الشعوبية ، نزعة عنصرية أم حركة تحررية

محمد بن زكري
2018 / 2 / 4

كما نحت الفكر العنصري العبريّ ، ذي البعد الأسطوري الديني الاستعلائي ، مصطلح (الغوييم) أي الأغيار .. الذين هم جميعا أدنى درجة من اليهود ، ليطلقه على كل أبناء الشعوب الأخرى ؛ انطلاقا من فكرة أن اليهود هم شعب الله المختار ، وأن الأغيار (الغوييم) ، ما أوجدهم رب اليهود الخصوصي (يهوه) ، إلا ليكونوا عبيدا في خدمة (الشعب) اليهودي المقدس ، الذي حل بينه الله و حلت في أنبيائه روح الله .

فكذلك نحت العقل العنصري العربيّ ، المثقل تاريخيا بالعصبية القبلية ، مصطلح (الشعوبية) ، ليطلقه على كل أبناء الشعوب الأخرى ، المحمولة بالسيف على التحول إلى دين قبيلة قريش الإسلام ؛ انطلاقا من فكرة أن العرب هم أيضا شعب الله المختار لحمل (الرسالة) الإلهية ، في نسختها الأخيرة الخاتمة ، و أنهم – كأي غالب – هم الأسياد و الحكام ، و أن الآخرين – كأي مغلوب – ليسوا غير موالي .. أي عبيد و أتباع و (أهالي) ، و ليس لهم غير الخضوع أو الموت .

وتخبرنا كتب التاريخ ، أنه عندما غزا الماريشال عمرو بن العاص (برقة) في ليبيا بين سنتي 642/643 م 21/22هـ ، استكتب أهلها الأمازيغ (إمازيغن) صكا ، فرض عليهم فيه - كما يقول ابن خلدون ، ويوافقه كثير من المؤرخين - دفعَ جزيةٍ ، قدرها 13 ثلاثة عشر ألف دينار فرعوني (كأن تقول اليوم 130 مليون دولار) ، يؤدونها إليه سنويا " عن يدٍ وهم صاغرون " ، في مقر حُكمه بالإسكندرية ، مشترطا عليهم في كتاب الصلح ، تحت ظلال السيوف ، أن " يبيعوا أبناءهم و بناتهم ، لسداد ما عليهم من الجزية " .
و في مسلسل حروب التوسع الامبراطوري العربي في بلاد شمال أفريقيا ، أرسل والي مصر عمرو بن العاص ، ابن خالته الجنرال عقبة بن نافع ، لغزو (زويلة) في الجنوب الليبي ، فأعمل السيف في أهلها الأمازيغ (كما يقول البكري في المسالك والممالك) حتي استسلمت ، وفرض عليهم جزية 300 رأسا من الرقيق سنويا . كما أرسل السفاح بُسر بن أرطأة لغزو (ودان) ، فباغت أهلها الأمازيغ في ديارهم ، و هم الآمنون المسالمون ، و أوقع فيهم مذبحة ، انتهت إلى فرض جزية 360 رأسا من الرقيق سنويا .

وفي عهد الإمبراطور معاوية بن أبي سفيان ، تم تكليف الجنرال عقبة بن نافع بغزو (ودان) مرة أخرى ، فأعمل القتل في أهلها الأمازيغ .. جرّاء تخلفهم عن أداء جزية الرقيق ، وقبض على صاحبها (ملكها) ، فقطع أذنه قائلا له : " هذا حتى إذا تحسستَ أذنك تذكرتَ العرب ، فلا تحاربهم " ، ثم سار إلى (جرما) وفرض على أهلها الأمازيغ دفع جزية 360 رأسا من الرقيق سنويا ، وتقدم بعدها إلى (كفرا) ففرض على أهلها الأمازيغ نفس الجزية من الرقيق 360 رأسا سنويا ، و أمر بقطع إصبع ملكها ، الذي سأله : لماذا تفعل بي هذا وقد عاهدتني ؟ فأجابه عقبة : " هذا حتى إذا تطلعتَ إلى إصبعك ، تذكرتَ العرب ، فلا تعود لمحاربتهم " .

أما عن غزو العرب لطرابلس ، فيقول ابن عبد الحكم (في كتابه فتوح مصر والمغرب) ، إن العرب قد أعملوا سيوفهم في رقاب أهلها الأمازيغ ، وغنموا كل ما فيها ، وتقاسموه فيما بينهم . و يقول الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق : " إن مدينة طرابلس ، كانت متصلة العمارات من جميع جهاتها ، كثيرة شجر الزيتون والتين ، و بها فواكه جمة ؛ إلا أن العرب أضرّت بها و بما حولها ، و أجْلَت أهلها ، و أخْلَت بواديها ، وغيّرت أحوالها ، وأبادت أشجارها ، و غوّرت مياهها " . وهو نفس ما فعلوه بمدينة (شَرْوَس) إحدى عاصمتي جبل نفوسا (العاصمة الأخرى هي جادو) ، و كانت حول شَرْوَس 300 قرية ، جلا عنها أهلها ، و تحولت بعد الغزو إلى أثر بعد عين ، فليس في مكانها اليوم إلا بقايا من خرائب و أكوام من الحجارة ، و هو نفس مصير مدينة (زْواغا) على الساحل الغربي لليبيا ، فقد مُحيت من الوجود ، منذ ذلك التاريخ ، و لم يبق غير اسمها و مكانها على الخارطة .

نخلص من هذا السرد الموجز إلى أن ما كان يسمى عند العرب بـ (الشعوبية) ، لم يكن في حقيقة الأمر غير ردة الفعل القومية لشعوب البلدان المغزوّة ، التي تمت أسلمة أهلها ، إبادةً ثقافية ، و إخضاعا و إجبارا عسكريا بقوة السلاح ؛ و ذلك في مواجهة ممارسات الغزاة العرب التسلطية والاستعلائية ، بحق من سموهم بـ (الموالي) أي الأتباع الأدنى درجة من العرب ، تماما كما كان أبناء عمومتهم العبريون ، قد سموا أبناء الشعوب الأخرى بـ (الغوييم) أي الأغيار الأدنى درجة من اليهود .

فمن جانب شعوب البلدان المغزوّة و المفتوحة ، كبلاد فارس و العراق و الهند و الشام و مصر و شمال أفريقيا (ليبيا التاريخية) ، اعتبروا أنهم أصحاب حضارات عريقة و مدنيات راقية ، لا يملك العرب أي حظ منها ، و من ثم فقد رأوا في العرب مجرد بدو أجلاف ، لا يجيدون غير الإغارة و الاحتكام للسيف ، طلبا للغنائم ، فهم بذلك فاقدون لأهلية ولاية الأمر - بعد استقرار الإسلام في تلك الأوطان - بما يتطلبه الحكم ، من تراكم الموروث الحضاري ، في سياسة المُلك وإدارة شؤون البلاد والعباد .

أما من جانب العرب المنتصرين في حروب الغزو ، و المنتشين بالنصر ، و المزهوين به إلى حد التناقض مع مبدأ المساواة بين المسلمين ، فهم كانوا قد ذهبوا إلى تمييز أنفسهم عن أبناء شعوب البلاد المغزوّة و المحتلة . على اعتبار أنهم (أسياد) و أشراف ، و اعتبار أهل البلاد الأصليين (موالي) و عامة و أهالي . و من ثم فإنهم كغزاة عرب - منتصرين - هم أصحاب الحق الحصري المكتسب في السلطة و تقرير الأمور في دولة الخلافة الإسلامية ، و ليس للآخرين - المهزومين - غير الخضوع و الطاعة و إبداء الولاء للأسياد العرب - الغزاة الغالبين - و إلا فإنهم متمردون ، شقوا عصا الطاعة على الحكام ولاة الأمر من العرب ، في الشام أو في بغداد . ومن ثم فهم شعوب آبقة (شعوبيون) ، متمردة ضد حق السيادة العربية ، فاستحقوا التنديد المعنوي والتنكيل المادي ، بتهمة (الشعوبية) .

ولقد كان ذلك من أهم ما أدى في ليبيا التاريخية (شمال أفريقيا) ، ضمن جملة من العوامل الأخرى ، إلى تحوّل الكثير من السكان الأصليين (الأمازيغ) ، إلى ادعاء الانتساب للعرب و التعرّب اللغوي ، حتى إن ابن خلدون قال عن بني يفرن وهوّارا : " وقد تبدّوا معهم - أي صاروا بدوا مع العرب - ونسوا رطانة الأعاجم ، وتكلموا بلغات العرب " . وقال يصف تحول هوّارا من التحضر إلى البداوة ، في موضع آخر من كتابه العِبَر : " صاروا في عداد الناجعة من عرب بني سليم ، في اللغة و الزي و سُكنى الخيام و ركوب الخيل و كسب الإبل و ممارسة الحروب و إيلاف الرحلتين في الشتاء و الصيف ، في تلولهم ، وقد نسوا رطانة البربر ، واستبدلوا منها بفصاحة العرب ، فلا يكاد يُفرّق بينهم " .

و هكذا ، فلم يكن أمام السكان الأصليين (الأمازيغ) ، غير التماهي مع الغزاة العرب ، و تَمَثّل ثقافة العرب (حتى لو كانت ثقافة صحراوية بدوية) ، و فقدان هويتهم الحضرية القومية الأصيلة ، أو رفض الذوبان في الآخر و التمسك بما تيسر من مقومات الشخصية الوطنية ، متمثلة في جملة من العناصر الثقافية الأصيلة ، كاللغة بالدرجة الأولى ، ثم الأزياء و العادات و أساليب العيش ، التي تميزهم كشعب مختلف عن العرب ؛ و ذلك دفاعا عن الذات في مواجهة ممارسات الإلغاء التعريبي ، تحت شعار ذرائعي أجوف ، هو وحدة الأمة الإسلامية .
فالشعوبية إذن لم تكن ، بواقع الأمر ، في الممارسة الحينية - النصف الثاني من القرن الهجري الأول - لشعوب الأوطان المغزوّة ، غير حركة استقلال وطني ، و لم تكن بحينها في الفكر (الذرائعي الرسمي) العربي ، غير مصطلح سياسي ، يحيل إلى ما نسميه اليوم : وطنية أو قومية .
أما و نحن نعيش أحداث و حداثة القرن الواحد و العشرين ، بما تطرحه من تحولات تاريخية عميقة ، و بما يستجد فيها تباعا و بوتائر متسارعة ، من منجزات ثورة الاتصالات ، و حرية تدفق المعلومات ، و تراكم المعرفة العلمية و معطيات الاكتشافات الأركيولوجية . و في سياق إعادة صياغة قصة الحضارة البشرية ، و إعادة كتابة تاريخ الأمم و الشعوب ؛ فإن أي حراك ثقافي أو اجتماعي ، لاستعادة هوية الشخصية الليبية (الأمازيغية) العريقة ، لشعوب منطقة شمال أفريقيا ، متمثلة في عنصرها اللغوي و ميراثها الثقافي ، هو - اليوم - حراك وطني تحرريّ ، و مشروع إحياء حضاري ، جدير بالاحترام والدعم ؛ ما دام تعبيرا عن الانتماء للوطن ، والاعتزاز بتاريخه الحضاري العريق ، وما دام - خلافا لما يفعله العروبيون - لم يجنح بنشطاء الحق الأمازيغي ، إلى التطرف و الشوفينية و إلغاء الآخر .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول