مقدمة فى إصلاح الفكر المسيحيى

منسى موريس
2018 / 1 / 12

هل الفكر المسيحيى يحتاج إلى إصلاح؟ هذا السؤال يقودنا للسؤال الثانى وإذا كان يحتاج إلى ذلك فماهية هذا الإصلاح؟ وهذا سوف أتكلم عنه فى مقالة آخرى.
طبعاً هنا نتكلم عن الفكر المسيحيى فى الشرق الأوسط وليس الفكر المسيحيى فى صورتة العالمية لأن الفكر المسيحيى فى الغرب مواكب للتطورات العلمية والثقافية لكن الفكر المسيحيى فى الشرق الأوسط أصبح الأن خارج نطاق هذه التطورات وأصبح خارج سياق الزمان , بالنسبة للعقول الناقده التى تفكر خارج الصناديق والتى لها نصيب وحظ من الثقافة الحقيقية التى تختلف إختلافاً كلياً عن ثقافة العقل الجمعى ترى أن الفكر المسيحيى قطعاً يحتاج لعمليه إصلاح وهذا يعتبر أمراً بديهياً لأن الواقع يخبرنا كل يوم بوجوب هذا , ولكن الأمر يختلف مع الطرف الآخر الذى لايرى أن الفكر المسيحيى يحتاج إلى إصلاح بل يرى أن الفكر المسيحيى وصل لقمة المعرفة والتقدم وإمتلاك الحقائق الكلية وأن الإصلاح يعمل على تدهور التقدم , سوف أقدم هنا بعض الأدلة والحجج التى تؤكد على ضرورة وجود عمليه إصلاح حقيقية ولن أسرد كل الأدلة بل سأسرد بعضها فقط وهذه الأدلة والحجج تعتبر إجابة على السؤال الأول .
1- التناقض الواقعى للوعى المسيحيى : هناك تناقض واقعى موجود يؤكد على ضرورة هذا الإصلاح وهذا التناقض هو عبارة عن وجود عدد كبير من رجال الدين بمختلف طوائفهم وبرغم ذلك هناك جهل لاهوتى عند أغلب المسيحيين وحالة عدم وعى وحالة من السطحية فى التفكير تخيل لو هناك مدرسة بها عدد كبير ن المُعلمين وبرغم ذلك تجد أغلب التلاميذ لايعرفون شىء عن موادهم الدراسية؟؟!!! أليس هذا يدل على وجود خلل كبير إما من المعلمين أو من التلاميذ وأن هذه المدرسة تحتاج إلى إصلاح؟؟؟ من الممكن أن يقول شخص المهم فى الإيمان وليس الوعى ووظيفة الكنيسة تقريب الإنسان من الله؟! هذا أيضاُ يُسبب كوارث لأن الإيمان الحقيقى يتطلب وعى كما قال السيد المسيح (
إنجيل لوقا 10: 27) فأجاب وقال: «تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك، وقريبك مثل نفسك) والفكر هنا يعُنى الوعى ذاته إذاً الوعى عملية مهمة وضرورية للإيمان ألم يقل الكتاب المقدس فى
(سفر هوشع 4: 6) قد هلك شعبي من عدم المعرفة.(
ثم كيف نبنى إنسان كامل ونهمل جانب المعرفة فيه؟؟ أليس بتغييب الوعى يتغيب الإنسان ثم المجتمع ثم الحضارة؟

2- الوعى المُحدد : فى الحجة الأولى قُلت أن الأغلبية ليس لديهم وعى ولكن هناك قلة لديهم وعى ومعرفة عن بعض أمور اللاهوت ولكن الغريب تجد أن هذه المعلومات تخص الطائفة ولاتخص تعاليم المسيحية ككل أى "المسيحية المجردة"وهذه التعاليم يعطيها رجل الدين للشخص لكى يدافع عن طائفتة ويثبت أن باقى الطوائف خاطئة لدرجة أنك تجد أن الإنتماء للطائفة أصبح أكثر من الإنتماء للمسيح نفسه؟؟!! وهذا طبعاً الذى كان سبباُ رئيساً فى نشر التعصب والكراهية وظهور بعض الأفكار المجنونة مثل عدم الزواج من أصحاب الطوائف المختلفة أو عدم مشاركة أصحاب الطوائف المختلفة فى " التناول والشركة الروحية" هذه الأمور تحتاج لعملية إصلاح وإلا نكون مشاركين فى هذا التعصب ونشر الكراهية والوعى المُحدد هذا يكون سبب دمار لأنه يجعل العقل يفكر بطريقة نمطيقة مرسومة له بشكل مُسبق وبالتالى يكون هذا العقل ليس بعقل لايستطيع التحرر أو النقد بل كل ما يعمله هو تنفيذ ما رُسم له وليس التفكير فيه وتحليله ويمكن القول أن الوعى المُحدد هو تسليم العقل للسُلطة سواء الدينية أو الأجتماعية أو أى سلطة لذلك كان الفيلسوف الألمانى " إيمانويل كانط "يقول عن التنوير " التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذى يرجع الذنب فيه إليه , وهذا القصور هو عدم القدرة على استخدام العقل إلا بتوجيه من إنسان آخر" (1)" .
3- التفكير العاطفى والبعد عن التفكير العقلانى : الخطاب المسيحيى اليوم هو خطاب عاطفى بعيد كل البُعد عن التفكير العقلانى بل على العكس يحاول ويسعى إلى فصل الإنسان المسيحيى عن عقله وتعطيله فمثلاً عندما يتسأل الإنسان عن شىء فى اللاهوت ويريد أن تكون الأجابة عقلية تكون الإجابة من رجال الدين " العقل لن يستطيع الإجابة على هذا السؤال ؟! " وقيس على ذلك الكثير من الأمور اللاهوتية أخرجوها من إطار العقل حتى فقد الفكر المسيحيى عقله وتفشت فيه روح التفكير العاطفى الذى يتأرجح بين الترغيب والترهيب بين السماء والجحيم حتى وصل الأمر إلى التخويف من الأبدية وتشويه الصورة الإلهية .
4-رفض العلم والتمسك بحرفية النص : إن أغلب ثقافة الفكر المسيحيى الأن فى الشرق الأوسط ثقافة غير علمية ولاتقيم أى وزن لبعض الأمور العلمية ولكن تفكيرها شبه أسطورى وخرافى لذلك أغلب الأمور الكونية التى تتشابك مع اللاهوت مثل قصة الخلق أو بعض الظواهر الكونية تميل ثقافة الفكر المسيحيى إلى جعل الكتاب المقدس مصدراً علمياً برغم أنه الكتاب المقدس لم يقل عن نفسه هذا بل الكتاب المقدس رسالتة روحية بحتة هدفها الكشف عن طبيعة الله وكيفية عمل علاقه به وهذا واضح جداً كما جاء فى
((رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس 3: 16) كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر،) فهدف الكتاب الوصول إلى البر أى الكمال الأخلاقى وهذا هو هدف وغاية الوحى وليس الوصول لمعلومات علمية , طبعاً هذا الفكر الذى يجعل من الكتاب مصدراً علمياً فى نفس ذات الوقت يقف ضد النتائج العلمية ويرفضهابحجة أنها تخالف العلم الموحى به من الله ؟؟!! هذه النزعة الأصولية والحرفية تضع الكتاب المقدس فى موقف مُحرج مع العلم وتصنع عقلية متحجرة مُغيبة وتؤدى فى الأخير إلى ترك المسيحية بسبب تناقض النظريات العلمية مع التفسير الحرفى للكتاب المقدس , فوجود عقلية بهذا الشكل تستدعى الإصلاح بالضرورة.
5-المسيحية والسياسة : من المعلوم جداً و بشكل قطعى أن الرسالة المسيحية وجوهرها لايمت للسياسة بأى صله بل تهتم بالروح البشرية وهذا كان واضح فى رسالة السيد المسيح فى (إنجيل مرقس 12: 17) فأجاب يسوع وقال لهم: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ورغم ذلك نجد أن باباوات الكنيسة والكهنة أقحمت نفسها فى المجال السياسى وبشكل سىء جداً أليس هذا يدل على إننا بحاجة لعمليه إصلاح؟
6-إن القيادات الكنسية والعالم الكنسى الذى يقف أمام التنوير يكون بمثابة عائق وحاجز أمام كل مُفكر وللأسف غير مدركين أخطائهم التى أثرت بالسلب على الوعى المسيحيى هؤلاء لايريدون الإعتراف بأن الكنيسة تحتاج إلى إصلاح بل يعتقدون أن فكرهم وصل إلى قمة الوعى و التقدم ويمتلكون الحقائق المطلقة فبالتالى هم فوق كل نقد وإصلاح !
كان يجب على الكنيسة أن تصغى لصوت الفلاسفة والمفكرين عبر الزمان بخصوص الإصلاح وأن تخرج من صناديقها الفكرية الضيقة وتنظر للأمور نظرة الفيلسوف لكن هيهات إنهم يعتقدون إنهم يملكون الحقائق المطلقة .
لقد أفزعتنى مقولة وصرخة الفليسوف المسيحيى الوجودى الكبير " سورين كيركجارد" حين قال :" لقد قضى العالم الكنسى على المسيحية دون أن يدرى"(2) كم هى صادقة وواقعية تصف المدى الذى وصل إاليه العالم الكنسى .
6- موقف الأصوليين من الإصلاح : طبعاً كما ذكرت آنفاً أنهم يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ودائماً ينظرون إلى المُصلحين نظرة غير حقيقية فيعتبرون كل شخص ينتقد الفكر المسيحيى ورجال الدين لدية مشكلة شخصية؟! دائماً يريدون سلب عقل المُصلح وكأنه لايملك عقل بل هو كائن عاطفى وكل تفكيره مدفوع بعواطف سلبية وهذه حالة إنكار للواقع وللحقيقة وهذه النظرة الدوجماطيقية تحتاج إلى إصلاح أيضاً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع : (1) صفحات خالدة من الأدب الألمانى ص 97
طبعة مكتبة الأسرة
(2) -(سورين كيركجارد : دينونة المحبة والمحبة التى لم تحب ص12) 2010