التجريب، والاختلاف، وثراء لغة النقد الأدبي .. قراءة لمختارات من الكتب المتفردة الصادرة في سنة 2017

محمد سمير عبد السلام
2017 / 12 / 18

تابعت بعض الكتب التي تتسم بالتفرد، والإضافة للاتجاهات الثقافية السابقة خلال عام 2017 في مجالات عديدة؛ مثل الرواية، والقصة، والشعر، والنقد، والترجمة، والإصدارات الأجنبية؛ وقد تميزت تلك الإصدارات بالتجريب في بنى العلامات النصية، وتداعياتها، وعلاقتها بالأنواع، والفنون الأخرى، والبحث عن التجريب في تكوين الشخصية، أو الصوت الشعري التمثيلي، وعلاقته بالماضي، واستعادة شخصيات من التاريخ، والأدب، والفن في سياقات جمالية، ويومية / شعرية، أو سردية جديدة مختلفة، أو الارتكاز على المحاكاة الساخرة ما بعد الحداثية للماضي في النص السردي، وتأويلاته الإبداعية المحتملة، وتستعاد عوالم الحلم، والفضاءات التشكيلية، أو التصويرية المحتملة، أو يبحث الشاعر عن الأثر الجمالي الداخلي / النفسي للون، والظاهرة، واللغة.
وقد اتسمت لغة النقد هنا بالبحث الواسع عن الدلالات الثقافية، والتعددية التنقيحية للنص، وعلاقاته المتشابكة المعقدة بنصوص، أو علامات جمالية أخرى، أو علاقته بالهوية الثقافية للمكان في بعديه المحلي، والعالمي، فضلا عن الدور الواسع الممنوح للقارئ في اكتشاف الدلالة المحتملة للنص، أو تشكلها الفريد في العالم الداخلي للقارئ.
ويتسع مجال الخطاب في تنوع أشكاله وتداخلها بين الإبداع، والنقد، واستعادة الآخر في صور، وسياقات دلالية ثقافية، وذاتية جديدة، فضلا عن بروز التداخل بين اللسانيات، والنقد في حقل اللسانيات الإدراكية، وثراء نتائجه في الاشتباك مع النص، وعلاماته الجزئية.
وسنعاين هذه الملامح الفكرية، والجمالية في المجالات التي أشرنا إليها سابقا؛ وسنتاولها بالتفصيل، طبقا لكل مجال على حدة، وطبقا للإصدار المختار؛ لتفرده، وإضافاته الفنية.
أولا: الرواية:
*أخيلة الظل لمنصورة عز الدين، صدرت عن دار التنوير بالقاهرة 2017:
ترتكز ساردة منصورة عز الدين على التجريب في وظيفة الراوي الذي يقع ضمن وعي الآخر؛ ومن ثم تتشابك الأخيلة، والحكايات التي تفكك مركزية موقع السارد، ومعرفته الأولي بصورة جمالية ما بعد حداثية، كما تتداخل الأصوات، والأزمنة داخل الشخصيات الفنية، وتوحي بنشوة الاستعادة النصية للماضي، وآلامه المؤجلة في جماليات الحكي.
*لعنة ميت رهينة لسهير المصادفة، صدرت عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة 2017:
ثمة اتصال جمالي بين الذات، والمكان، وأخيلته، وتحولاته الثقافية، فضلا عن قدرة الساردة على تشكيل الشخصيات الفريدة، وتخييلها في سياق يصل بين لحظات حضارية مختلفة، ويقع بين الحلم والواقع في فضاء القرية، وعالمها السحري، وتحولاته النصية / الفنية الممكنة.
*باب الدنيا لمحمد إبراهيم طه، صدرت عن دار النسيم بالقاهرة 2017:
يراوح سارد محمد إبراهيم طه بين المستويات الجمالية العديدة لتشكل الفضاء الجمالي، وعلاقته بمدلولي الموت، والحياة في الوعي المبدع، وكذلك بإشكالية الهوية الذاتية، وحدودها المحتملة بين الواقع، وما وراء الواقع، وعوالم الفن، وصوره.
*خريف البراءة لعباس بيضون، دار الساقي ببيروت 2017:
يذكرنا سارد عباس بيضون بالتعارضات البنائية الأوديبية داخل العائلة، وجذورها الفنية الأدبية من داخل حياة البطل / السارد، وأخيلته، ويومئ إلى العوالم الافتراضية التصويرية في عوالم الشخصية الفنية، وتداخلها مع تفاصيل الواقع، أو استنزافه، وتجاوز حدوده.
ثانيا: القصة القصيرة:
*عين سحرية لمي التلمساني، صدرت عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة 2017:
تستعيد ساردة مي التلمساني عوالم الفن في سياق جديد، وبلغة الكاميرا التي تذكرنا بعوالم آلان روب، وكلود سيمون بصورة تجريبية مختلفة في الكتابة السردية، وتجمع بين الحكي، ولغة الكاميرا، وإكمال الصورة، وتنقيحها في عالم الساردة الذي قد يتداخل فيه ملمحا الغناء، والصمت بصورة ما بعد حداثية، أو يتجلى الصوت التمثيلي للذات في الآخر المحتمل في الكتابة.
*حائط غاندي لعزة رشاد، صدرت عن دار كيان بالقاهرة 2017:
تستلهم ساردة عزة رشاد الكينونة الجمالية للآخر في سياق البحث عن الصوت التمثيلي للشخصية؛ إذ تستعيد صورة غاندي في ذلك السياق، وقد تستعيد أخيلة الطفولة، وما يقترن بها من فانتازيا الرعب، أو المرح، وتعيد تخييل شخصيات مثل شجرة الدر، ودافنشي في سياقات تفسيرية سردية ما بعد حداثية مغايرة.
ثالثا: الشعر:
*أول الجسد، آخر البحر لأدونيس، دار الساقي ببيروت، طبعة جديدة 2017:
ترتكز العلامات الشعرية التمثيلية في ديوان الشاعر المبدع أدونيس على المزج بين الفضاءات الذاتية، والكونية، وأخيلة الحب، والتعاطف التي تنتج الموسيقى، والتناغم بين الجسد، والأرض، واتساع مدلول الضوء، وسياقاته التصويرية الجمالية في الوعي المبدع، وتداعيات النص.
*أطير عاليا لفريد أبي سعدة، المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة 2017:
يجمع الشاعر المبدع فريد أبوسعدة بين العوالم التصويرية الحلمية، والكونية، واليومية في تداعيات النص، ويتصل نصه الأدبي بالتشكيل المحتمل في الفضاء الجمالي، والإشارة إلى الصورة السينمائية، والحضور الاستعاري للذات، والآخر في النص، وفضاءاته التعددية المتداخلة.
*حرف من ماء لأديب كمال الدين، منشورات ضفاف ببيروت، والرياض 2017:
الحرف مفتتح تفسيري للذات، والعالم في مشروع الشاعر العراقي المبدع أديب كمال الدين الشعري، ويمتزج هنا بالصور التمثيلية لكينونة الذات، والأنثى، وأخيلة الماء في الوعي المبدع، وبتحولات علامة المرآة الجمالية، وتناقضاتها في وعي، ولاوعي الصوت المتكلم، وارتباطها بأطياف الآخر، وأصواته المحتملة، وكذلك بالبنى الثقافية والأسطورية للمكان، وذاكرته، واتصالها بالعالمي، وشخصيات الفن، والتاريخ.
*ضوء العتمات لمحمد بنيس، مختارات شعرية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، إصدارات خاصة 2017:
يجمع الشاعر المغربي المبدع محمد بنيس بين جماليات المكان، وثقافته، وصوته الداخلي الخاص، ويحتفي بالإيحاءات التشكيلية للنص، والتحولات الداخلية لسيمياء اللون، وصيرورته، وإنتاجية النص للصور المتلاحقة، ومجالها الفني الواسع الذي يصل إلى فضاء القصيدة نفسه، وكذلك تنوع أشكال الخطاب بالتوازي في الصفحة الواحدة.
*قليلا من الذهب أيتها الشمس لعبده وازن، مختارات شعرية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، إصدارات خاصة 2017:
يجمع الشاعر اللبناني المبدع عبده وازن بين الصوت التمثيلي الشعري للأنا، والقراءة التنقيحية النصية للآخر طبقا لتعبير هارولد بلوم؛ إذ يستعيد الآخر / الفني في سياق الإكمال الجمالي النصي، وفي خطاب تخييلي جديد، يمزج بين الأنا، والآخر، وفاعلية أخيلة الفن، وتحولاتها الداخلية المحتملة في الصوت المتكلم؛ وقد قام الشاعر بتخييل أوفيليا، ونرسيس، وهملت في مسافة بين الداخل، وإيماءات التراث الثقافي.
*بلا خبز ولا نبيذ لمؤمن سمير، الهيئة العامة للكتاب، كتابات جديدة 2017:
يعيد الشاعر المصري المبدع مؤمن سمير اكتشاف الكينونة من خلال نزوع نيتشوي تصويري داخل فضاء الذات، كما يستعيد نماذج اللاوعي، ويستلهم شخصيات الفن، والتاريخ في سياق علاماتي تحويلي للصوت، وفاعليته الاستعارية الممكنة؛ إذ استعاد راسبوتين، وساد في نسق خطابي، وتخييلي متجدد في النص، ويحتفي الشاعر بتفاعل العلامات الشعرية الجزئية، وتفكيكها للمركز في النص.
رابعا: النقد الأدبي:
*فيض المعنى لخالدة سعيد، دار الساقي ببيروت، طبعة جديدة 2017:
تراوح الناقدة خالدة سعيد بين إنتاجية النص، وإنتاجية القارئ للدلالة؛ ومن ثم تحتفي بتعددية الدلالة، وتأجيل استقصاء المعنى في النص، ثم تتناول التحولات الغرائبية في شعر أنسى الحاج، وارتباك التناغم بين الذات، والعالم في الرأس المقطوع.
إن الناقدة تؤكد ثراء البحث الدلالي انطلاقا من إيحاءات النص، واتساع تجربة القارئ، وثقافته، وقدرته على الاستقصاء المختلف للدلالة النسبية التعددية.


*صيادو الذاكرة لرضوى عاشور، دار الشروق بالقاهرة، طبعة ثانية 2017:
تناقش رضوى عاشور بعض الملامح، والتيمات الفنية في نصوص أدبية متفرقة، فضلا عن بعض التصورات المقارنة؛ فتعرض لملمح التصوف في حي بن يقظان لابن طفيل، والخلاص بمستواه الفردي، أو الجماعي عند كل من هيمنجواي، وأيتماتوف، ثم توازن بين تناول محفوظ للتاريخ، وفتراته المتعاقبة في الرواية، وارتكاز أصلان على لحظة الحاضر المكثفة، والتحول في بنية المكان.
يقدم الكتاب – إذا – تصورا نقديا، وثقافيا للنصوص، يقوم على ثراء علاقتها بالآخر، وباللحظة الحضارية الراهنة.
خامسا: الكتب المترجمة:
*أوراق العشب لوالت وايتمان، ترجمة وتقديم: رفعت سلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة 2017:
يعاين الصوت المتكلم عند والت وايتمان جماليات الصور، والأطياف، وصيرورة علامات العالم، وتناقضاته في الوعي المبدع بصورة يغلب عليها التأمل، والتعاطف، وتجاوز النهايات، وكذلك الانفصال بين الذات، وتمثيلاتها التصويرية المحتملة.
ويرى الشاعر المبدع رفعت سلام – في تقديمه للديوان – أنه يحتفي بالحب، والحياة، وتفتح الطاقات الإنسانية، ومحبة الآخر بلا تمييز، ويبحث عن مطلق الجمال الإنساني، وأنا الإنسان في جميع أشكاله، وتحولاته. (راجع، رفت سلام، تقديم أوراق العشب لوايتمان، ص 9).
ونقرأ في قصيدة وايتمان أجلس، وأتطلع:
"أجلس، وأتطلع إلى أحزان العالم / وإلى كل قمع وعار / ... أرى نتائج المعركة، والطاعون، والطغيان، أرى الشهداء، والمسجونين/ أرقب مجاعة في البحر/ ... كل هذا، كل الوضاعة، والعذاب بلا انتهاء، أجلس، وأتطلع فيه / أرى، أسمع، وأنا صامت". ص 487.
يعاين الشاعر صيرورة الصور، وتجليها الداخلي العابر للزمكانية، كما تختلط بنية الصوت المتكلم بأطياف الآخر التي تقاوم الموت بداخله؛ فالآخر يحيا في تمثيلات الوعي المبدع، وفيما وراء الواقع في النص.
*الوحش، ونصوص أخرى لأكوتا كريستوف، ترجمة وتقديم: محمد ماشتي، مراجعة: أحمد الويزي، دراسة: أ.د. سعيد كريمي، المجلس الوطني للثقافة، والفنون، والآداب بالكويت 2017:
يجمع نص أكوتا كريستوف المسرحي بين إيماءات الفانتازيا الممزوجة برعب عبثي مؤجل، والتأويلات النسبية المحتملة، والمتصارعة حول علامة الوحش، وعلاقته المتناقضة بالبشر، فضلا عن تفكيك النص لمدلول السعادة، وارتباطه الإشكالي بالموت، والحياة، وأعتقد أن علامات النص محملة بالدلالات الثقافية، والحضارية الجمالية الخفية المتمركزة حول صيرورة الوحش، والشخصيات.
*تقديم الأدب المقارن، اتجاهات، وتطبيقات جديدة، لسيزر دومينغيز، هاون سوسي، داريو فيلانويفا، ترجمة: فؤاد عبد المطلب، المجلس الوطني للثقافة، والفنون، والآداب بالكويت 2017.
يناقش الكتاب إسهام الدراسات البينية في حقل الأدب المقارن، وإمكانية الدراسة السيميائية لعلامات الأدب، وعلاقتها بالفنون الأخرى؛ مثل السينما، والتشكيل، والموسيقى؛ ومن ثم يتسع مجال الدراسات المقارنة من حيث النطاق، والاتصال بالثقافة العالمية، وتطور الدراسات الأدبية.
سادسا: الدوريات:
*فصول، مجلة النقد الأدبي، العدد رقم 100 (مئة)، صيف 2017، الهيئة المصرية العامة للكتاب، محور العدد (الإدراكيات):
يستقصي العدد حقل اللسانيات الإدراكية، وعلاقته بالنقد الأدبي؛ إذ يجمع بين علم العلامة، ودراسة العمليات العقلية الإدراكية في الفن، ويستكشف الدلالات الثقافية للنص؛ ومن ثم فهو حقل لغوي نقدي بيني، يسهم في اتساع الإنتاجية الدلالية للنص.
سابعا: الكتب الصادرة باللغة الإنجليزية:
*كليوباترا، كينونتي نار، وهواء لهارولد بلوم، طريق الأمريكتين بنيويورك 2017:
Cleopatra: I Am Fire and Air, Harold Bloom
يناقش الناقد الأمريكي هارولد بلوم شخصية كليوباترا طبقا لشكسبير في سياقات جمالية، وفنية، وثقافية جديدة، تومئ بثراء لغة النقد، وإنتاجها للدلالات النصية طبقا لعلاقات النص المتشابكة بالآخر المحتمل، وبتجربة القارئ الذاتية؛ إذ يستدعي بلوم أداء الممثلة جانيت سوزمان، وإيماءات الرغبة، والتحول في تجسيدها للشخصية في السينما، ويناقش تغير كينونة كليوباترا الخيالية نحو الهواء، والنار في سكرة الموت، وعلاقة حبها لأنطونيو بقصة أوزوريس، ويستعيد – في هذا السياق – شعرا لد . ه. لورنس.
*الرواية التاريخية، والنزعة العالمية في حقبة ما بعد الحداثة لسوزان برانتلي، روتليدج بنيويورك 2017:
The Historical Novel, Transnationalism, and the Postmodern Era, Susan Brantly
تناقش الناقدة سوزان برانتلي توظيف الميتا فيكشن، وتقنيات استعادة التاريخ في السرد الروائي ما بعد الحداثي، وإشكالية كتابة هوية ثقافية مختلفة، وتومئ لبعض أعمال كالفينو، وكوتزي، وماركيز، ثم تسهب في تقنيات الرواية التاريخية فيما بعد 1960، أو حقبة ما بعد الحداثة، ونمو الإحساس العالمي في الرواية السويدية.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول