مأثرة الحزب الشيوعي العراقي

حمودي عبد محسن
2018 / 3 / 26

مأثرة الحزب الشيوعي العراقي
تمر أربعة وثمانون عاما على ذكرى ميلاد الحزب الشيوعي العراقي. الذكرى ليست كأسطورة صنعتها حكاية شعبية، ولا كتعويذة من تراث قديم أو حتى ترنيمة لاهوتية يرددها الأتقياء. أنها ذكرى من تاريخ عريق صنعها أبناء العراق في خضم الصعاب، وفي معترك لا يدخله إلا من وهب نفسه للوطن والناس الأبرياء. هذا نجده في التكوين لهذا الكيان، فكم روح زكية طيبة أفدت نفسها من ذكرى إلى ذكرى. هذه ذكرى الميلاد لا تنسى في معناها، وجدواها لأنها حدث في تاريخ العراق، إذ هناك تميز بين الأسطورة والتاريخ، فالتاريخ هو أحداث واقعة حقيقية في الماضي سواء الماضي القريب أو البعيد بينما الأسطورة هي تخيل من صنع الشعوب، وغالبا ما ترسخت من جيل إلى جيل، لتكون مترادفة، متوارثة تشير إلى طبيعة ثقافة هذا الشعب أو ذاك، ولذلك فذكرى الحزب الشيوعي كانت مأثرة، والتاريخ لا يصنعه الخيال، وليس كل من دخل الحزب الشيوعي كان من هذا التاريخ، ولا حتى من هذه المأثرة، وليس كل من كان في قيادته كان من الأكفاء أو حتى من رعيل التضحيات. هذا هو التاريخ الذي صنعه الرجال، وصنعته النساء في التحمل والمعاناة، ليكن من رموز الأتقياء في مثل قيمة سامية لا تفارق الفقراء. ذات مرة سألني باحث أوربي عن تاريخ الأنقياء، فقلت له: إذا كان في أفريقيا مانديلا واحد، ففي الحزب الشيوعي العراقي مئات مثله، مجهولون لا يعرفهم إلا أبناء الكادحين والمضطهدين.
حدق هذا الباحث في وجهي متعجبا، حائرا، وهو يكرر:
ـ صحيح.
ـ نعم، صحيح.
وعندما اشتغلت عاملا في معمل للألمنيوم في السويد بعد أن انتهيت من دراسة اللغة السويدية. كان العمال وصاحب الشركة يعرفون بأنني شيوعي. كانوا يستغربون لجهدي، وحرصي، وهم يسألوني:
ـ هكذا أنتم الشيوعيون تتفانوا في العمل.
كنت أقول متفاخرا، مبتهجا:
ـ نحن هكذا في الحزب الشيوعي العراقي.
كنت أعمل في بعض الأيام 12 ساعة في المعمل كي أسد رمق عيشي، وكي أعيش من عرق جبيني، أخرج من بيتي في الصباح المظلم، وأعود إليه في الليل المظلم. هكذا تعلمنا نحن أينما نكون أن نوفي بعهدنا لمثلنا، وقيمنا. وعندما انتهيت من العمل كان رب العمل يردد بصوت خافت:
ـ إذا أردت أن أشغل أحد في المعمل، فسأختار عراقي فقط.
نعم، أن مأثرة الحزب الشيوعي بطولية تضحوية، وطنية أممية، أخلاقية مثالية، نموذجية وجدانية. مأثرة صنعها أبطال من قادته كفهد وحازم وصارم في اعتلاء مشانق الموت، ومتحدون للطغاة والاستبداد كسلام عادل والحيدري والعبلي. هذه المأثرة توارثها أبناء لأبناء سواء في العمل السري الذي فيه سخرت بيوت الأنقياء لاختفاء المناضلين. هذا، وكان الصوت الحر الشيوعي يتقدم المظاهرات أو الانتفاضات أو في حركة الأنصار التي تجسدت فيها المثل والقيم النضالية في تاريخ عريق بمواجهة الدكتاتورية لأنها الحركة الوحيدة التي جمعت أبناء العراق في وحدة متآلفة من مختلف أطياف ومكونات المجتمع العراقي، لأن ذلك ارتبط بهوية الأنصار الثورية، وكان انتماءهم يتجسد في كونهم كانوا يدافعون عن مصالح الكادحين المحرومين لذلك رفعوا السلاح وقاوموا الدكتاتورية البشعة التي انغمرت في البطش وسفك الدماء. الأنصار الشيوعيين سكنوا الجبال والكهوف والمغارات متحملين برد الشتاء وقسوة الجبال بثلوجها، وكابدوا الجوع والعطش، وهم لا يحملون سوى (عليجتهم) على ظهورهم، وبندقيتهم على أكتافهم، إذ كانت قضيتهم عادلة، فقدموا التضحيات الكبيرة في سبيل مبادئهم النبيلة أي أن ذات النصير كانت مسخرة للتضحية من أجل الآخرين، لذلك كان النصير يمتلك قدرة وكفاءة نضالية في تحدي نظام الاستبداد، ودفع الكثير منهم حياته من أجل هذه القيم، وصنعوا ملاحم أسطورية في نضالهم من أجل الآخرين، إذ وهبوا حياتهم لخير الناس. هذا، ومن هذه التجربة التاريخية، استطاعوا أيضا أن يساهموا في الإعداد للمظاهرات والانتفاضة عام 1991 وكان لهم دورا بارزا في ذلك، فلم يكن يعرف النصير الشيوعي التخاذل، ولا يعرف الكذب، ولا يعرف الاحتيال، ولا الخداع، فهو وهب كل شيء من أجل قضيته العادلة. إذن هذا كان زمن المناضل الشيوعي الذي قاوم آلة الكره في سجون التعذيب، وماكنة الحرب التدميرية بإرادة طوعية، ليكون هو النموذج في المثال. هذه مأثرة أشبه بزاهد متصوف تاركا ملذات الحياة الدنيوية، ليصنع مأثرته في التاريخ.
وها أنا في عزلتي وغربتي أدخل شيخوختي بهدوء، مثابرا لأنجز ما أطمح إليه في الكتابة، وإذا بي أجد نفسي تراودها هذه المأثرة، فلم يبق أمامي إلا أن أردد مع نفسي:
ـ كم مأثرة سطرها الشيوعي العراقي في التاريخ؟!
واأسفاه، مآثر لم تقودنا إلى وطن حر وشعب سعيد، ولم تتوج بإرثها العادل النبيل رغم كونها ملحمية طويلة ذات امتداد عريق في وادي الرافدين الذي نقش فيه أول حرف للكتابة، و صيغت فيه أول ملحمة تغنت الشعوب بملكها جلجامش كما وارد في الملحمة.
ثم فيما بعد، رحت أكرر أشبه بتمتمة:
ـ ما جدوى إرث الشعوب دون مآثر!

حمودي عبد محسن
2018-03-26

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي