قراءة في -طقوس الإشارات والتحولات-*

نايف سلوم
2018 / 3 / 26

طقس كلمة يونانية الأصل تعني نظام خدمة دينية وعبادات، وتشير إلى النظام والترتيب في أداء الشعائر. أما التحولات وهي ترجمة للكلمة اللاتينية metamorphosis تعني الانمساخ ، التحول أو التغير الصارخ في المظهر أو الصفة أو الظروف. وقد ترجم ثروت عكاشة ديوان أفيد "ميتامورفوسيس "عن اللاتينية تحت عنوان "مسخ الكائنات "أو التحولات ، بينما ترجمه أدونيس عن الفرنسية تحت عنوان "التحولات" . والانمساخ تعني انحطاط ونكوس الكائن ومنه البشري إلى دركات سفلى تقود إلى إفقاره وخوائه. والحول: التحرك في أدوار ، وحالت الدار أتى عليها الحول أي الزمن ، وحال الشخص: تحول عن حاله، وكل متحول عن حاله حول. (م2 / 121 ). أما الإشارة فهي هذا الثابت بنفس الصيغة من غير ان يسبق له الكلام ، هذا الملقى أمامنا والذي نشير إليه بهذا وتلك وهؤلاء ، أي بأسماء الإشارة. وتقول في حالة القهر والعجز: لاحول ولاقوة إلا بالله.
قال كاتب المسرحية سعد الله ونوس في ملاحظة لبداية النص: "في الجزء الأول من مذكراته أورد المجاهد فخري البارودي حكاية صغيرة روى فيها كيف استعرّ (احتدم) الخلاف بين مفتي الشام ونقيب الأشراف في أيام الوالي العثماني راشد ناشد باشا ، وكيف تجاوز المفتي الخلاف الشخصي ومدّ يد العون للنقيب حين أوقع به قائد الدرك آنذاك وقبض عليه وهو يقصف مع خليلة له . هذه الحكاية هي النواة التي بنيت عليها هذه المسرحية واستقيت منها معظم شخصياتها وإن افترقت عن البارودي في التأويل والمغزى.. ولعل من الضروري أن اشير إلى أن المكان ، وهو دمشق ، والزمان وهو النصف الثاني للقرن التاسع عشر ، ليسا إلا زماناً ومكاناً اصطلاحيين في هذه المسرحية، فلم يكن همي أن اقدم عملاً عن البيئة أو أن أقارب الحقائق الاجتماعية والتاريخية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويضيف أن علينا ان نقرأ الشخصيات بكل كثافتها وفرادتها وليس كرموز لمؤسسات تمثلها" (طقوس ، ص5-6 )
والقصة التي يذكرها ونوس كانت قد وردت في " أوراق و مذكرات فخري البارودي (1887-1966 م ) الجزء الأول (ص 131-134) من إعداد وتقديم دعد الحكيم ، مديرة مركز الوثائق التاريخية في وزارة الثقافة السورية ، حيث نشرت الوزارة الأوراق سنة 1999 في مجلدين. يكتب البارودي في أوراقه ومذكراته وتحت عنوان: "حكاية المفتي والنقيب: من هذه القصة نعرف مقدار تماسك الدمشقيين في ذلك الزمان ، أما اليوم (النصف الثاني من القرن العشرين) فما لي إلا ان أقول: لاحول ولاقوة إلا بالله .. ويضيف: حين خرج راشد ناشد باشا من الشام وخرج الناس لوداعه عند جسر "تورة" بكى فسأله احدهم لم تبكي يا افندينا ، أعلى فراق دمشق ! قال: لا ، ولكني بكيت لأني طوال مدة إقامتي فيها لم اقدر أن افرّق بين اثنين من أهلها" والسرد عند البارودي ساذج وبسيط ، حيث يشيد بالبنية الاجتماعية الخراجية الإسلامية ووحدتها واندماجها في ظل الحكم العثماني ؛ أي الباب العالي ووكلائه من الأعيان المحليين. بينما يظهر سرد ونوس كنسيج فاخر . وسر ذلك كامن في سراية الكناية والروح الكرنفاليّ على امتداد السرد.
قال فيليب خوري في كتاب "أعيان المدن والقومية العربية ، سياسة دمشق 1860-1920": "قبل العام 1860 م كان أعيان دمشق كلهم تقريباً من أبناء العائلات التي تسيطر على المواقع الدينية الأساسية في المدينة . وكانت هذه العائلات صاحبة المعرفة ، والتي ادّعى الكثير منها التحدّر من سلالة النبي محمد (الهاشميين) وكانت بالتالي تؤلف "ارستقراطية الدم" الوحيدة المعترف بها في الإسلام ، قد ظهرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، لتشكّل في عام 1860 قلب "أهل العِرض" الذين تبناهم أحمد الحسيبي . كان أفراد العائلات الدينية قد تنافسوا على مدى 150 سنة للحصول على أهم المناصب الدينية في دمشق وهي منصب "الخطيب" في المسجد الأموي ومنصب "المفتي الحنفي" ومنصب "نقيب الأشراف" . كانت القدرة على السيطرة على هذه المناصب وأوقافها تُحدّد موقع كل عائلة في التراتبية الاجتماعية للمدينة".. استمر رؤساء العائلات الدينية الأبرز في احتكار منصبي "المفتي الحنفي" و "نقيب الأشراف" على الرغم من أنه صار للمنصبين وزن سياسي أقل من السابق بعد العام 1860 م وبعد هذا العام لم ينل أي عالم دين دمشقي مقعداً منتخباً يشغله في مجلس الولاية (الولاية واللواء) بين العامين 1870-1900 م"
تقسم المسرحية إلى قسمين: الجزء الأول : المكائد (الإشارات) ، والجزء الثاني : المصائر (التحولات)
شخصيات المسرحية (27) بما فيها كورس البنات وكورس الأولاد وأحد المارّة. تكثر الحورات الثنائية لتشير إلى المسارّة أو كشف السر بين اثنين أو البوح للآخر بالاشتياق وهو انجذاب باطن المحب إلى المحبوب حال الوصال لنيل زيادة اللذة أو دوامها.(كتاب التعريفات)
المكائد من كيد: معالجة الشيء بشدة ، والكيد المعالجة ، يكيد بنفسه : يجود بها ، كأنه يُعالجها لتخرج (م5/149 ) "إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيدا" [الطارق: 16] وهو من كيد التاريخ.
اختار الكاتب اسم عبد الله حمزة لنقيب الأشراف وذلك ليشير أن الأشراف يدّعون أن نسبهم من الهاشميين والطالبيين (نسبة لهاشم والمطلب ولد عبد مناف بن قصي جدود النبي محمد وعمّه حمزة بن عبد المطلب)
وردة وهي تتهكم على قمباز الوجاهة أو السلطة موجهة الكلام لعبد الله نقيب الأشراف : الوجاهة خانقة يا عبودتي، إنه أليق وهو مقلوب.. ما هذا الخصر الوافر ، ما هذا الإبط العاطر(في إشارة إلى ترف أهل السلطة والجاه)
كانت العمامة الخضراء علامة لنقيب الشراف (كلهم عمايم خضر يا محلا طلّتهم. على قول سميرة توفيق)
وردة: أين العمامة الخضراء؟
عبد الله: إنها علامتي يا وردة
تركب وردة على ظهره وهي تضحك: الكزيني كي اشعر أنّك جسد لا غيمة . لكن، ما قصة الجسد والجسدية ؟! جاء في سورة (ص ): "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب" [34]. وجاء في رأس المال: فصل حول "الصنمية البضاعية وسرّها" أو سرّ جسد البضاعة(السلعة)[رأس المال م1] وما أن يحضر الجسد والجسدية حتى يحضر الشيطان إبليس، وتحضر الفتنة، فتنة الجسد والجسدية. ويحضر الكيد: "إن كيد الشيطان كان ضعيفا" [النساء : 76 ] وأما أنتم أيّها النساء ف"إن كيدكنَّ عظيم"[يوسف: 28 ] قال يوسف: "وإلا تصرف عني كيدهن أصبو إليهنّ وأكن من الجاهلين" [يوسف: 23 ]
خلاف ينشب بين عزت بيك مدير الأمن العام او قائد الدرك وهي أعلى رتبة في الجندرمة العثمانية ويسمى قائد الدرك بالتركية (آلاي بِكي) من جهة وبين نقيب الأشراف عبد الله حمزة . وقد وصلت وشاية إخبارية إلى عزت بيك بوجود عبد الله وخليلته وردة وهما يقصفان في أحد بساتين النقيب، ويبدو أن الوشاية سربها المفتي الحنفي قاسم لعداوة بينهما ، وهي مكيدة دبرها المفتي للإيقاع بالنقيب والإساءة إلى سمعته بما يوصل إلى عزله من منصبه. وهذا يظهر سذاجة السردية التي قدمها فخري البارودي في تأويله لحكاية المفتي والنقيب، حين يقول: "من هذه القصة نعرف مقدار تماسك الدمشقيين في ذلك الزمان" (أوراق) ونعرف مقدار المكائد التي كان يحيكها المفتي تجاه المناصب الأخرى. ولهذا السبب قال ونوس "إنّي افترقت عن البارودي في التأويل والمغزى"
في رد عزت على اعتراض النقيب على اقتحام ممتلكاته من دون أذن رسمي قال: الحكومة لا تحتاج إلى إذن ودستور ، ونحن نقول أن الحكومة تخصيصاً بحاجة إلى إذن ودستور، حين يتعلق الأمر باقتحام بيوت المواطنين وأراضيهم.
عبد الله: أعرف أن هذا بتدبير من المفتي، وهو يوجه كلامه لعزّت بيك: إنك تضع يدك في نار تحرقك. هذا الخطأ يدمرك أكثر مني . وهذه واحدة من الإشارات إلى ما هو قادم من الأيام.
الخادم: يا حيف ؛ دالت دولة النقيب: قادة الدرك يركبون خيولاً وعبد الله وسطهم على ظهر البغلة مقيداً ووراءه وردة بثياب نقيب الأشراف .
في إشارة إلى مكر المفتي الحنفي محمد قاسم المرادي ، وفي سبيل توجيه الضربة الثانية لقائد الدرك عزّت ، قال المفتي رداً على مُخبرَيه بالواقعة الفضيحة: قطع الله لسانك ولسانه ، أهذا خبر سار، أيسرّكم أن تهين مرتزقة الدرك أشرافكم ، أن يُمرَّغ الأسياد والأكابر بالوحل. المفتي يضرب عصفورين بحجر ، فهو من جهة يحاول تأليب الجمهور على قائد الدرك، ومن جهة أخرى يريد تكريس سلطة وهيبة الأعيان والأكابر عند عامة الناس.
المفتي: إن عدونا الآن ، عدوي وعدو الأشراف ، وعدوكم أيضاً هم هؤلاء الذين يحاولون الحطّ من أكابركم وإهانة أشرافكم . إنهم يريدون أن ينكّسوا رؤوسنا وأن يجعلوا الصغار يتطاولون على الكبار والأوغاد على الأشراف . ثم يهاجم النقيب ضمناً بالقول: ما يفعله واحد في مقامه لا يسيء إلى نفسه فقط ، بل يسيء إلى المقام ذاته وإلى كل المقامات ."
المفتي موجهاً الكلام إلى زلمته عبدو: نبه عليهما (العفصة وعباس)وعلى جميع أنصارنا ألا يتجاوزوا الحدود ، وألا ينسوا أن للمراكز حرمتها. سوف يظهر لاحقاً كيف تمحى هذه الحدود وتذوب هي وحرمتها مع بداية تدهور وانحلال النظام الذي يقيمها.
المفتي لعزت بيك: لقد غاليت وتجاوزت في الصيد حدود المعقول ، لقد رميت الطفل مع ماء الغسيل ، وهذه كناية على أن مبالغة عزت في أذى النقيب أصابهم جميعاً هو نفسه والمفتي. وهذا إشارة إلى غلوّ واستهتار وليس إلى حرفة ونظافة.
عزت: ياللعجب ! بدلاً من الشكر أراك تنقلب عليَّ..
المفتي: لم أنقلب عليك ولا تظن أني أدافع عنه، المسألة هي أن النظام في هذه المدينة يرتكز على مراتب وتوازنات . ما يضبط كل شيء عدد من المناصب التي ينبغي أن تُحفظ حرمتها وتصان هيبتها. ونحن نرى استيعاب المفتي الممتاز لطبيعة النظام الذي يعمل ضمنه. يقول المفتي بما معناه: نعم، إن النقيب عدوّي ، ولكن نقابة الأشراف (الموقع الذي يشغله شخص النقيب داخل النظام) مرتبة تسند مرتبتي ، وهيبتها تعزّز هيبتي.
المفتي موجهاً كلامه لعزت: حين وضعت العمامة الخضراء على رأس قحبة أهنت الأشراف وأهنت عمامتي أنا المفتي الحنفي. والإفتاء لدى الفرق الإسلامية يقوم على خمسة مذاهب : الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والجعفري. وكانت دمشق تأخذ بفتاوى أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (80-150 هـ) أول الأئمة الأربعة لدى أهل السنة والجماعة. وقد تتلمذ سنتين على يد جعفر بن محمد الصادق في المدينة. فقال أبو حنيفة عبارته الشهيرة: "لولا السنتان لهلك النعمان" .
يظهر الوهم على عزت بيك حين يقول للمفتي: أنا الحكومة يا حضرة المفتي ، والقرار في النهاية لي " وقد أشارت الأحداث اللاحقة على عكس ذلك.
لايزال هناك كتمان وأسرار داخل النظام (نظام العائلات الدينية المرتبطة كحكام محليين بالباب العالي) وهو ما يشير إلى فعالية النظام حتى الآن . لأن تكشّف الأسرار سوف يكون إشارة على بداية انحلال النظام.
المفتي موجهاً كلامه إلى عبدو زلمته: بخصوص مدير السجن لو مانع سيُهدر دمه ويضيع، وأوصيك بالكتمان ، يجب أن يظل السر مصوناً بيننا.
العفصة: مفتينا غميق، ومظهره لا يكشف عن مخبره. إن المَخْبَر ما قاله عبدو لا ما قاله المفتي . فعل الكبار كلّه لف ودوران، هذه السياسة وتلبستها (السلطة وأحابيلها وأبلستها).
فضيحة نقيب الأشراف ، وطغيان الدرك مع ظهور المخنثين بكثرة هي إشارات على بدء تهور النظام وبداية انحلاله. فالتخنيث إشارة على بدء الانحلال وبداية انكشاف الأسرار.
في المشهد الثالث:
سمسم موجهاً الكلام للعفصة: لماذا تتبلاني ، هل تكلمت أو كشفت سراً.
سمسم موجهاً كلامه هذه المرة لعباس رفيق العفصة وملازمه: هو (يقصد العفصة ) لا يطيق وجودي لأنّي أعرف بعض الأشياء .. خبِرناه فلم نجد لديه إلا مثل الرزّ أو فتلة القماش، وعرفنا أن ما فينا فيه، وما يحكّنا يحكّه.
بالطبع نلاحظ هنا ميل الكاتب إلى الكنايات (مثل الرزّ وفتلة القماش كنايات محليّة تشير إلى صغر قضيب الرجل) وهو ما يعطي السرد هذه الروعة، وحرية النطق ويعطي جرأة في التلفُّظ يعطيه مشهد الماء الجاري تحت التبن، فلا يشعر القارئ بالبلل إلا حين تغوص قدمه.
انكشاف أسرار النظام القديم وافتضاح أمر مناصبه هو كما قلنا إشارة إلى بداية انحلاله وأفوله.
عباس للعفصة: انكشفت علي مثل حلالي، ولا داعي للتظاهر بالحياء . وهو (العفصة) يمسك يد عباس ويقبّلها: أبوس يدك أستر . ويمكن للقارئ مقارنة هذا الكلام للعفصة مع كلام سابق لوردة في المشهد الأول ، وهي تخاطب قائد الدرك حين ضبطها مع النقيب في البستان، تقول وردة: يا بيك استر سترك الله"
العفصة لعباس: هل تعدني أن يظل كل شيء كما هو في الظاهر
عباس وهو يداعبه: إذن سيكون لنا مخبر ومظهر كالمفتي (بحيث لا يكشف مظهر الواحد مخبره) قال الحارث بن أسد المحاسبي(ت 243 هـ ) -الذي يعدّه الأشاعرة أساس مدرستهم- أن الأدلّة نوعان: "عيان ظاهر أو خبر قاهر"
عباس: الان افقأ الدُمَّل(كناية عن انكشاف الأسرار وانفضاح الأمر) ويمكنك أن تستريح ، وهي الراحة التي ترافق انهيار النزاع وانحلاله، وغياب الفروق. قال المفتي: ستنقلب الورطة على قائد الدرك حين يعلم الوالي والناس أنه قبض على النقيب وزوجته مؤمنة، وهل الفرق بين الزوجة والغانية خفيف إلى هذا الحد!
مؤمنة زوجة النقيب: الغانية والغانية- الزوجة ، هذا (الخلط ) تلاعب لطيف وخطير، لا يا شيخ إنك تدفعني إلى طريق وعر ، لا أدري أين يفضي بي. "
مؤمنة للمفتي: ما تطلبه مني هو مقامرة مخيفة ، هو سير على حافة الهاوية، والغواية . ماذا تشعر حين تقف على حافة هاوية؟ لقد حرّك هذا العرض "المغري" من قبل المفتي كل تاريخها مع والدها الشيخ محمد وأخوها عبد الرحمن.
الهاوية تهزّني من جذوري ، يرعبني السقوط ويغويني في نفس الوقت. وبين الرغبة والرعب أهتزّ اهتزاز شجرة في اليوم العاصف. هل تصدّق، معظم أحلامي هي هذا المزيج بين الرعب واللذة. أقول: إن الإغواء والذعر الذي يرافقه ، ناجم أصلاً عن وجود "أصوات متعددة " كامنة في النفس تنتظر فرصتها حتى تحضر . إنه ذعر التبعثر والرعب الناجم عن تقطّع الأوصال والتمزّق ، إنّه نداء الطبيعة لانحلال العقل" (ما بعد الحداثة )
في الصفحات (38-39) يدور حوار مهمّ بين مؤمنة والمفتي. قالت مؤمنة للمفتي: أرأيت ما أنا إلا أمَة ، ما أنا إلا ملك من أملاك الرجل الذي تعاديه(نقيب الأشراف) . إنّي أرفض عرضك لأنّي أقاوم الدخول في فتنة الغواني. لو قبلت سأنزلق إلى موقع الهشاشة ، هشاشتي وهشاشة أوضاعنا. أخشى هذه المرة أن يجذبني نداء الهاوية بلا مقاومة. واضح في كلامها إشارة إلى هشاشة الأوضاع، وهشاشة الشخصيات. يكتب أونا مونو في قصة "نشيد المياه الخالدة": "نسمع في أعماق الهاوية المظلمة خريراً لايكلّ للمياه التي لاتستطيع العين رؤيتها" (ما بعد الحداثة) المفتي: الحمد لله الذي جعل التقوى باطني وظاهري
مؤمنة: سعيد أنت يا شيخ. ومن يتراءى له أنه يعرف نفسه لابد أن يكون سعيد.
المفتي: لا أعتقد أن الوقت مناسب للحديث عن النفس وأهوائها. وأقول : بل هو الوقت المناسب بعينه لهكذا أحاديث، وما يصرّح به المفتي يشير إلى نقص في الفهم وعيب فيه. يبدو أن المفتي لم يلتقط بعد روح العصر الذي يعيشه، إنه واهم، لهذا السبب لم يفهم مؤمنة حتى لحظة موتها.
مؤمنة: أقول لك للمرة الأخيرة، أنت تدفعني إلى منزلق خطير.. مؤمنة تطلب الطلاق من زوجها النقيب كشرط لقبولها تمثيل دور الغانية . وهذه إشارة إلى بداية تغير الأحوال والأوضاع.
مؤمنة: تحدث نفسها، والآن يا مؤمنة هل نلبّي نداء الهاوية ، ونبدّل كل شيء (بدء التحول) ، هل أرمي اسمي وأكسر أول قيد كبّلني منذ مولدي، في ظهري قشعريرة بارد. وهذه القشعريرة والبرودة من علامات التمزق والتبعثر والسقوط وهي التي أشار إليها الكاتب بضمير جماعة المتكلمين: "هل نلبي نداء الهاوية" وهي إشارة مضاعفة ، فهي تشير إلى بداية تحول الأشخاص والأوضاع معاً.
في السجن ، تقول وردة لعبد الله: وجودنا هنا حادثة عابرة وغداً تمرّ " هي لا تدري أن وجودهما هنا ما هو إلا إشارة للتحول القادم .
تقول وردة لعبد الله: غداً يأتي أهلك وأصحابك فيطوون الحادثة ويعاقبون المكيدة . إن عبارة "يعاقبون المكيدة " تشي بجمالية في السرد بفعل المجاز بالحذف ، والأصل: "غداً يعاقبون أصحاب المكيدة" .
مع هذه الإشارة التي تنذر بالتحول تبدأ وردة بالمكاشفة ، وسرد حكايتها منذ البداية مع الشيخ الجليل: كان يا ما كان ، كان هناك بنت صغيرة ، أحلى من البدر في ليل التمام . وكان أهلها يحتاجون الأكل ، لا النظر إلى الجمال، فباعوها إلى أسرة ميسورة . وكان ربُّ هذه الأسرة شيخاً جليلاً ، له وزنه عند العامة والخاصة . وسيأتي يوم نكشف اسمه ونعيّن صفته، كان الشيخ الجليل يلحظني بعناية ، وقبل أن أحيض ، كان قد كشف لي الطريق وسار معي فيه ، كان يفسق معي ويعلّمني طبقات الفسق ومراتبه (لاحظ التعريض والسخرية باستعارة الطريق والطريقة وكذلك الطبقات ومراتب العشق من قاموس الصوفية الدينية). هذا التعريض يكمن أيضاً خلف جمالية السرد وطابعه الكرنفاليّ المرح.
مؤمنة: إن الموقف يقتضي أن أكون سافرة ، ولعلي سأتعود على السفور بعد هذه الليلة. وهذه إشارة للتحول ، فالسفور يعني الإسفار عن الأمر وانكشاف الأسرار.
عبد الله: "هذا هو التلف الذي أخبرني أبي عنه" وهذه علامته وهذا وقته . . من الصعب أن اشرح لك ، كم تقلّبت حالي منذ دخلت هذه الزنزانة. أشعر أني في مخاض صعب.
مؤمنة: كلنا الآن في هذا المخاض .
إنه المخاض الكبير الذي بدأ سنة 1860 والذي وضع الأساس الاقتصادي/ السياسي لسوريا الحديثة.
عبد الله: حين جلستُ في عتمة هذا المكان وكانت لا تزال آثار السكر تغشي عقلي وبصري ، تراءى لي والدي . لم يكن غاضباً ، بل كان حزيناً . بصوته العميق الرخيم سألني : ماذا فعلت بميراثي يا عبد الله ! غضضت بصري واحتواني العار كأنّه جلدي . حقاً ماذا فعلت بميراثه.. قال لي كأنّه يواسيني ، أتلفت ظاهرك ، فتدارك باطنك..
يبدو أن العبارة الصوفية حاضرة في السرد بعد تضمينها شيء من التعريض الرشيق والخفيف الظل. والعبارة السالفة الذكر إشارة في الرؤيا إلى عبد الله تدعوه لهجر العالم وأهله. قال: حياتي ستتغير أو تغيرت فعلاً.
مؤمنة: إن أحداث هذا اليوم ودخولنا هذه الزنزانة سيعجلان بالمخاض الذي ينتظره كل منا.
كانت تتوقع من زواجها بنقيب الأشراف انطلاقاً لجسدها ، لكنها شعرت بالاشمئزاز.
يوجد سوء فهم كبير في حوار مؤمنة مع المفتي ومع زوجها نقيب الشراف، وفي حوار المفتي مع الوالي وحوار وردة مع عبد الله في السجن ، كما توجد تشابهات وتوازيات تؤشر إلى وحدة مصائر الشخصيات .
المفتي: إهانة الغريب توحّد الأهل وتمحو الخلافات العابرة
الوالي: هل تريد أن تذكرني بغربتي
المفتي: أستغفر الله ، انت رأسنا وأصبحت من عظام الرقبة.
في حوار سابق بين المفتي ومؤمنة:
المفتي: (وهو يتفرّس وجهها): كانت الحشمة تقتضي أن أُرسل الحريم ، ولكن المسألة حساسة ، ولا أستطيع أن أعهد بها إلى خفّة الحريم.
مؤمنة: كتر الله خيرك، هل جئت كي تصفني بالخفّة
المفتي ، مرتبكاً، عنيت حريمي
مؤمنة: ألا يسموننا جميعاً، الحريم
في سؤال الحقيقة ومسألة الفرد والنظام: أيمكن ان يُخطئ الجميع وأن تكون وحدك على صواب ؟! قل للمفتي أن يفتينا في هذه القضية . أيكفي أن يُجمع الناس على أمر كي يغدو حقاً وصواباً ، ألا يمكن أن يُخدع الناس ؟
عزت قائد الدرك وقد جُرّد من منصبه وأصبح فرداً مجرداً من قوة النظام وفي مواجهة مع الجميع ومن دون مشروع للمستقبل أو فكرة جديدة: يمكن أن أصاب بالجنون ، بالفعل يمكن أن يُصاب بالجنون. جاء في سورة القلم: "ن ، والقلم وما يسطرون ، ما أنت بنعمة ربك بمجنون" [1] هنا تم الاتقاء من الجنون بقوة الدعوة القادمة والمشروع المُقْبل.
عزت: أيجوز أن تمضي الحقيقة حسب الهوى أو حسب المصلحة، الحقيقة تظلّ هي الحقيقة . هذا يذكرنا بمسرحية "عدوّ الشعب" لهنريك إبسن .
عزت: كيف اتفق أنّي الوحيد الذي رأى ، ماذا رأيت، أحقاً رأيت! جنون .
لقد بالغ عزت، وإن الله ليضحك من شففه ومبالغته وتجاوزه الحدود ، وهذه عقوبة الطغيان.
عبد الله بعد أن سمع المفتي وهو يطلب منه طلاق زوجته: يا رب تلك إشارة أخرى تأتي ، هذا هو الطلاق الأصغر الذي تبلوني به ، كي أقوى على الطلاق الأكبر.
نعم ، إنها إشارة. إنها طالق منذ الساعة يا شيخ. عبد الله يمشي في الغرفة كالمأخوذ، يا رب علّمني كيف أميّز بين إشاراتك وتخيلات عقلي ، يا رب قوّني على تحمل حالي ومجاهدة حالي ، وقهر حالي.
قالت له خديجة: اجلس في حِجري أي حرمي ، فسألته هل تراه(أي جبريل)؟ ، قال نعم، ثم القت خمارها وانكشف شعرها وسألته: هل تراه؟ قال : لا ، قالت: ابشر إنه ملاك "
فما أن ظهر الجسد والجسدية حتى انحجب جبريل بهذا التجلّي للجسدية كما غاب الألف واحتجب بتجلّي صورته الباء في كلمة (بسم). وإنما لو بقي ظاهراً مع تجلّي الجسدية لكان شيطاناً ومسّاً وجنوناً. (قراءة في حجر الصبر)
بعد قليل يظهر شبح وليّ يأتزر بثوب أبيض يشبه الكفن ، ويخفي وجهه، حركاته بطيئة وصوته رخيم، يسطع وكأنّما يحفّ به ضوء لا نعرف مصدره.
الولي: الطريق طويل والزاد قليل.
وأنا أتحدث عن التحول من فرد يومي إلى قنم أو شخص من أشخاص العرفان أقول: قنم الشيء إذا ندّى فركبه غبار فتوسّخ ، ويكون ذلك في شعور الخيل والإبل .
قال الولي: اهمل بدنك حتى يتراكم عليه الوسخ (أي ، يغدو قنماً) وعفّر وجهك ومرقعتك حتى يزدريك من يراك . ابتدئ بهذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذلّ نفسك ، ثم عُدْ على معتزلك خفيفاً لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء وكرّر النداء ." عندها تتحول من فرد عادي يومي مبتذل إلى شخص من اشخاص العرفان ، إلى أقنوم.
يتألف الجزء الأول من المسرحية من ثمانية مشاهد ، وهي الثمانية حملة عرش المسرحية. وهي الثُماني أو الأوكتاف الرمز العددي لنفس الجسد. ويتألف الجزء الثاني من سبعة عشر مشهداً ، وهم أشخاص العرفان الغنوصي : اثنا عشر نقيباً وخمسة أيتام. في المجموع سبعة عشر شخصاً. وبالجمع الأفقي: 7+1= 8 ثمانية تشابهاً وتهكّماً.

الجزء الثاني (المصائر) أو التحولات
المفتي: ألم تقل له أن الحقيقة في الاجماع. نعم كانت الخلافات تكبّل يدي وتضغط على مركزي، وسنجلو الآن ما لحق المنصب من أوشاب (شوائب).
إن للمفتي جلال وسطوة !؟ ولكن يا لجهل المفتي، يظن أن زوال العداوة تثبيت للمنصب ، وهو لا يدري أن غياب العداوة والتوتر والنزاع بين المناصب هو علامة وإشارة على بداية موت نظام العائلات الدينية وانحلاله التاريخي. النزاع وحيويته علامة على الحياة . هذا الغياب للعداوة والنزاع إشارة إلى بداية انحلال منصب المفتي الحنفي كمنصب سياسي في سياسة دمشق اعتباراً من سنة 1860 م . تظهر الحقيقة التاريخية-الاجتماعية في مواجهة اجماع المفتي المزعوم وألاعيبه ومكائده الصغيرة. (يعلو آذان الغروب )
المفتي: يا ربّ، إني أحسّ في نفسي فتوراً عن الصلاة .. هل أضلّني إبليس، أحسُّ فراغاً في سريرتي ، كدراً في قلبي ، أكانت تلك المرأة أحبولة إبليس وأداته ؟ لا أحس للنصر بهجة ، هل تخلصت من اعدائي كي يأتيني عدوي من نفسي.. علقت صورتها في خيالي" "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم" [الحج: 53 ]
يتكرّر سوء الفهم تجاه مؤمنة من الجميع ، وهو ما يشير إلى تحولها وانقلابها الضدي. وردة على سبيل المثال ، غسلت الملاية وبخرتها بالمسك .
مؤمنة: لم أزرك كي استرد الملاية
وردة: أتريدين أن تسألي عني وعن النقيب ؟
مؤمنة: لن أسألك عن علاقتك بالسيد النقيب، بل أشعر بالامتنان لكِ. جئت، أرجو أن تأخذي بيدي ، أريد أن أنضم إليكِ وأن أغدو واحدة من غواني هذا البلد.
يستمر سوء الفهم من قبل وردة: أجئتِ تتفقسين عليّ، أجئتِ كي تزدريني وتحطّي من شأني!؟ هل كتب عليّ أن يلاحقني بيتكم طوال عمري! لا تذكريني أو لعلكِ لا تريدين أن تذكري ، ألم أكن خادمة لديكم !ألم يكن الشيخ الجليل ابوكِ .. هو الذي علّمني طبقات الفسق ومراتبه قبل أن أحيض . ثم تناوب علي الأب مع الأبن ، ثم القوا بي في الشارع. هل خطر ببالي أن الفرصة ستأتي وسأرى بعيني ابنة ذلك الرجل الذي رماني إلى هذا الكار ، تتوسل كي تدخل فيه.
مؤمنة: وخزتني الصدفة ، ولكن لاشيء يُحكى عن ذلك البيت المكلّس بالشهوات والرياء ، يمكن أن يُدْهشني.
(قارن عائلة محمد رسمي الخزار ومصيرها مع عائلة قدموس ومصيرها في تراجيديا سوفكليس "أوديب ملكاً"؛ فمظهرها طاهر ومخبرها عاهر )
ومع ذلك يستمر سوء فهم وردة تجاه مؤمنة: أتحاولين مكايدة عبد الله!
بعد الاتفاق وزوال سوء الفهم تلبس مؤمنة ثوب الفتنة ويغدو اسمها ألماسة . تقول شيخاتها في الكار: بالخمر سنساعدها على تخطي العتبة، وبالخمر سنبارك الاسم والصحبة ، وبالخمر سنسقي البهجة والمهجة. "
يُخيل للقارئ المطلع على أننا في مناكحة صوفية لتسلّم الأسرار ولبس خرقة الصوفية .
سوف يتكرر هذا المشهد ، مشهد الدخول وتسلم الأسرار عند شخصيات أخرى كعبد الله ، وإلى حد ما، المفتي والعفصة.
المكاشفة وانفضاح الأسرار ، وانهدام حجاب السلطات الدينية والمجتمع القديم هو ما يميز هذا العمل، مكاشفة ومصارحة مع تزعزع الزعامة السياسية للعائلات الدينية الموالية للباب العالي في سياسة دمشق اعتباراً من 1860 مع ضغط نمط الإنتاج الأوربي البورجوازي الحديث على النمط الخراجي الشرقي الراكد للإمبراطورية العثمانية الآفلة ذات الأيديولوجية الإسلامية .
(يدخل العفصة إلى عباس وهو حليق الشوارب ، ناعم الوجه ، يتعمد التخنُّث بحركاته وكلامه)
عباس: قاتلك الله، ماذا فعلت بنفسك!
العفصة: أردت أن أقدّم لك هدية يا نور عيني
عباس: أي عفريت ركبك
العفصة: لم يركبني إلا هواك.. هي شواربي أجعلها لك ، ويمكن أن تُعلن في طول المدينة وعرضها أن شوارب العفصة ملكي ، وأن العفصة كله ملكي. أخاف أن تهجرني بعد أن كشفتَ روحي . لقد غيرتني وقلبتني من أصلي. أردت أن تعرف أني تحولت (التحولات)
عباس: ألم تكن تريد السترة وتخاف البهدلة
العفصة: لم أكن أعرف سطوة الحب وصبوته . السترة! وهل يستطيع العاشق أن يستتر . لم أعد أبالي بشيء، لا يهمني إلا انت (غياب كل نزاع: المجون. والمجون ألا يبالي الإنسان ما صنع (م5/ 299 )، وانقلاب الحال والكرنفال.
العفصة: إنّي لا أحتمل أن ترميني بعد أن غيرت تكويني . غدوت كالماء في صفائه ووضوحه (غياب كل حجاب) كيفما نظرت إليّ ستجدني واحداً ، هيئتي هي سريرتي وسريرتي هي هيئتي ، ما فعلته أني أظهرت مَخبري.
الطريف في هذا السرد أنه يعرض للمصطلحات الصوفية بطريقة تهكّمية كرنفالية مقلوبة، حيث يسقطها على هذا الانحلال الذي أصاب العفصة في تحوله إلى عِلق مخنّث مسخ! وهذا التشابه بين الترقّي والصعود في الدرجات والمراتب من جهة وبين الانحطاط والهبوط في الدركات له مغزاه المعاصر على مستوى الفكرة الدينية. وهو الفوات بالمعنى التاريخي. لهذا السبب فقد تشابهت مصائر أشخاص عبد الله والعفصة والمفتي ومؤمنة .
" قال العفصة بنبرة صوفية: هذا العشق هو الذي جرّأني على نفسي وعلى الناس .
قال الوليّ موجهاً وحْيَه لعبد الله: نفسك هي حجابك ، والنفس هي أصعب ما يعالجه المريد.
عبد الله: أما من نصيحة؟
الولي: اهمل بدنك حتى يتراكم عليه الوسخ(القَنَم) وعفّر وجهك ومرقعتك حتى يزدريك من يراك ، لا تقص ظفراً ولا شعراً ، واترك القمل يتناثر على وجهك وثيابك ، ثم ادخل إلى حيّك الذي تُعظّم فيه حتى ينظر إليك أصحابك ، ويسقط بالّلوم جاهك ، ويلاحقك الصبية بالتقريع والسخرية.. ابتدأ بهذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذلّ نفسك ، ثم عد إلى معتزلك خفيفاً لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء ، وكرّر النداء ، فتغدو شخصاً من أشخاص العرفان(أقنوم).
حين تترك نفسك وراءك تجده أمامك ، فهل تفعل؟
عبد الله: إن تعظيم الناس يصرف عنه يا عبد الله ، وأن الدنيا لقمة مسمومة ، ومن يحب لا يزعجه لوم اللائمين. ولا تنس أن هناك عشاق سبقوك أو رافقوك في هذه المسرحية كالعفصة والمفتي الحنفي ومؤمنة . ولهم مصائر تشبه مصيرك.
عبد الله يتسلّم من نفسه "خرقة " الصوفية : ما أعظم أشواقي! اسقوني يا ثقاتي، قطّروه(للخمر) واسقوني ، اسكروني حتى أفقد بصر عيني وأبصر بعينيّ ذاتي . الله.. الله. قال الحسين الحلاج: "اقتلوني ياثقاتي إن في موتي حياتي"
هذا الكلام لعبد الله يشبه قول وردة في لحظة إدخال مؤمنة الكار وتحولها إلى ألماسة: هاتي كؤوس وشراب حقيقي يا بسمة . بالخمر سنساعدها على تخطي العتبة ، وبالخمر سنبارك الاسم والصحبة ، وبالخمر سنسقي المهجة والبهجة. يااللّا يا بنات.
كتب أفيد الشاعر الروماني (ت 15 ق. م) في ديوانه الخالد "التحولات أو مسخ الكائنات":
رسمت لنفسي أن أتحدّث عن تحولات الأشخاص في أشكال جديدة
فيا أيها التاريخ أعينني في هذه المحاولة
ذلك لأن هذه التحولات هي صنيعكَ
أعينني بإلهامك وقُد مسيرة هذه القصيدة
من بدايات التاريخ حتى العصر
الذي هو زمني " ( مع بعض التحويرات)
ألماسة: حَفَّظتني القرأن ، وعلّمتني في الوقت نفسه كيف يكون ترتيل القرآن ستاراً للتهتك والفسوق ، إني ابنتك وأهوائي ثمرتك ، ما أفعله الآن قد تخمر ونضج بتلك الرائحة الحريفة..
مع الانحلال سقط القناع عن الرياء والنفاق الديني .
المفتي ما يزال لم يفهم ألماسة وتحولها: قلتِ كلاماً لم أفهمه جيداً، وأنا لا افهمك الآن . إني لا أفهمك أيتها المرأة، ولا اعرف كيف تفكرين وكيف تسلكين! ماذا تريدين، وعما تبحثين؟!
ألماسة: إني أبحث عن شيء لا يمكن أن يفهمه رجل مطمئن النفس مثلك.
ألماسة وهي تشرح بداية تحولها . سيبدو ذلك غامضاً ، ويصعب شرحه ، حيث أتأرجح على الحافة وتناديني الهاوية . يُخيّل إليّ أنّه في لحظة سقوطي سينبت من مسامي ريش ملون.. أحلم أن اصل إلى نفسي وأن أكون شفافة كالزجاج ، ما تراه العين مني هو سريرتي ، وسريرتي هو ما تراه العين مني . إنّ في قلبي لمواجد محرقة وأشواق كاوية ."
هذا القول لماسة يذكرنا بمكاشفات العفصة أمام عباس . وهو يشير إلى التشابه في مصائر الشخصيات لجهة الانحلال ، بالرغم من الاختلافات الظاهرة. انحلال العفصة من زكرت إلى لوطي مخنّث، وانحلال مؤمنة من زوجة محترمة إلى غانية داعرة، وانحلال المفتي إلى متيم بعشق عاهرة، وتحول عبد الله إلى مجذوب سيطر عليه الهوس الديني الصوفي.
المفتي (موجهاً كلامه لألماسة): هل تزينين الانحلال؟
قال عباس للعفصة : إن هو إلا شهوة تنتهي بقضاء الوطْر، وقال المفتي لألماسة: قولي لي أن هذا كله ليس إلا نزوة ، وقال العفصة: أتعلم يا أبا الفهد، إن مواجهة كل زكرتية البلد لا يحتاج إلى الشجاعة التي احتجتها كي أفعل بنفسي ما فعلته.
ألماسة: أول المقامات في رحلتي هو أن أرمي وراء ظهري معاييركم ، ينبغي أن أتحلل من أحكامكم ونعوتكم ، ووصاياكم كي أصل إلى نفسي. ينبغي أن أتجاوز خطر الانتهاك كي ألتقي بجسدي، وأتعرف عليه . صنعتم مني عورة هشّة يمكن أن تنتهكها الكلمة والنظرة واللفتة. وجعلتم دأبكم انتهاك هذه العورة ، فصرنا جميعاً زواحف تتناهش في مستنقع من الأكاذيب والمظاهر والقيود .
ألم تكن ذروة المتعة لدى أبي الفهد عباس هو انتهاك زكرتية العفصة ، وعندما تخنّث هذا الأخير سقط من عينه. قال عباس: كان يلذّ لي أن اعلو رجلاً محسوباً على الزكرتية. وقالت ألماسة: في الدعارة سأخلع عني صفة العورة وشرطها (انهاء النزاع) ، وسأغدو خارج حدود الخوف والانتهاك. لا أعتقد أنك ستفهمني (للمفتي) . على كل لم يعد مهماً بالنسبة لي أن يفهمني أحد.
كل هذه المقامات كرنفالية منكّسة مقلوبة ومنحطة مع بداية انحلال البنية ، لم تستطع في التحدي مع النمط البورجوازي للإنتاج أن تطوّر أشكال متقدّمة قابلة للمقاومة والحياة.
المفتي: إنك تقلبين مألوف حياتنا، ونظامنا ومستقبلنا. لا أستطيع ان اسمح لكِ. إن سلاح الفتوى يستطيع أن يفعل الكثير . ولكن، ماذا تستطيع أن تفعل الفتوى في مواجهة التحولات التاريخية.
ألماسة: ستجعلني أظن أني بعض وساوسك.
المفتي: منذ التقيتك وصورتكِ تلاحقني . إنكِ تلف في الفؤاد واضطراب في الروح.
ألماسة: إن طريقينا مختلفان . قلت لأبي إن مصيري تقرر (يبدو أن طريقهما واحد ومصيرهما الواحد قد تقرر ، رغم الوهم، بفعل التحولات التاريخية)
المفتي متوهماً: في هذه الحالة أنتِ من يعلن الحرب.
ألماسة: لو نشبت الحرب ستكون هي الأخرى جزء من مصيري . حين يترك المرء الحافة ويعوم في الفضاء ، ويستحيل عليه الرجوع إلى الوراء.
المفتي: يا رب ، ما هذه المرأة ! إني مأخوذ وإني عاشق ، لم يبق في هذا القلب أي مسرّة . لاشيء إلا الوسوسة والكدر . المفتي مأخوذ وعبد الله مجذوب ، وألماسة مطلقة النقيب وفاتنة المفتي الغانية. إنه المصير الكبير المشترك بين شخوص المسرحية .
في المشهد السادس من الجزء الثاني
يقول إبراهيم دقاق الدودة لحميد العجلوني: هل تُسجّل الوقائع المذهلة التي تدور حولنا؟
حميد: والله هذه غرائب تسلب الرشد ، ما عرفناها على عهد آبائنا وأجدادنا . هذه التحولات التي عصفت بالمجتمع الدمشقي منذ منتصف القرن التاسع عشر غير معهودة وجديدة تماماً نتيجة التدخل الأوربي البورجوازي المباشر وغير المباشر.
حميد: يا سيدي، بدأ الجنون فعلاً ، لا حديث لدى الناس سوى ألماسة .
ياللتورية ! مع بدية دخول نمط الإنتاج البورجوازي لم يعد الحديث سوى عن النقود والذهب والماس البرّاق، إنه العصر الجديد وسلطة رأس المال وصعود طبقة الملاكين البيروقراطيين وانحطاط طبقة الدارسين الدينيين في سياسة دمشق الجديدة. يقول فيليب خوري: "كان الشريك المسيطر ضمن الزعامة السياسية لدمشق العام 1900 م عبارة عن فئة من الملاّك البيروقراطيين غير الدارسين . وكانت عائلات هذه الفئة قد ارتقت إلى قمة الحياة السياسية في المدينة في أعقاب اضطرابات 1860 م . وعبر النجاح في احتكار معظم المناصب السياسية والإدارية ذات النفوذ في البيروقراطية الإدارية ، ثم امتلاك حيازات واسعة من الأراضي عبر هذه العملية . أنشأت هذه العائلات لنفسها قاعدة قوة أرسخ من الملّاك الدارسين . وتم ربط مصالح هؤلاء بحميمية أكبر مع مصالح اسطنبول . والواقع انهم تكيفوا مع الأزمنة المتغيرة براحة أكبر من غيرهم "(سياسة دمشق 1860-1920 ). لكن، حتى اسطنبول نفسها لم تسلم من هذه التغيرات.
حميد: يبدو أن سحر ألماسة لطش عقل الوالي نفسه
الولد: كل شيء فاخر اليوم يسمونه ألماسة
إبراهيم: أعتقد ان هذا بعض تأثير الأجانب . إننا ندخل في فوضى لا أحد يعرف ماذا يكون ختامها.
حميد: معك حق، هذه الجائحة تفوح منها رائحة غريبة.
قال الولي لعبد الله: اترك نفسك وتعال ، وحين تركت نفسي نظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى ، فكبّرت عليهم أربع تكبيرات " لخواء نفوسهم من الحق، نفوس هجرتها الروح الرحمانية، ورمزها العددي أربعة هي حرف الدال ، وهي أربعة جدران من دون ساكنين؛ منزل لا ضيوف فيه ، قرية فارغة مهجورة. إدّ: عظم الشيء وشدته وتكرّره، جاء في سورة مريم "لقد جئتم شيئاً إدّاً " [59] أي عظيماً في الكفر. (م1/ 11 )
عبد الله مخاطباً الأولاد: تعالوا يا أحبّائي.. أنتم رحمتي ، تعالوا وحرروني من اللوّامة ، والأمّارة، والسجّانة وهي حالات ثلاث للنفس .
إبراهيم: ما الذي بدّل احوالنا على هذا النحو ، كأن زلزالاً ضرب هذه المدينة المطمئنة ، فخرّبها وأخرج خبائث بطنها. بدأتُ أتطيَّر (أتشاءم) فعلاً مما تخبئه الأيام.
و ليس لديهم من سلاح سوى فتوى المفتي الحنفي في مواجهة هذا التيار الجارف، يا للفقر، يا للخواء! العفصة تقتله المكاشفة . وهذا معناه أن كشف الأسرار يرافقه الإعدام أو الانتحار ، فما أن كشف الأسخريوطي تلميذ المسيح السر العظيم حتى تمّ إعدام عيسى وانتحر الاسخريوطي تحت شجرة فوق الجبل.
العفصة: ما أغرب هذه الدنيا ، إن كتمت وأخفيت (اتقيت) عشت وتكرّمت، وإن أفشيت وكشفت ، نبذوك وأخرجوك منهم .
قبل أن ينفجر كوكب من الكواكب وينطفئ يتضخم ويأخذ شكله العملاق الأحمر. هكذا النفس تنتفخ وتتعاظم قبل الدمار والانحلال.
الشيخ محمد مخاطباً صفوان ولده الأصغر: لا ترهقني أيها الغلام . رأيت فيما يرى النائم يا عبد الرحمن (ولده الأكبر) أن السماء تُمطر حين أُقْبض (حين وفاته) ، وأن يداً نورانية تقشع الغيم عن وجه السماء حين أُحْمل، وأن شحروراً لطيفاً يكبِّر حين أضطجع في القبر ، كأنّي أراه الآن وهو يحوّم مسبّحاً مكبّراً، أفليست تلك إشارة "
نعم، هي إشارة ؛ إشارة الأفول. "فخلال طور الأفول يتمدّد النجم إلى أن يغدو قطره عشرات قطر الشمس ، وإذ ذاك فإن سطحه الذي ابتعد كثيراً عن مركز الطاقة المركزي يبرد ولا يشعّ إلا في درجة الحرارة الحمراء ، ويطلق عليه في هذه المرحلة اسم العملاق الأحمر. " (الأبعاد الستة) هكذا تسلك الأنا الآفلة سلوك نجم آفل فتتضخم قبل موتها وزوالها.
قال الشيخ محمد والد ألماسة: ثم ألهمني الهة أني أنا وعدوه إبليس من خلقه وقضائه ، وأن عليَّ بدل الحرب مساكنته وصحبته ، فقرّت نفسي" ونحن نلاحظ هنا نموذجاً للفكر التبريري الشائع في الفكر الديني الإسلامي السائد . قال: كان المنام إشارة يريدني أن ألقاه خفيفاً . وهو يحاول أن يبرر فعلة ابنته ألماسة وذلك لشعوره بدور كبير في سقوطها المدوي.
قال المفتي : تلك امرأة جسد يسكنه إبليس، كل واحد منا سيقاتل نفسه ويسفك دم نفسه .. هذه الحمّى لاتفارقني.. يجدر بي أن ألملم شتاتي ، وأن اقهر ضعفي ، وان أعلن حربي نعم، حرب ستطهرنا ، وتعيد ما تخلخل من أوضاعنا إلى مقامه ومكانه (بلهجة إعلامية) إن مفتي الديار الشامية (يتوقف) .. كم أحتاج إلى الصلاة.
قال المفتي: أتحدث عن النوافل ، أريد ان انغمر في الصلاة. والتسبيح معناه التنفُّل؛ لايُسبّح: لا يتنفّل.
حين يدقق القارئ يلاحظ التشابه بين فتوى مفتي الديار الشامية وفتاوى داعش في هذه الأيام . يأتي هذا الفكر الداعشي كرد فعل مبالغ فيه طاغ تجاه الشعور بخطر الانحلال والأفول . جاء في الفتوى ما نصّه: إن مفتي الديار الشامية يحرّم قراءة الكتب غير الدينية ، ومن وجدت لديه مثل هذه الكتب فليحرقها أو فليسلمها للمفتي . وقد تبين لنا أن من أسباب الانحراف والفساد قراءة هذه الكتب الشيطانية . إن مفتي الديار الشامية يحرّم الغناء والرقص وكل ما ينتسب إلى الخلاعة ويؤدي إليها . إن مفتي الديار الشامية يأمر المسلمين بمهاجمة الأماكن التي تصنع فيها الخمور ، ويحل لهم إحراقها وإحراق خمورها ، كما يأمر بالقبض على كل من يشرب الخمر وجرّه إلى المحكمة الشرعية لإقامة الحدّ عليه"
يقول حميد من قبل: كيف سكتنا على أمثاله (يقصد المتخنّث سمسم) !
إبراهيم: كان ذلك قبل أن يملأ أمثاله قصور السلاطين وأولياء الأمر.
قال المفتي على بعض المعترضين على تطرف الفتوى: فات أوان التدرج ..
وهنا نشهد بعض من الوهم الديني ، حين يعتقد المسلم البسيط أن فتوى توقف الفوضى. قال ابراهيم: غداً تتوقف الفوضى بإذن الله." وهذا الوهم عند إبراهيم المسلم البسيط موجود عند المفتي حين قال لنفسه: وأخيراً تخطيت الوسواس واستعدتّ زمام أمري، وغداً ترتج المدينة لهيبتي وذكري.. ( يتوقف حائراً يبدو عليه الحصر(القلق) . يتهاوى على كرسيه مبحلقاً في الفضاء بعينين فاترتين خاويتين).
يظهر الكاتب شيئاً من الخلاف بين السلطة الزمنية العثمانية من جهة وسلطة الفتوى الدينية من الجهة الأخرى.
الوالي: وقعته سوداء هذا المفتي ، هل تخبّل! يشير المشهد العاشر من الجزء الثاني إلى هذا "الصراع" أو المدابلة. فبعد أن كانت تلك المناصب تؤازر بعضها البعض لحماية النظام والحفاظ عليه ، راحت الخلافات والفضائح تطفو على السطح بفعل بدء انحلاله . وهنا ظهرت حكمة الخصيّ في هذه المنازلة. الوالي غاضباً(وهو يخاطب الخصي) أعترف أنني لا أتمتع ببرودة وصفاء بالك ، إنك تجعلني أغبطك على فقدان خصيتيك.. أنت الوحيد المطمئن ضمن هذه البلبلة ، لا يقلقك هوى ولا تعمي بصيرتك امرأة .
عزّت يفشي لعبد الله سر السلطة: الحقيقة هي ما وافق أهواء السادة ، وما انقادت إليه العامّة انقياد الأعمى" . هذه هي الأيديولوجيا السائدة كفكر مضلل، تلبيس وخليط من الاعتقادات الشائعة و المبتذلة.
عبد الله يصيغ المسألة بلغة صوفية: إنك تتحدث عن تلبيسات الدنيا لا عن الحقيقة ولغوها، هل خفّ مقدار الحقيقة حتى تحملها الألفاظ!.. لا تبتئس يا صاحبي (لعزّت) هنا في هذا السجن عرفت الإشراق ، وجاءتني الإشارة .. إن السجن الفعلي هو سجن النفس. عبد الله مجذوب. والجَذْب: يدل على بتر الشيء ، .(م1/440 ) فإذا هجرت النفس الحياة الدنيا ، كأنها جُذبت وبُترت عن زينتها
عبد الله: إن العبد إذا تخلّق، ثم تحقّق، ثم جُذب ، اضمحلّت ذاته وذهبت صفاته وتخلّص من السوء (سوى الله) ، عند ذلك تلوح له بروق الحق بالحق (هو الغاية والوسيلة) ، فيطّلع على كل شيء ، ويرى عند الله كل شيء فيغيب بالله عن كل شيء ، ولا شيء سواه ، وهذه أول المقامات.
يُظهر عزت الجهل، ويظهر كمتهكّم على كلام عبد الله الصوفي: أفي غيبتي صار المجذوب رتبة!
يقول العفصة كلاماً يشبه كلام عبد الله: وعزتك وجلالتك لو تقطعني إرباً إرباً ، وصببت علي العذاب صبّاً ، ما ازددت لك إلا حبّاً .. بعد الوصال ما غاية لعاشق سوى الفناء .. إنّي أفنى إنّي أفنى" . تلاحظ أيها القارئ اللغة المتشابه لدى شخوص المسرحية، نتيجة المصير المتشابه.
الجنون والخبل والذهول والهوس يضرب هؤلاء في جو من الروح الكرنفالية المرحة. يقول عزت: هي ليست هي ، وأنا العاقل بينكم . هذه الصورة ليست هذه الصورة ، هذه الصورة البهيمية ليست هي الصورة العذراء صورة الحق . هي هو هي ليست هو . يظهر السرد نوعاً من التهكم تجاه العبارة الصوفية. هو اكساء شخصيات دمشقية يومية عباءة العبارة الصوفية في مشهد كرنفالي تهكّمي يرشح كوميديا لطيفة وعميقة.
يقول العفصة: ألم اكن أعرف سطوة الحب وجنونه ، إن جفوة منك (عباس) أشد علي من ضياع اسمي وكرامتي ومكاني بين الناس ، لا يهمني أحد إلا أنت.
في المشهد الثاني عشر يقرأ حميد على إبراهيم ما دوّنه من ملاحظات في كراسته ، يلخّص الهزات التي توالت على الشام هذه الأيام ، من شنق العفصة نفسه في داره ، وجنازته الكوميدية الهزلية ، إلى ما أصاب عبد الله من جذبة قوية. إلى تفشي الفسوق وجرأة الناس وعظم استخفافهم خاصة زوجة النقيب التي لحقت ببنات الخطا ، وصار لها لمعان وصيت، وفتوى المفتي التي تجاوزت حدود الاعتدال ، وإشاعات عن سقم المفتي "
إبراهيم: ما أغرب هذه الدنيا، وكم هو هش مصير الإنسان. (وكنا قد تحدثنا في المسرحية السابقة "أوديب ملكاً" عن مصير الإنسان وتلاعب الأقدار والتاريخ به).
حتّى دخول مؤمنة- ألماسة الكار خلق بلبلة عظيمة
وردة: دخول مثلها لا يتمّ بالمران والشقاء ، وإنما بعراضة تهزّ المدينة وتسلب عقول الناس . لقد أفسدت حياتنا ، ودمّرت الهناءة المُنغِّصة التي كنا نحيا فيها.
المفتي وهو يكاشف ألماسة، ويبوح بسره الكبير على طريقة العفصة ، ومثل عبد الله وهو يزيل التنازع من داخل نفسه: لم يعد في وسعي ان أُخفي النار التي تتوقد في صدري ، هذا شيء لم اعرفه من قبل . إنه مرض لا يشبه ما يعتري الأبدان من الأمراض ، وأنا لا أعرف كيف أقول.. إنّي أحبك يا ألماسة ، إنّي اسيرك ولك أن تفعلي بي ما تشائين، والفتوى سألغيها.
ألماسة: أتملك الشجاعة على مواجهة الناس؟
المفتي: بعد أن تجرّأت على نفسي ، لم يعد هناك ما يخيفني أو يحبط جرأتي . حين غلبني الوجد ، وقررت المجيء إليك ، أحرقت سفني ورائي . إنّ فيّ الآن قوة العاشقين واليائسين معاً.
ألماسة: ها نحن نلتقي في الهاوية، وما وراءها (النكوس إلى الهاوية والانمساخ) . الجميع يسقط إلى الهاوية ، يا لقسوة التاريخ، كم هو صارم قانونه في التحوّل والانقلاب!
قال: كان الوجد يتخمر ويفور في الدنان المسدودة.. حتى لاح ضوؤك ، فانزاح الحجاب، وتدفق الهوى والشوق والوجد كنهر عظيم . افلت بعد انحباس .
ألماسة: من كان يظن أن خروجي على المألوف يمكن أن يخلق كل هذه الفوضى!
المفتي وهو يتذلل لمعشوقته: هل يستفتي السيد خادمه، إنّي أطمع بالكثير ، ولكني اقنع بما تجود به نفسك. يكفيني قرب أو التفات أو ظل . إنّي في يدك وليس لي خيار "
قارن هذا الرجاء من أجل القرب والوصال مع رجاء العفصة وعبد الله . وهذه التشابهات إشارة إلى الانحلال وانقلاب الموازين ما يشير إليه الطابع الكرنفالي للسرد.
في تعريف الكرنفال أقول: الكرنفال هو موقفٌ من العالم شعبيّ عام وعظيم تكوّن عبر عشرات القرون. إن هذا الموقف من العالم الذي يحرّر من الخوف ، والذي يقرّب إلى أقصى حد العالم من الإنسان والإنسان من الإنسان (كل شيء يُحشر في قطّاع الاتصال البعيد عن الكلفة) هذا الموقف يتعارض بما عرف به من سعادة تصاحب حالات التناوب والتعاقب ومن صِلات مرحة. يتعارض فقط مع الجديّة الرسمية الأحادية الجانب والقاتمة التي هي وليدة الخوف، والتعصّبية والمعادية لكل تغيير وتجديد والساعية لأن تجعل من الحالة القائمة للحياة اليومية والنظام الاجتماعي حالة مطلقة وأبدية . إن الموقف الكرنفالي يساعد على التحرر بالضبط من مثل هذه الجديّة ولكنه لا يشتمل حتى ولا على ذرة واحدة من النهلستية (العدمية والانكارية) ، كما أنه لا يشتمل حتى ولا على ذرة واحدة من الفردية البوهيمية التافهة . من الضروري كذلك الامتناع عن مثل ذلك المفهوم الدرامي (المسرحي) للكرنفال، هذا المفهوم الذي يشيع جداً في العصر الحديث (مثل الحفلات التنكّرية في الصالونات الراقية والمتكلّفة)
تقول ألماسة كلاماً يذكّر بكلام عبد الله المجذوب: أرغب أن أكون بحراً لا بركة آسنة ، لا أريد أن يملكني أحد ، وليتني لا أملك أحد.
المفتي: ليس حباً هذا الذي يطلب أجراً، ستكون اللفتة فيضاً، والبسمة سخاء . عدّيني من المنذورين لكِ.
ألماسة: الليلة سأريك كيف يطير الجسد ، كيف يتسع ويفيض حتى يغدو بحراً. (هذا المقدّس في حده الأدنى الوثني، هذا النون البدئي)
المفتي يطلق كلاماً يشبه كلام عبد الله من قبل: إن أعضائي تذوب وتسيل. إن قلبي يكاد يفلت من صدري ، هذا هو الفناء ، إني أفنى فيكِ ، وإني أولد جديداً في فنائي..
إن مصير العفصة هو الانتحار ، ومصير المفتي ونقيب الأشراف الفناء والانحلال ، واحد في تصوف هذياني لا طريقة له ، وآخر في مومس من كبار القوم . إنها مصائر اشخاص من لحم ودم تشير إلى انحلال التشكيلة الخراجية الإسلامية القديمة.
الخادم: مهما أوغل المفتي في العشق ، فإنه لن يصل إلى مرتبة سيدنا عبد الله . أحياناً ، اخشى ان يفارق الحياة من كثرة التوسّل والبكاء.
الخادمة: ولكن عشق السيد عبد الله هوسة (هوسة المجذوبين).
الخادم: هذا حال المفتي أيضاً.. ناجاها كما يناجي الإنسان ربه ، قال كلاماً يفتت الصخر الجلمود..
الخادمة: مرّت علينا بصّارة وقالت أن المدينة مسكونة ، وأن هذه الفعال الغريبة هي من أفعال أشرار الجن (إن يد التاريخ خفية في كثير من الأحيان).
يبدو أن عبدو زلمة المفتي يريد ان يرث نظام الأكابر ، يقول لعباس: اصغِ إليّ يا عباس .. إن أكابر البلد فسدت احوالهم ، وانحطت مقاماتهم ، وهم لم يكونوا أكابر إلا على اكتافنا ، وقبضاتنا. وأذرعنا القوية هي التي كانت تسند المقامات ، وتوفر الطاعة . نحن الأزلام وأصحاب الخيزرانات، الأعمدة التي يقوم عليها البناء ، والآن انظر بعد أن تفسخ الأكابر وفاحت روائحهم، لا يحفظ النظام ويحمي القيم سوانا.
قد تكون هذه إشارة إلى دور الجيش في الحياة السياسية العربية ومنها سياسة دمشق ، بعد الحرب العالمية الثانية .
إذا لم نوقف تدهور الأحوال فإن البلد ستنزلق إلى الانحلال والفوضى وسينهار البناء علينا جميعاً.
عندما دخل صفوان أخو ألماسة الصغير وشهر خنجره قالت ألماسة: لو كفيت نفسك هذا العناء يا صفوان، لن تستطيع قتلي . وأنا ياصفوان حكاية والحكاية لا تُقتل (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم )[النساء: 157] ، أنا وسواس ، وسواس وغواية ، والخناجر لا تستطيع أن تقتل الوسواس والشوق والغواية . (يغمد صفوان الخنجر في صدرها يترامقان بنظرة غريبة)
ألماسة وهي تتداعى: آه يا أخي ، لم تفعل شيئاً.. إن حكايتي ستزدهر الآن كبساتين الغوطة بعد شتاء ماطر .
صفوان الموهوم بالرجولة والقصير النظر: أنظر يا أبي إني الرجل بينكم . لم يدر ان التاريخ قد انتهك في طريقه كل شيء ، وحول رجولته ورجولة والده إلى شيء فارغ. وحول الزكرت إلى علق لوطيّ. أما المفتي الذي أعفي واستعفى من منصبه ، فقد شق ثيابه (على طريقة عبد الله) وأطلق صيحة مروعة ، ثم لزم بيته . واقسم ألا يذوق طعاماً أو شراباً حتى يأخذ الله أمانته..
إبراهيم: إني أبكي ولا ادري لماذا!
حميد: على كلٍ انتهت السالفة ، ولعلها بدأت
عبد الله: أنا هو .. وهو أنا غطّاني بنوره فحجب عنّي الخلائق كلها . ثم سألني : ماذا تريد ! قلت اريد ألا أريد . قال قد أعطيناك .. أنا هو .. وهو أنا .. سبحاني .. سبحاني ما أعظم شاني . الله. الله. الله . ها هو الديالكتيك يتعطّل في هذا المشهد الكرنفالي ليتحوّل إلى ألعاب نارية صوفية متهكّمة ، طريفة ، خفيفة الظل.
لكن ما شأن الحلاج حين قال في الزمن المعوجّ، بعد أن أظهر الإيمان كفراً والحق باطلاً: اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي!
وهذه ذروة الغطرسة والتهكّم والكفر ، إنّه الشرك الأعظم على طريقة الرمز ، أي الشرك مرموزاً . فمن جازاه على شركه فقد جازاه مرموزاً ، ومن جازاه على التوحيد والحق فقد عرفه حقاً. جاء في سورة النساء: "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [116]
________________
*سعد الله ونوس: "طقوس الإشارات والتحولات" ، دار الآداب بيروت، الطبعة الثالثة 2005

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول