كوارث أقارب الخياط !

عارف معروف
2018 / 1 / 1

كوارث أقارب الخياط !
-------------------------

شهدت ليلة الامس " احتفالات " غير مسبوقة بليلة رأس السنة ، في بغداد والمحافظات ، وكان التعبير عن " الفرح " بمقدم السنة الجديدة قد تم اساسا باطلاق كميات هائلة من الالعاب النارية والمفرقعات وتعداه الى اطلاق الرصاص الحي !
الحصيلة الرسمية المنظورة حتى الان ، لهذه " الافراح والليالي الملاح " مقتل مدنيين اثنين بالرصاص الحي واصابة 200 شخص في كل من بغداد والسليمانية فقط ( بمعنى انه لم تتوفر بعد احصاءات بالنسبة للمحافظات الاخرى )،حسب تصريح وزارة الصحة حتى الأمس ، وقد تضمنت الاصابات حالات مؤسفة لتشوهات وبتر ايادي اطفال بسبب الاصابات !
يلقي البعض اللوم ، كالعادة ، على المجتمع العراقي وتخلفه وطريقة تعبير الشباب الفجة والمنفلته عن مشاعرهم .... هذه تعمية حقيقية للمسأله ، اللوم الاساسي يجب ان يلقى على عاتق الحكومة والسلطات وتعالوا نحسبها معاً :
1- تمنع السلطات او تقيّد تداول الاسمدة النتروجينية المستخدمة في الزراعة بسبب امكانية استخداماتها الحربية ، وقد استخدمت بالفعل في تصنيع عبوات من قبل الجماعات الارهابية . ورغم ان الامكانات التفجيرية ضعيفة بالنسبة لاستخدام هذه الاسمدة وتحتاج الى كميات كبيره لتحقيق اضرار محدودة غير ان مراكمة كميات كبيره منها يمكن ان يؤدي الى نسف مبنى ، وهو الامر الذي سجلته الاجهزة الامنية ووزارة الداخلية في اكثر من حالة سابقا وراح ضحيته العشرات من الشهداء الابرياء . التحفظ والتقييد هنا ، اذن ، صحيح ومبرر ولكن ماذا بالنسبة للسماح باستيراد وبيع وتداول واستعمال عشرات وربما مئات الاطنان من المفرقعات الجاهزة الاشد قدرة على التفجير والتي يمكن بسهولة استخدامها استخدامات حربية اكثر فتكا ؟!
ان المسؤول عن هذا الامر وعدم تقنينه او تقييده هو السلطة وعلى راسها وزارة الداخلية التي لا تتدخل في تحديد ذلك ووزارة التجارة والجهات المسؤولة عن الاستيراد التي طلّقت الواقع من زمان ولم تعد مشغولة بمسألة اسمها اجازات الاستيراد الاّ من باب تعظيم الموارد وجني اكبر حصيلة مالية ممكنة !.
لقد وقعت حوادث مؤسفة لانفجارات مدمرة بسبب خزن الالعاب النارية ومنها انفجار وتدمير مبنى كامل في بغداد الجديدة ، فأين هذه السلطات ، باعتبار المسؤولية الاجتماعية والقانونية ، من معالجة اسباب هذه الحوادث والحيلولة دون وقوع المزيد منها بل والتنبه من قبل الاجهزة الامنية ، مثلا ، الى الامكانات الكامنه والمؤذية لأن تتحول هذه الاطنان الى وسائل مدمرة في ايدي شيطانية ؟!
2- ماذا بالنسبة للرصاص الحي ، سواء في احتفالات الامس او احتفالات فوز الفريق العراقي ، التي كانت ولا تزال تتحول الى كارثة حقيقية على المنكوبين من ضحاياها ؟! ثم هناك جانب اكثر خطورة يجب ان تتحسبه الجهات الامنية وهو ان اجواء الانفلات في اطلاق النار والمفرقعات بهذه الكثافة يمكن ان توفر غطاءا ممتازا للكثير من العمليات الارهابية والاغتيالات ويحول دون تنبه هذه الاجهزة او المواطنين الابرياء الى هذه العمليات !
3-من جانب آخر ، منطقي وعقلاني ، لنفكر ونحسب كم مليون دولار اهدرت بالامس على التسبب بكل هذه الاضرار والعواقب وليس الفرح ، في الوقت الذي ضّجت بعض اجهزة الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي قبل اسابيع، بالعويل على مستشفى امراض الاطفال السرطانية في البصرة الذي ترك دون تمويل وكان يحتاج الى جزء فقط من كلفة هذا الجنون والمجون لاستعادة بسمة الحياة على شفاه مرضاه الصغار ! كم سرير اُشغل في المستشفيات والتي ابلغت بحالة الانذار بسبب الاحتفالات وكان يمكن ان يشغلها مرضى ومصابين بحوادث الطرق او غيرها وهم الاشد حاجة اليها ؟! كم تكلف وضع الاجهزة الامنية والشرطة واجهزة الدفاع المدني ( لم تتوفر لدينا بعد ارقام عن الحرائق التي لابد وان تكون قد حصلت بسبب هذا الطوفان الناري ) في حالة من الانذار وكم كان يمكن لذلك ان يكون مفيدا ونافعا في جوانب وفضاءات اخرى يحتاجها البلد ؟!
4-لا تتهموا الشباب ولا تلوموا الفتية الذين لا يقدرون العواقب ولا ينظرون الى ابعد من حاجاتهم وانفعالاتهم ونزقهم ، لان هذا هو حال الصبيان والفتية في كل مكان عندما يترك الحبل على الغارب ويغيب التوجيه والتربية والالزام القانوني ووجهوا سهام نقدكم وملامتكم ومطالباتكم الى الجهات الرسمية والمسؤولىة التي ينبغي عليها الاضطلاع بواجباتها في حماية الناس والامن والمال العام من كل هذا الهدروالطيش دون مسوغ معقول ....
بعد هذا لابد من تذكر المثل البغدادي الطريف القديم ، فلقد اقمنا الدنيا ولم نقعدها ونحن ، بالنسبة لاعياد الميلاد ، ليسوا سوى ابن عم الخياط الذي خيّط بدلة العريس ، فماذا لوكنا من اقرباء العريّس فعلا او العرّيس نفسه !

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية