أمسية حزينة

إيمان مصطفي محمود
2017 / 12 / 9

مساء الخير أيتها المدن الحزينة المنكوبة , أيتها القري الجريحة المتناثرة علي رصيف التاريخ بعد أن تجاوزتها كل القطارات التي ستلحقها بالركب , فبقيت عارية وحيدة في مواجهة الحرائق.
مساء الخير أيتها الجثث المُتفحمة والأطراف المقطوعة بلا شريعة
مساء الخير أيتها الأم الثكلي , أيها الأب المكلوم
أيتها الزوجة المترملة , أيها الطفل المُيتم
مساء الخير أيتها الأضواء التي أطفئت باكرا لتترك الموتي ينامون بلا صخب
مساء الخير لمن لا يقول لهم أحد مساء الخير، أولئك الذين لا يتذكرهم أحد , للذين يجلسون لوحدهم على قارعة العزلة ولا يأتي أحدهم ليقتحم بوابة عزلتهم ليسألهم كيف الحال.
الذين لا أصدقاء مقربون لهم ولا أحبة ليسمعوهم أشعارهم الحزينة، ليس لأنهم إنطوائيون بل لأنهم يهتمون كثيرا بالتفاصيل الصغيرة فنبذهم هذا العالم البائس الذي تستهويه العناوين العريضة المخادعة، ففضلوا العزلة على صنع عناوين تجذب الذباب.
أولئك الذين يحتفظون بقصص حزنهم وأغاني فرحهم لأنفسهم لأنهم لم يجدوا أحدا لمشاركته كل ذلك , الذين فضلوا أن يصادقوا شخصيات سريالية في خيالهم عوض فرض أنفسهم على من قد لا يرغب برفقتهم.
مساء الخير للعاديين والمتشابهين الذين يزدحم بهم القاع , الذين لا يصرخون طوال الوقت أنهم مختلفون ولا يزعجهم أن يجدوا آلاف النسخ منهم، المتصالحين مع الروتين والذين يسلكون طريقا واحدا ويرتادون مقهى واحدة ويلبسون كما أتفق، لا ينتبهون إن كان لون الحذاء متناسقا مع شكل الملابس الداخلية أم لا .
مساء الخير للغرباء، الذين لاينتبه أحد لمرورهم , ولا يحس أحد بغيابهم، الهائمين على هوامش المدن والحياة , لمن لا مكيفات هواء لهم في هذا الحر، ومع ذلك يقرؤون إرساليات شركة الكهرباء ويحفظونها في هواتفهم ، الذين يشعرون فقط بالحر عندما يجدون أنفسهم في حضرة مكيف هوائي , الذين لا يضع لهم أحد إعجابا أو تعليقا على منشوراتهم ومع ذلك يستمرون في النشر دون توقف .
لا تسألوا كثيرا
فهذا العالم فقير جدا لا يملك خبزا ليقدمه لنا , لكنه لا يبخل علينا بإرسال الموت لكنسنا من طريق سندته ومالكيه , يرسله في شكل رصاص وحرائق وشاحنات مجنونة ولُحي قبيحة وذئاب مسعورة تنهش ما بقيّ من ملح جلودنا المتيبسة غضبا وقهرا .
وهذا الوطن سيكتفي بأن يقدم موتانا خبرا عابرا في نشرة الثامنة بعد أخبار نشاط سيادته وفخامه قواديه , ثم يُعلن حزنه في بيانٍ مُختصر كتبه علي عجل من لاوقت له , لأنه مشغول بأصحاب القصور الفخمة والبطون الكبيرة والحسابات المُهربة من دمائنا ليقتات من فتات موائدهم الراقصة علي نخب أشلائنا التي لم تُدفن بعد .
فليرقد موتانا في سلام وليرحم الرب من بقي منّا حيا ينتظر دوره في المحرقة .!

بقلم/ إيمان مصطفي محمود

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان