الذي تدفعه هو الاضطراب في الخارج. وتبقى ان الكمية الكلية للاضطراب في النظام لا تنخفض ابداً. واذا كان النظام معزولاً عن محيطه فان اي تغيير يحدث سوف يرفع الاضطراب او الانتروبيا الى ان يصل درجة لا يحدث بعدها المزيد، حيث يكون النظام قد وصل الى حالة توازن الديناميكا الحرارية .
ومن الناحية الرياضية فان تغير الانتروبيا يساوي حاصل قسمة كمية الحرارة المكتسبة او المفقودة على درجة حرارتها المطلقة عند حدوث الكسب او الفقدان .
كيف تشكَّلَ النظام الكوني؟
من الناحية الفيزيائية ان اختلاف مستويات الطاقة بحسب القانون الثاني للثرموداينميك يتيح ان يكون هناك قابلية على تكوين الهياكل المنظمة. فانسياب الطاقة من المستوى العالي الى الواطئ هو سر حدوث الانتظام في الكون، ومنه سر تكون الحياة وسائر النظم المعقدة التي تنخفض فيها الانتروبيا. فثمة علاقة بين الاخيرة وكمية الحرارة او الطاقة، ففقدان الحرارة يؤدي الى نقصان الانتروبيا ومن ثم تكوين الهياكل المنظمة. اما كسب الحرارة فيؤدي الى ارتفاعها، اذ تنتشر الفوضى بفعل الحركة العشوائية.
فهذا هو المبدأ الاساس في الثرموداينميك كما فهمه الفيزيائيون.
والحقيقة هي ان الحرارة سيف ذو حدين، فهي من جانب تعتبر مؤشراً على الفوضى عندما تنتشر في الفضاء وعند الاخذ بالمجمل الكلي بعين الاعتبار. لكنها من جانب اخر تفضي الى تكوين الهياكل المنظمة، فمن دونها لا يمكن ان تتحقق الاخيرة. ويبقى تحديدها معتمداً على كمية هذه الحرارة، فبعض هذه الهياكل تحتاج الى حرارة وطاقة مكتسبة كبيرة، فيما لا تحتاج هياكل اخرى الى مثل هذه الكميات الضخمة.
وعليه، مثلما يمكن لانخفاض الحرارة ان تتسبب في تكوين الهياكل المنظمة واقلال الانتروبيا نسبياً، كما يحصل في حالة انجماد الماء، فكذا يمكن تحقيق هذه النتيجة – في حالات اخرى - عند ارتفاع درجة الحرارة، كالذي يحدث في التفاعلات الكيميائية، اذ ان معدل سرعة التفاعل الكيميائي عادة ما يتناسب طردياً مع ارتفاع درجة الحرارة، وفقاً لمعادلة فانت هوف (Van t Hoff equation). لذا فارتفاع الحرارة من هذه الناحية لا يعتبر مؤشراً على زيادة الانتروبيا والفوضى. لذلك اعتبرنا تأثير الحرارة نسبياً. بل ان القانون الثاني في حد ذاته يعتبر نسبياً ايضاً، اذ انتقال الحرارة من الدرجات العالية الى الواطئة لا يفضي دائماً الى صنع التنظيم، اذ في حالات معينة قد يفضي الى نشوء الفوضى وازدياد الانتروبيا. فانخفاض الحرارة الى درجة الانجماد – مثلاً - يعمل على تدمير انسجة الكائنات الحية ويعطل نظمها الوظائفية. مع ذلك فالمجمل الكلي يميل الى احلال الفوضى، اذ حتى في حالة صنع الهياكل المنظمة فان هناك ثمناً يُدفع نحو الخارج بسبب تسرب الحرارة الضائعة التي لا يستفاد منها في تكوين هذه الهياكل، فتكون مصدراً للعشوائية والاضطراب.
وطبقاً لهذه الحقيقة يمكن ان نتصور ما عليه نشأة الكون بحسب افتراضين مختلفين، احدهما وفق نظرية الانفجار العظيم، والاخر وفق نظرية الانكماش الكوني. فبحسب النظرية الاولى يفترض الفيزيائيون ان الكون كان مغلقاً وفي اقصى حالات طاقته المحبوسة، وكانت العشوائية التي تملأ هذه الطاقة الضخمة في اوجها. وبالتالي برز السؤال المحرج: كيف أمكن للنظام الدقيق ان يتكون من هذه العشوائية الرهيبة تلقائياً؟
ففي كتاب (SYNC: العلم الناشئ عن النظام التلقائي) الذي صدر مؤخراً عام 2003 ، أثار مؤلفه ستيفن ستروغاتز Steven Strogatz مشكلة مستعصية حول وجود النظام التلقائي في الكون، وهو ما حيّر العلماء؛ لأن قوانين الديناميكا الحرارية تقرر عكس ذلك. اذ من المفترض أن يمر الكون بحالة قصوى من الاضطراب والتدهور باتجاه العشوائية والفوضى التامة. في حين نجد في كل ناحية من حولنا بنىً كاملة ورائعة؛ كالمجرات والنظم الإيكولوجية والأحياء والكائنات البشرية .
وبلا شك ما زالت هذه القضية تعتبر معضلة لدى التفكير الفيزيائي. فبحسب القانون الثاني للثرموداينميك ان التحول يتدرج من النظام الى العشوائية من دون عكس، ما لم تكن هناك مؤثرات خارجية، او ان يكون النظام مفتوحاً وليس مغلقاً، فيما ان الاطروحة السائدة تبدي ان الكون كان مغلقاً، حيث لم تتحرر الجاذبية بعد ولا بقية القوى الاخرى ، ولم يكن الفضاء حادثاً، فكل ذلك يجعل من وجود الانفجار مبنياً على العشوائية الصرفة ضمن الأُطر المعزولة، فيما ان النظريات الفيزيائية تعترف بضرورة ان يكون النظام الدقيق قد تشكل منذ البداية دفعة واحدة وبمنتهى الروعة، ولولا ذلك لما تخلّقت المجرات ولا الحياة. ولم تفسر لحد الان كيف تشكّلَ هذا النظام من طاقة رهيبة تتضمن ابلغ درجات العشوائية والانتروبيا؟ وبحسب التفسير المنطقي فانه ينبغي ان تزداد الانتروبيا عندما تتحرر الجزيئات او الطاقة عما كانت محبوسة، فعند تحررها تزداد العشوائية اكثر فاكثر دون امكان عودتها من جديد. فالحال اشبه بجزيئات الغاز التي تتحرك بشكل عشوائي فتؤدي الى ازدياد الانتروبيا مع مرور الزمن باضطراد. وبالتالي يبدو من المستحيل تقريباً ان تتحرك الجزيئات والجسيمات تلقائياً من الفوضى الى النظام. وبحسب تعبير بعض الفيزيائيين ان هناك اتجاهاً واحداً للزمن يميز بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهو مألوف لدينا حيث الاشياء يصيبها القِدم والمعادن تتصدأ والناس تشيخ الخ .. وليس العكس. فالسير بحسب القانون الثاني يكون من النظام الى العشوائية، حيث تزداد الانتروبيا، وعلى المدى البعيد فان هذه الاخيرة ستربح دائماً. وان أي هدم لنظام معين يندّ عن ان يسترجع النظام الذي فقده.. فالقانون الثاني للديناميكا الحرارية يمنع اعادة الكون كما كان، وهو ما يعبر عنه باللاعكوسية (irreversible)، حيث تحول النظام الى فوضى او تعادل الحرارة .
هكذا لو اننا اعتمدنا على بيانات نظرية الانفجار العظيم لكانت النتيجة تعني ان ما حدث كان على خلاف ما ينص عليه القانون الثاني لدى النظم المغلقة. فقد شهد انخفاضاً في الانتروبيا منذ البداية بدل تصاعدها، فيما يتطلّب القانون الانف الذكر نقص النظام مع الزمن وارتفاع الانتروبيا، وهو الامر المعقول في تحول النظام الى العشوائية لا العكس.
وسبق للرياضي روجر بنروز ان اشار الى هذه المعضلة، دون ان يقتنع بنظرية التضخم الكوني. فقد افترض الفيزيائيون وفق هذه النظرية ان النظام قد تشكّل استناداً الى التوسع خلال الاطوار المبكرة جداً للكون. لكن برأي بنروز انه اذا كانت البداية هي الفوضى العارمة والعشوائية فانه سيظل الوضع فوضى بالكامل، بل تزداد كلما زاد الاتساع وفقاً للانتروبيا والقانون الثاني للثرموداينميك. وبالتالي فانها لا تفسر لنا سبب النظام الدقيق للكون عند توسعه. فهذه هي الثغرة كما رآها هذا الرياضي البريطاني ، واستنتج بانه بحسب الانتروبيا ينبغي ان يكون الكون قد بدأ بنظام أدقّ ما يكون، ومع الوقت اخذ يتناقص هذا النظام وفقاً لها، اي انه بدأ بقصور حراري ضئيل للغاية . وبلا شك ان هذه الفكرة تخالف نظرية التطور الكوني والدارويني.
ولعلاج هذا التناقض احتمل البعض بان الحل جاء من (سمات الجاذبية الخاصة). فمن المستحيل فيزيائياً عزل اي شيء عن الجاذبية، فيما ان القانون الثاني ينطبق على النظم المنعزلة او المغلقة . كما رأى بعض اخر أن باستطاعة التوسع الكوني ان يخلق نظاماً لم يكن موجوداً من قبل. اذ كان الكون حاراً جداً، ثم بتوسعه اخذ الكون بالابتراد، وهذا الاختلاف الحراري هو مصدر نموذجي للطاقة المفيدة. فمثلاً من خلال الابتراد والتوسع تكونت نواة الهايدروجين ومن بعدها العناصر الخفيفة ثم الثقيلة .
وعلى العموم لجأ الكثير من الفيزيائيين الى اعتبار الكون لم يكن مغلقاً تمام الاغلاق، الامر الذي أتاح الفرصة لحلول النظام بدل الفوضى العارمة. مع ان مقالاتهم تؤكد بان الكون كان مغلقاً على الاقل قبل ان يتولد الفضاء، وان هناك معجزة نظامية حدثت بفعل التوسع مباشرة، كما تتعلق بقيمة اوميگا.
فبحسب نموذج التضخم (Inflation model) المعول عليه حالياً هناك دقة في الكثافة الحرجة، وهي المقدار المتعلق بسرعة الانتفاخ والتمدد، حيث لا بد ان تكون هذه السرعة بين حدين دقيقين للغاية، طاوية خلفها مراحل كثيرة دفعة واحدة؛ بلا مجال للعشوائية والانحراف، احدهما لصالح الكون المغلق، والاخر لصالح الكون المنفرج المفتوح، وهو الحد المعبر عنه بقيمة اوميگا، حيث تم ضبطها بدقة ضمن اللحظات الاولى من عمر الكون، منذ زمن بلانك وحتى الثانية الاولى، فقيمتها عند هذا الزمن تساوي جزءاً من (1060). وتعتبر هذه الدقة العظيمة مذهلة بما يفوق التصور والخيال .
فعدد ذرات الكون كله هو اقل من هذا الرقم المذهل. ولو اردنا ان نكشف عن حجم الاعجاز الحاصل في هذه اللحظة الحاسمة؛ فلنعلم ان عدد ذرات الكون كله تقدّر بأقل من هذا الرقم الخيالي. وكتشبيه لحال الاعجاز، لو كانت السرعات الممكنة للكون بعدد ذرات الكون، وان كل ذرة مرقمة برقم محدد، بحيث يبلغ مجموع الارقام ذلك العدد المذهل، فان على الكون ان يتخذ سرعة واحدة من هذا المجموع الضخم، وهذه السرعة هي بمثابة ذرة مخصوصة غير قابلة للتعيين وسط القدر الهائل من الذرات. لذلك لو اننا أطلقنا رصاصة من مسدس جسيمي نحو واحدة ما من هذه الذرات، لكانت قيمة احتمال ان تكون الذرة المستهدفة هي المطلوبة تساوي واحداً من مجموع ذرات الكون كله. وهو امر في غاية الاستحالة. وكذا هو حال ما تمّ افتراضه من سرعة اعجازية مذهلة أدّت بالكون الى ان يمرّ بين حافتي التمزق والانسحاق العظيمين بسلام.
هذا فيما لو افترضنا نظرية الانفجار العظيم، أما لو التزمنا باطروحة الفضاء اللامتناهي فسيتحقق الانفتاح التام، ومن ثم القابيلة على التأثير الخارجي وبعد ذلك صنع النظام عبر التفاعل المستمر بين الجسيمات الاولية ذات الحركة الدائبة.
لكن مع كل ما سبق ينبغي تحليل حالة الأُطر المغلقة والمفتوحة. فما ينص عليه القانون الثاني هو افتراض ان يكون هناك نظام سابق، ولا ينطبق على الأُطر التي تفتقر الى هذا النظام سلفاً، سواء كان مغلقاً او مفتوحاً. فليس كل اطار مغلق يفضي الى العشوائية والانتروبيا، كما ليس كل اطار مفتوح يفضي الى التنظيم. فهناك نسبية تعتمد فيها على طبيعة الاشياء التي تتعرض الى العشوائية او النظام.
بمعنى ان من الصحيح تماماً ان يخضع النظام المغلق لمبدأ الانتروبيا وارتفاع العشوائية باضطراد مع الزمن، دون ان يتحول تلقائياً الى النظام او مزيد منه. كما من الصحيح ايضاً ان النظام المفتوح قد يتعرض الى ما يساعد على بقائه او زيادة التنظيم، وان كان ذلك ليس بالضرورة دائماً، والا لما شهدنا تعرّض الكائنات الحية الى الفناء رغم انها تعيش ضمن النظام المفتوح.
أما لو افترضنا انه لا يوجد نظام سابق لدى الأُطر المغلقة والمفتوحة، بمعنى ان هناك عشوائية سائدة، ففي هذه الحالة قد تحصل احياناً حالات من التنظيم بشكل اعظم لدى الأُطر المغلقة مقارنة بالمفتوحة، وابرز مثال عليها هو فيما لو عزلنا كمية من الذرات ضمن صندوق مغلق، فمن المتوقع ان تحصل حالات من التجمع الجزيئي داخل الحركة العشوائية للذرات، وهي حالة من التنظيم البسيط مقارنة بالذرات المفردة. في حين لو ان هذه الكمية من الذرات قد تسربت الى الفضاء الخارجي المفتوح فقد تتباعد وتتناثر دون ان تشكّل نظاماً مهما كان بسيطاً. لذلك يحرص اصحاب التجارب العلمية على عزل الظواهر الطبيعية - نسبياً - لاكتشاف ما تسفر عنه من هياكل منظمة من دون عوائق المؤثرات الخارجية التي قد تعمل على افساد النظام واضطرابه، كما في المختبرات الكيميائية وغيرها.

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا