ماهية إصلاح الفكر المسيحيى؟

منسى موريس
2018 / 2 / 23

فى المقالة السابقة تحدثت عن مقدمة فى إصلاح الفكر المسيحى وأثبت أن الفكر المسيحيى بحاجة إلى عملية إصلاح حقيقية وفى هذه المقالة سأتحدث عن ماهية وطبيعة هذا الإصلاح بشكل مُبسط لأن هذا الموضوع يحتاج إلى تفكيك وتحليل لكل فكرة وكل فكرة تحتاج لمقالة .
أولاً : كل فكر إنسانى بطبيعتة يحتاج إلى تجديد وإصلاح لأنه دائماً يكون الفكر مرتبط بالزمان ولما كان الزمان دائماً يتقدم للأمام وللتطور فيجب أن يتطور الفكر وينمو و إلا سوف يموت ويهلك ويصير محل سخرية أمام العقول المرتبطة بالزمان والفكر المسيحيى ليس له طبيعة إستثنائية بل مثله مثل باقى الأفكار مقترنة بعامل الزمان.
ثانياً : إصلاح الفكر المسيحيى لايُعنى إصلاح المسيحية نفسها لأن لو كانت المسيحية تحتاج إلى إصلاح ففى هذه الحالة لن يكون مصدرها إلهى بل مصدرها بشرى محض لأن معنى وجود إصلاح يساوى ويُعادل وجود أخطاء ووجود الأخطاء ينفى مصدرها الإلهى.
ثالثأ : إن جوهر الرسالة المسيحية أخلاقى بأمتياز ومن المعروف أن المبادىء الأخلاقية السامية تكون فوق الزمان وهذا دليل على مصدرها الإلهى لأن لوكانت الأخلاق مصدرها العقل لكانت تتبدل بتبدل الزمان ومن ثم تصبح نسبية ومن الصعب جداً فى هذه الحالة نصل إلى معيار ثابت للحكم الأخلاقى ولما كان جوهر المسيحية الأخلاق فهذا الجوهر لايحتاج إلى إصلاح فمثلاً أساس المسيحية هو (الحب) "حب الله والناس " فهذا المبدأ لايمكن أن يتغير لأنه خارج إطار الزمان ومحال أن نجد إنسان ذات طبيعة سوية يقول أن هذا الأساس يحتاج إلى إصلاح .
رابعاً : بما أن المسيحية طبيعتها ذات طبيعة أخلاقية إذاً هى لاتحتاج إلى إصلاح ولكن الذى يحتاج إلى إصلاح هو عقل الإنسان المسيحيى الذى جعل من الرسالة المسيحية معلومات جامدة مرتبطة بالزمان ولاتراعى تطوراته, فعملية إصلاح الفكر المسيحيى لاتتطلب إلغاء النص أو تعديلة ولكن وضع النص فى إطاره الأخلاقى وإخراجه من إطار العلم والسياسة والسلطة الدينية والمؤسسات والطائفية أى وضع النص فى مكانه الأخلاقى الصحيح.
خامساً : قاعدة المسيح الذهبية لفهم اللاهوت : لقد كان المسيح مدرك إدراك شديد لهذه المسألة ووضع قاعدة لفهم غاية اللاهوت بالنسبة للإنسان عندما قال فى
(((إنجيل مرقس 2: 27) ثم قال لهم: «السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت) والسبت هنا يُشير إلى الشريعة أو المعتقد فالمسيح يرى أن غاية اللاهوت والوحى هو خدمة الإنسان وليس أن الإنسان يخدم الوحى لأن لو كان الإنسان هو الذى يخدم الله إذاً ما فائدة الله بالنسبة للإنسان؟ ومن المفترض أن الكامل هو الذى يخدم الناقص والطبيب يشفى المريض وليس العكس , هذه القاعدة الذهبية التى وضعها المسيح تعطينا دلالات خطيرة وأهمها أن الوحى يجب أن يراعى ظروف الإنسان الزمانية ولايمكن أن يكون الوحى ثابت وجامد يجبر الزمان عن التوقف ويُقيد ويخنق الذات الواعية بالزمان وهذا دليل على أن السيد المسيح يخبرنا بأن جوهر اللاهوت الحقيقى لايرتبط بالزمان والجمود بل يسمو فوق الزمان ولايُعطله .
ولما كان المبدأ الأخلاقى هو حجر الزاوية فى الفكر المسيحيى وكما ذكرت آنفاً أن الأخلاق فوق الزمان فربط المسيحية بأى شىء غير الأخلاق سواء العلم أو السياسة أو السلطة أو أى شىء خارج نطاق الأخلاق يكون له علاقة بالزمان ولكن لا يراعى تطوراتة فهنا تنفجر جميع الإشكاليات فى وجه اللاهوت .
سادساً : غاية اللاهوت : إن الوحى المسيحيى له غاية وهذه الغاية لاتدخل فى إطار الزمان بتبدلاته وتغيراته ولكن هى فوق الزمان مثل الأساس أى الأخلاق المسيحية وأيضاَ الكشف عن اللامحدود الذى يصعب على العقل الكشف عنه فلايمكن لأى فرع من فروع المعرفة سواء العلمية أو الفلسفية أو أى جانب من جوانب الإبستمولوجيا الكشف عنه
فالله هو الذى يكشف عن نفسه لأنه لايمكن أن يخضع للمعارف البشرية فلا يمكن لأى فرع من فروع المعرفة البشرية أن يصل إلى تصور واحد عن الطبيعة الإلهية لأنى كما قلت هذا الجانب فوق الزمان فطبيعى أن يكون خارج الذات الواعية بالزمان.
فغاية اللاهوت ليست الكشف عن حقائق زمنية سواء كانت علمية أو تاريخية أو عقلية لأن لو كان هدفة كذلك كان العقل المرتبط بالزمان قادر على الكشف عن هذه الأمور وبالتالى يمكن الأستغناء عن اللاهوت.
سابعاً : جوهر عملية الإصلاح الحقيقة هى إخراج كل ما هو له علاقة بتوقف الزمان من إطار اللاهوت هذا لايعنى أن اللاهوت لاينزل إلى حياة الإنسان الواقعية كلا بل معناه فهم غاية اللاهوت أنه غير مرتبط بالزمان فالبتالى يتطور الفكر ولايرتبط بحقبة زمنية معينة وهذا معناه أن يكون لكل فرع غاية فغاية اللاهوت الكشف عن الطبيعة الإلهية والإرتباط بها وغاية العلم المرتبط بالزمان هدفة الكشف عن طبيعة الوجود المادية وغاية السياسة الوصول لقوانين ودساتير تحكم المجتمعات المهم هنا أن يكون اللاهوت خارج إطار الزمان ولايتقيد بزمان معين حتى لا يتوقف ويتجمد ويموت.
ثامناً : فك الترابط بين رجل الدين والنص : من أكثر المشاكل الموجود والتى تحتاج إلى إصلاح هى عملية الربط بين رجل الدين والنص وكأن وجود النص مشروط برجل الدين وهذا ساهم فى تحول المسيحية من علاقة شخصية بالله إلى مؤسسات كنسية لها رتب وأنظمة مع أن هذا يُناقض تماماُ أن تكون المسيحية هى علاقة بين الله والإنسان لآن الله حسب الفكر المسيحيى بمثابة أب والإنسان بمثابة ابن فجعل المسيحية مؤسسة تتكون من رجال دين ورتب كنسية وشعب هذا النظام الطبقى أفسد الخبرة الروحية وجعل اللاهوت ملك لطبقة الإكليروس فقط و هذا ساهم فى إفساد الفكر المسيحي وخلق الكثير من الجهل والتغييب وإحتكار اللاهوت وأصبح اللاهوت مصدر للسلطة والتسلط ولكن من حق كل مؤمن بالمسيحية له حق فى فهم النص ودراستة بدون قيود ولايُشترط وضع مسلمات معينة فالمسلمات هى ماتتوافق مع العقل وروح النص وليس التى وجدت فى التقليد الكنسى والتراث حتى آراء الباباوات لاتعتبر مسلمات .