هل نحن شعب متسامح؟

عثمان فارس
2017 / 9 / 25

هل نحن شعب متسامح
ـــ عثمان عبدالله فارس ــ
مدخل : ـــ
كثيرة هي الصفات الايجابية/ الحميدة التي يتباهي بها قادتنا وانتليجنسيتنا ويرددونها، في كل المناسبات، بأن الشعب السوداني يتصف بها، حصرياً، دون سائر بقية الشعوب، وكأننا (العنزة الفاردة) او خارج دائرة الصراع ولا علاقة لنا بحتمية التطور الإنساني، ومن تلك الصفات صفة التسامح .
فهل نحن ــ الشعب السوداني ــ شعب متسامح ؟
ومتي، ولماذا تعلو تلك (النبرة) التفاخرية، علي مستوي الإعلام الرسمي؟
التسامح هو مقدرة الفرد علي تجاوز الإنتهاكات الواقعة عليه من قِبل الأخر ــ فرداً او جماعات او سلطة ــ لحقوقه الإنسانية المكتسبة، مادية او معنوية، والعفو ومسامحة المنتهك لحقوقه، وكبح جماح الذات من الوقوع في (مستنقع) دائرة الانتقام و التشفي الشخصي، والثأر للـ(أنا) بشكل فردي، دون اللجوء للقوانين والأعراف التي تحكم المجتمع، و بذلك يمكن وصف التسامح بأنه قيمة أخلاقية نبيلة، سعت لترسيخها الحضارات الإنسانية، القديمة والحديثة، و دعت اليها الديانات السماوية، المسيحية والإسلام وعقائد وأعراف الشعوب القديمة ــ كالبوذية والكنفوشوستية ــ وكذلك كل الفلسفات، القديمة والحديثة سعت لتكريس وتبجيل قيم التسامح والإخاء الإنساني والتسامي علي الجراحات التي ارتكبها البعض في حق الأخر .
كما ان هناك عدة إجتهادات ــ قانونية وسياسية ــ في تلك الوجهة لوضع التسامح في إطار قانوني ودستوري مثل العدالة الإنتقالية، والعفو و المصالحة الوطنية، علي نحو ما تم في جنوب أفريقيا عقب انهاء الإستعمار الإستيطاني، والتحرر من سياسة الأبرهيد .
وفق هذا التعريف ــ المختصر ــ فأن التسامح قيمة أخلاقية فردية تساهم في بلورتها وتنميتها وإنتهاجها عدة عوامل، ثقافية /تربوية وسياسية، وهو بذلك يكون قيمة مكتسبه و ليست (فطرية) يكتسبها الفرد من خلال مسيرته في الحياة ومختزناته الثقافية والتراثىة، كما يلعب الصراع الإجتماعي دوراً كبيراً في ذلك، سلباً او إيجاباً . لذي لا يمكن وصف شعب بكامله او أمة بأسرها رغم تعدد طبقاته وفئاته، الإجتماعية والأثنية بصفة التسامح .
التسامح الديني :ـــ
كما ذكرنا في المقدمة أن كل الديانات السماوية دعت للتسامح والإخاء الإنساني، سيما وان الشعوب البدائية وبطبيعة بيئاتها القاسية وبنياتها البدوية، كان يحكمها قانون القوة والبقاء للأقوي، وسادت الحروب وغارات القبائل والعشائر علي بعضها البعض .
فدعوة المسيح عيسي عليه السلام تأسست علي إعلاء قيم التسامح والإخاء الإنساني ــ حسب معارفنا المتواضعة بالمسيحية ــ فقد ترسخت في أذهاننا مقولته الخالدة : (من صفعك علي خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) بل إقترنت قيمة التسامح به، فنقول : (يسوعي) كناية عن التسامح الشديد .
هذا عن دعوة المسيح عليه السلام، ولكن لأي مدي ترسخت هذه القيمه لدي المسيحيين من أتباعه الأقدمين، وفي العصر الحديث ؟
تاريخياً يمكننا القول أن قيمة التسامح قد ترسخت كمبدأ ديني وتأسست عليه معتقداتهم، فبالرغم من التجاوزات التي قامت بها الكنيسة كسلطة مطلقة تحكم بإسم الرب، في العصور الوسطي من خروج عن مبدأ التسامح اليسوعي، وانتهاكاتها لأبسط حقوق الفرد، عندما قامت بإعدام المفكرين والعلماء، رغم ذلك كله وكنتاج للثورات البرجوازية في أوروبا، التي أرست فصل السلطات الثلاث ــ التشريعية والقضائية والتنفيذية ــ كنتاج لهذا التطور التاريخي ظهرت حركات إصلاحية من عمق المسيحية ذاتها مثل حركة مارتن لوثر (البروتستانتية) التي ساهمت في تحجيم دور الكنيسة المطلق وارتباطها بالسلطة (الدنيوية) .
مما يؤكد ان قيمة التسامح هي من القيم الأخلاقية/الدينية، الراسخة لدي المسيحيين ذلك الإعتذار التاريخي الذي قدمه بابا الفاتيكان ــ كأعلي سلطة دينية ــ للعالم (جاليليو) وردّ كل حقوقه المعنوية والمادية، لأسرته، بعد أكثر من مئتي عام من إعدامه .
التسامح في الإسلام :ـــ
كما ذكرنا، ان الدين الإسلامي دعا لإعلاء قيم التسامح في القرأن والأحاديث النبوية، وتتمظهر في أبهي صورها في سلوك وسيرة الرسول (ص) ونذكر علي سبيل المثال تعامله مع جاره اليهودي، و عند فتح مكة : [أذهبوا فأنتم الطلقاء] .
وذات السؤال سالف الذكر، الي أي مدي ترسخت قيمة التسامح بين المسلمين السابقين وفي العصر الحديث ؟؟
قيمة التسامح لم تترسخ كقيمة أخلاقية بين أتباع محمد (ص) من المسلمين الأوائل، وذلك مرده لطبيعة المجتمع البدوي القاسية، بإعتبارها قيمة جديدة علي مجتمع القبائل الصحراوية التي إعتادت الغلظة في التعامل مع البيئة والإنسان، وإعتمدت القوة والمعارك والحروب في حلّ نزاعاتها مع الأخر، سوا ء كان فرداً او قبيلة .
بنظر عابرة، او عميقة، للتاريخ الإسلامي منذ (الفتنة الكبري) وحتي حرب (بنو سعود والحوثيين) ــ التي لا تزال تزلزل المسلمين الأن ــ لم نسمع او نقرأ او نشاهد (حد أدني) ــ ما أقصده بالحد الأدني هو إحترام الرأي الأخر ــ لذلك التسامح أسوة بسيرة الرسول الكريم (ص) .
بل علي عكس ذلك تماماً سادت وترسخت قيم ومبادئ، نقيضة للتسامح، كالمكر والدهاء و .. (الحرب خدعة) في مجمل حلبات الصراع الاجتماعي/ السياسي، والشاهد التاريخي علي ذلك حادثة او كارثة التحكيم الشهيرة،بين سيدنا الامام علي بن أبي طالب ــ كرم الله وجهه ــ ومعاوية بن أبي سفيان زعيم بنو أمية هذا علي مستوي الصراع السياسي، او السلطة .
اما علي مستوي الجماعات والطوائف الإسلامية نجد ان التسامح قد ترسخ كقيم دينية وعقائدية لدي الطرق الصوفية دون سواها من الجماعات والطوائف السنيّة و منّ حزا حزوهم من مدارس الإسلام السياسي، قديمها وحديثها .
التسامح السوداني :ـــ
ما كنا ولم نكن في يوم من الأيام (متفردين) في صفات نبيلة الهاماً، بل ان الصراع الإجتماعي/ السياسي هو الذي يخلق او يشكل تلك الصفات ومن ضمنها التسامح وإحترام الأخر، سلباً او إيجاباً .
وبنظرة تاريخية ان هناك قيم نبيلة ــ كالتسامح و إحترام الضيف (الغريب) كانت سائدة في ممالك السودان القديم و رغم نبل تلك القيم الفاضلة إلا انها ساهمت ــ مع عوامل أخري ــ علي هيمنة (الغريب) وقتذاك، وبالتالي لإنزواء وتراجع ثقافة شعوب تلك الممالك، ومعها ما ترسب من قيم وأولها ما نحن بصدده، التسامح .
ورويدا رويداً، ومع سيطرة وهيمنة العناصر (المستعربة) في دولة الفونج باتفاقية عبدالله جماع وعمارة دنقس، ترسخت ثقافة (الغريب) فحلت قيم المكر والدهاء و(الحرب خدعة) محل القيم النبيلة مثل إحترام الأخر والتسامح، بداءاً بإتفاقية البغط مروراً بطمس معالم المسيحية في الممالك المسيحية، وإسدال ستار كثيف ومعتم علي تاريخ تلك الحقبة، وليس إنتهاءاً بإستيلاء الأسلاميين علي السلطة والذي تم بخدعة (اذهب للقصر ريئساً وانا للسجن حبيساً) ثم إعدام شهداء 28/ رمضان، و الذي تم بـ (خدعة) ــ مشابهة او ومطابقة تماماً لـ (حادثة التحكيم الشهيرة) في عهد الإمام علي كرم الله وجهه .
هناك مقارنة مع حادثة مشابهة، لنتبين ان (الخدعة) لدي الإسلامويين منهج تعامل راسخ مع الأخر وإستراتيجية ثابتة، وليس (تاكتيكاً) مرحلياً ــ او ربما عقيدة .
عندما إستولي الشهيد البطل/ هاشم العطا علي السلطة في يوليو 1971 واعتقل الريئس (نميري) لمدة ثلاثة أيام أعطي أوامره بان يعامل (نميري) معاملة كريمة وانه سوف يقدم لمحاكمة، هذا ما جاء حسب إفادة السيدة/ بثينة خليل ــ زوجة نميري . من غرائب الصدف التاريخية ان نبل القائد الشيوعي هاشم العطا مع نميري أتي بنفس النتائج السالبة التي جناها أجداده (رماة الحدق) مع الأعراب ! وكأنهم لم يقرأوا :
ومن يجعل المعروف لغير أهله يكن حمده ذماً ويندم
كما أسلفنا أن قيمة التسامح قيمة أخلاقية فردية، ولكن علي مستوي الجماعات لا وجود لها خاصة بين الجماعات الإسلامية ومدارس الإسلام السياسي قاطبة، لان منهجهم يقوم أساساً علي عدم إحترام الأخر وهو العتبة الأولي في سلم التسامح، فأي حديث في الإعلام الرسمي عن (أننا شعب متسامح) مقصود به تغبيش الوعي وذر الرماد في العيون. ونسبة قيمة التسامح للإسلاميين ــ الان ــ فيه إستخفاف ايما إستخفاف بالعقول !
ومن حق المراقب العادي أن يقارن بين (التسامح الإسلامي المزعوم) لقادة التوجه الإسلامي تجاه بني جلدهم و (رفقاءهم في السلاح) ــ شهداء رمضان ــ الذين تم إعدامهم بـ(الخدعة) و لم يكشف حتي، عن قبورهم و وصاياهم الأخيرة.
وبين ذاك التسامح والنبل الأخلاقي، والذي هو نتاج التربية الفاضلة والثقافة الإنسانية والفكر الحصيف، لقادة التوجه الشيوعي تجاه أخوتهم في الوطن و (ورفقاءهم في السلاح) في يوليو 1971م !
إذن فالتسامح المزعوم لا وجود له مطلقاً بين قادة الجماعات الإسلامية في السلطة او خارجها، من المنتظرين دورهم للتحكم في مصير البلاد، والتسلط علي العباد، بعباءات جديدة وبذات المفاهيم العتيقة، التي لم تجلب لنا ولوطننا سوي الوبال، و قليلا مما تبقي من تلك القيم النبيلة، وهي حبيسة الصدور مما ترسب لدينا من تربية صوفيّة، ولكنها وللأسف في طريقها للتلاشي، مثلها مثل كثير من قيمنا السودانية الجميلة في خضم صراعنا اللامتكافئ مع سلطة الإسلامويين .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت