الدولة أولاً...

شاكر كتاب
2017 / 10 / 26


أفرزت الأحداث الأخيرة والخلافات الحادة بين الحكومة الإتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان أن هناك خللاً بنيوياً في تركيبة المشهد السياسي الذي أفرزته ما يسميها البعض باعتزاز شديد بـ " العملية السياسية ". وهذا الخلل يستند في وجوده أصلا إلى خطل في الرؤيا الإدارية التي يتمسك بها القائمون على السلطات في المركز والإقليم على حدٍ سواء. ونذهب أبعد لنقول أن هذا الخطل قد فرضته ظروف الحصار الظالم على شعبنا في تسعينات القرن المنصرم واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وقيادة السلطة مباشرة من قبل سفيرها بول بريمر.
ولنبدأ من آخر السلسلة.
أولاً :
وفي أعقاب صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 عام 1991 قامت فرنسا وبريطانيا وأميركا بإنشاء منطقة آمنة شمالي العراق بالقوة بمساحة قدرها 2400 كم2. كما فرضت حظرا جويا على الطيران العراقي عند خط عرض 36 شمالا، وكانت قاعدة أنجرليك التركية هي مركز الطائرات التي قامت آنذاك بتنفيذ الحظر. وبالرغم من أن أمريكا قد اعلنت أن هذه المنطقة مؤقتة تنتهي مع عودة اللاجئين وتسلم الأمم المتحدة إدارة شؤونهم . ألا أن في الحقيقة بقيت هذه المنطقة محمية من قبل القوات الغربية واستطاع الحزبان الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني أن يؤسسا بشكل غير رسمي لإدارة مستقلة تماماً عن بغداد بعد أن مرت علاقاتهما بكثير من أشكال الصراع بينهما بما فيها الدموي. وعندما اصبح العراق تحت الإحتلال الأمريكي عام 2003 كانت كردستان العراق مهيئة إداريا وسياسياً وحتى اقتصاديا لتتمتع باستقلال شبه تام عن بغداد.
ثانياً:
دخل المحتل الى العراق بعد أن اشبعه ضعفاً بسبب الحصار الطويل اقتصاديا وسياسيا وعسكرياً. ومع دخول المحتل كانت الدولة العراقية قد سقطت بالكامل وأجهز عليها بحل الجيش والأجهزة الأمنية ووزارات أساسية ومؤسسات هامة أخرى.
ثالثاً:
في هذه اللحظات بالضبط كان الكرد مدعومين على كل الأصعدة من قبل سلطات الإحتلال. وكانت المؤسسات الكردية مستقرة وتؤدي أعمالها بشكل جيد. في مقابل فوضى عارمة في بقية أنحاء العراق.
رابعا:
جاء دستور عام 2005 ليقرر أن العراق دولة اتحادية وأن كردستان العراق هي إقليم إتحادي. ونذكر مرة أخرى أن الدولة كانت ضعيفة للغاية في حين كان الإقليم أقوى بكثير. فلقد اشتعلت الحرب الطائفية في نفس الوقت الذي ازدادت مقاومة المحتل من قبل العراقيين. واذا كان الإحتلال وقبله الحصار قد دمّرا العراق وبنيته التحتية فإن الحرب الطائفية قد مزقت نسيج المجتمع العراقي مع ما رافق ذلك من شهداء وضحايا وأرامل وأيتام ومعوقين ومهاجرين وتهجير وعاطلين عن العمل وخراب اقتصادي شامل وانتشار الجريمة المنظمة والعصابات وشبكات الفساد وسرقات المال العام وضياع الآفاق وغياب كامل للدور الفاعل للدولة.
خامسا:
جرت الإنتخابات النيابية الأولى عام 2005. وقد رافقها سيل كبير من التزوير والإغتيالات والتهديد وصدور فتاوى متناقضة المواقف من المشاركة فيها. فجاء أول برلمان عراقي بعد الإحتلال عليلأ كسيحاً بلا أية إرادة وطنية سوى اتباع قرارات رؤساء الكتل الذين كان القادة الكرد أقوى عناصرهم.
سادساً:
عملا بهذا الدستور الذي استند في فلسفته على الرؤيا الأمريكية راحت الإدارة الكردية تأخذ شكل الإقليم المتكامل مع وضعه لشروط ثقيلة للتعاون مع بغداد في مقابل تحالفات سياسية مريبة تتعلق بالحكومة وتركيبتها والمحاصصة فيها. فحصل الإقليم على المزيد من الإمتيازات المالية والسياسية والإقتصادية في موازاة اضعاف مستمر للدولة وبقية أجزائها.
سابعاً:
مما سبق من تفاصيل مضافاً إليها إخلاص القادة الكرد لقضيتهم القومية في مقابل خيانات القادة العرب لدينهم ووطنهم وتفضيلهم مصالحهم الشخصية والعشائرية والطائفية فلقد كان من الطبيعي أن يصبح الإقليم اقوى من المركز أي من الدولة من كل النواحي. ولا ينبغي أبدا أن يفوتنا ذكر التحالفات غير المقدسة التي رافقت انهيار الدولة التدريجي وصعود نجم الإقليم من قبيل التحالف الإستراتيجي الشيعي الكردي. أو احتواء القيادات الكردية للقادة السنة اثناء تعرضهم لملاحقات غير نبيلة قامت بها بعض أطراف الحكومات المتعاقبة . هذا الإحتواء الذي سيتحول قريباً إلى تحالف اسراتيجي سني كردي.
ثامناً:
مع دخول داعش الى عدد من محافظات العراق ومع إثارات متكررة من قبل القادة الكرد لما سمي بالمناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك الغنية بالنفط وسهل نينوى بل ودخول البيشمركة ( جيش الإقليم ) الى كركوك بقوة السلاح واحتلالها بحجة حمايتها من داعش في الوقت الذي اتخذت فيها كل الإجراءات لضمها الى الإقليم بدءاً من السيطرة على آبار النفط وصولا الى إجبار اهلها للمشاركة في ما سمي بالإستفتاء مرورا بالتغيير الديمغرافي للسكان وبمجلس المحافظة ومحافظها الذي عرف علناً بشوفينية مفرطة.
تاسعاً:
ثم جاء الإستفتاء الذي قصم ظهر البعير رغم أنه لم يكن قشةً بل من أكبر كل انواع البلوزرات. ثم استتتبع الكثير من الفعاليات السياسية والأمنية انتهت باستعادة كركوك والكثير من المناطق التي لم تعد متنازعاً عليها. ورافق ذلك إنشقاق خطير في الصف الكردي ( بين السليمانية وأربيل ) وفي كل حزب من الأحزاب الرئيسة المسيطرة في كردستان العراق.
كل ما تقدم , وكل ما جرى يضع أمامنا درساً لا ينبغي أبداً تجاوزه وهو :
1- أن الدولة الضعيفة المفككة لا يمكنها تأسيس أقاليم لا ذات طابع قومي ولا ديني لأنها غير مؤهلة لأي إجراء إداري حاسم بل ستقع تحت إملاءات شروط قادة الأقاليم, لا سيما إذا لم تتوفر قيادة اتحادية وطنية وغيورة.
2- لا يمكن السماح لأي إقليم أن يكون أقوى من الدولة – المركز كما جرى في العلاقة بين إقليم كردستان وبغداد.
3- لا يمكن ابدا القبول بتمتع اي إقليم بصلاحيات هي من اختصاص المركز اي الحكومة الإتحادية.
4- لا يجوز ابدا التفكير بتأسيس أقاليم ( حتى الإدارية منها ) ما لم يصار إلى إنجاز بناء الدولة القوية العادلة أولاً وقبل كل شيء.
5- يبقى أن نتساءل ما فائدة الأقاليم وما ضرورتها ودرجة الحاجة لها إذا ما توفرت لدينا دولة قوية عادلة , تعتمد في أسسها الجوهرية مبدأ المواطنة والإزدهار الإقتصادي والرقي العلمي والحضاري وتحافظ في ذات الوقت على كامل حقوق الإنسان بل حتى حقوق الحيوان والزرع وعلى التميز الثقافي والطقوسي لكل مواطن ولكل مجموعة بشرية أو شريحة أو دين ومذهب وعنصر.؟؟؟؟. إلا إذا اتفقنا على الحاجة لحلول إدارية مناطقية محددة في بعض المحافظات لا يمكن ان يتوفر لها مكان في في محافظات أخرى.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا