توظيف وليس توصيف الشعر

عثمان فارس
2017 / 12 / 8

توظيف، وليس توصيف، الشعر
في الرد علي: (في شأن الحساسية الجديدة للشعر اما هي واما هي !!)
ـــــ عثمان عبدالله فارس ـــــ

(في شأن الحساسية الجديدة للشعر .... اما هي واما هي !!) مقال كتبه الأستاذ/ جابر حسين علي خلفية (رصده) لإحتفالية الحزب الشيوعي بمدني بذكري ثورة اكتوبر المجيدة، وفق ما أشار اليه الكاتب في مستهل المقال انه كتب هذه المساهمة بعد تعرضه لانتقادات و (لوم) من بعض أصدقائه جراء النقد(الحامض) الذي وجهه للشاعر بدر الدين صالح . في قصيدته (كن شيوعياً كما كان نقد) ومطلعها :
كن شيوعياً كما كان نقد
كن كما كان ... فان لم تستطع
فتاسي بالذي لم ينثني عن خطه
او ينحني للغالبين في أحد
قال الكاتب ضمن مقاله الأول، التقرير/ الرصد ــ والذي اري انه من شأن هيئة وليس فرد، ولكن هذا لا يهمنا ــ ونحن هنا بصدد تقييمه للقصيدة و ما قاله عن الشاعر/ بدر الدين صالح :ــ
[و .. بدر الدين صالح فإنني أراه يبتعد كثيراً عن ان يطلق عليه شاعر، فهو الي الهتاف الزاعق أقرب والي الصراخ العالي ناطقاً بما يراه شعراً] .... ومضي الكاتب في نقده للقصيدة و اصفاً إياها بانها من (ضروب) المديح وأضاف ان الراحل نقد ذاته ضد مدح الشخوص...الخ، نعم هذه من البديهيات التي يعرفها كل أفراد الشعب السوداني عن الراحل العظيم/ نقد وهي عدم ارتياحه او رفضه لمديح او تبجيل الأفراد، ففي ندوة الأهلية الشهيرة بعد الإنتفاضة، كان احد الشباب المتحمسين يهتف بحياة نقد فقاطعه الراحل ... ( قول عاش نضال الشعب السوداني نقد زول زيك وأرق منك) . ولكن هل القصائد/ الشعر الذي يكتب في حضرة جلال الشهداء/ الرموز الراحلين يسمي (مديح) ... لا أعتقد ذلك .
هو أقرب للمراثي او البكائيات وفق التصنيف (الكلاسيكي) لضروب الشعر العربي القديم، وبقدرة شعراءنا التقدميين، الخلاقة أستطاعوا تغيير وتطوير هذه المرثيات الي مصدر للصمود والثبات، مستلهمين للإرث النضالي الباذخ للراحلين ليكون مصدر قوة و وحدة وبذلك تحول مضمون (البكائيات) الي فرح وإحتفاء جمعي واستشراف للغد المأمول، بالتحريض للسير علي خطاهم ومنهجهم، وإقتفاء وإستلهام ارثهم النضالي .
ولذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال، و وفق أي معيار او منهج ــ قديم او حداثي ــ توصيف ذلك النوع من الشعر بأنه (مديح) .
الشاعر الملتزم هو ضمير الأمة ــ وأعتقد ان بدر الدين هو من تشملهم هذه الصفة، والفن عموماً والأدب المنحاز لقضايا الشعوب وبسطاء الناس، هو المرآة التي تعكس واقع المجتمع الردئ، وتستشرف المستقبل الأجمل . وهو المساهم ــ مع عوامل أخري ــ في نشر الوعي بضرورة التغيير، فالقصيدة يا سادتي الأجلاء لا تصنع ثورة ولكنها تضئ الطريق للتغيير المنشود او كما قال الشاعر القدال :
ولادك قصادك شعاع التخايـا
تضوي الشقوق التلم الدوابـي
توري الدروب للقلوبهم عمايا
الأستاذ جابر من النقاد المقتدرين، وأعتقد ان ذلك مجال تخصصه الأكاديمي، ويمتلك ذخائر معرفية وثقافية مدهشة، لكنني اراه، يسعي لتطوير الشعر ذاته ــ خارج سياق المجتمع المنتج للشعر والذي يهدف ــ الشعر ــ لتغييره.
ففي إحدي اقتباساته يقول: [الشعر هو فعل مبهر وضاح في حياتنا ينمو ويزدهر في زمن السلم] وهذا بالضرورة لابد أن يقودنا لنوعية ولونية الشعر الذي يولد في زمن اللا سلم وفي هجير مجتمعات القهر، وكبت الحريات !!
فمجتمع أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية انتج مدارس فنية /ثقافية، عدمية مثل الدادوية او الدادية (DADES) كتعبير او مرآة لذلك المجتمع المأزوم، عليه أري ان دراسة وتقييم الفن او الشعر تحديداً، خارج اطار (البيئة والمناخ) الذي انتج ولد في كنفه الشعر، لا يقودنا لنتائج ايجابية، او رؤيتنا له تكون قاصرة !!
المراثي/ الملاحم في الشعر السوداني :ـــ
قليلية هي البحوث والدراسات المنهجية، التي كتبت عن وفي الشعر السوداني الحديث (التقدمي) خاصة بعد النكسة او ردة يوليو 1971م ــ كثيرون هم الذين يؤرخون للنكسة بنكسة يونيو 1967 م، وهذا اسقاط عروبي علي واقعنا السوداني، ولكن النكسة الحقيقية للشعب السوداني هي ردة يوليو 1971 م والتي خلقت وتشكل علي أثرها واقع ثقافي، و أنتجت اشعار وقصائد جديدة شكلاً ومضموناً، يختلف نوعاً ما عن ضروب الشعر التي كانت معروفة ومألوفة شعراء (الحداثة) ــ وقتذاك ــ وشعراء (الغابة والصحراء) وشعراء (الأكتوبريات) . هي مزيج بين البكائيات وأشعار الحماسة، و تبجيل الوطن .. وتتضمن كذلك كثير من الترميز واضح الدلالات .
هي محاولات و إسهامات مجيدة لزراعة الأمل والفأل في (تربة) الحزن، علي فقدان الرموز و في (مناخ) الإحباط . (العساكر والأطفال) اول دواوين شاعر الشعب محجوب شريف سارت واتخذت ذلك النسق :
(غني يا خرطوم ) والاغنيات الخالدات في تبجيل شهداء يوليو الأماجد :ــ
[لوخنت ما سكن الضمير
لو بعت نفسك بالركوع
لو إشتهيت بالذلة للبيت الرجوع
ولو هرولت في اللحظة ديك منك دموع
كان إنطفيت وطفيت معالك بعض الشموع]
هذه (أغنية للشهيد عبد الخالق محجوب) هل يمكن توصيفنا لها بأنها مديح ؟؟
(أقوال شاهد إثبات) للراحل/ محمد مفتاح الفيتوري . (طبلان و واحد وعشرون طلقة لـ 19 يوليو) للأستاذ الشاعر/ كمال الجزولي .(اغنية لقاسم امين) للراحل/ حميد . وكثيرون من شعراء تلك الحقبة لا يسعهم هذا الحيز، ومن جاءوا بعدهم ساهموا في تأسيس مدرسة او لونية شعرية جديدة بكل المقاييس، سودانية لحماً ودماً، وجغرافية وتاريخاً .
ما نحتاجه حقيقة هو سبر أغوار و(تنقيب) تلك الملاحم الخالدات من خلال (دراسة مقارنة) للواقع السوداني الذي أنتجها، بعيداً عن (الإكشيهات) الجاهزة مثل هتافية او تقريرية ... او خلافه !
وهذا لا نحصل عليه الا بالنظر لأركان العمل الفني الإبداعي الثلاثة وهي : الزمان والمكان والهدف، واي تقييم لـ (بنائية) القصيدة خارج ذلك الإطار يعتبر (مثاقفة صالونات)، فلا زالت ــ علي سبيل المثال ــ (جوابات الزين وست الدار) هي الاكثر جاذبية وأعمق أثراً، لقطاعات واسعة جداً من جماهير الشعب السوداني التي لا تعرف (لويس اراجون) ولم تسمع بـ (كوروتشيه) وتنفعل وتنتشي لحد الانجذاب الصوفي بـهتافية (حميد) :
[أيد العامل هي العاد تنتج
مو المكنات الامريكية
وزيت العامل هو العاد يطلع
مو المكنات الامريكية
و درن الايدي العمالية
انضف من لسنات الفجرة
ودين الدقن الشيطانية ]
قبل الختام :ـــ
لم أجد جدوي من الكلمات
سوي رغبة الكلمات في تغيير صاحبها
ـــ محمود درويش ــــ
القيمة الحقيقية للكلمة ــ أي كلمة ــ هي مقدار ما تحدثه من أثر في عقل و وجدان متلقيها، وعليه أري ان تقييم القصيدة/ الشعر، او أي عمل ابداعي، هو ما يحدثه في الجانب التنويري، أي الإفادة قبل الإمتاع، وعلي ضوء ذلك يكون نجاح القصيدة ــ خاصة تلك التي تتلي او تلقي في المنابر ــ في مدي تفاعل الجمهور مع العمل الفني ــ الشعر .

الحصاحيصا
نوفمبر 2017م

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت