نقد نظرية ريكاردو في التبادل الدولي

محمد عادل زكي
2017 / 8 / 18

على طريقة آدم سميث في التفكير، يصل ريكاردو إلى نظرية في التجارة الخارجية، فقد تعلم من سميث كيف ينظر إلى الظاهرة بمنْأى عن التصورات الخطية، واستعمال الرؤية النسبية، فحينما حلل سميث علاقات التبادل التجاري بين إنجلترا وفرنسا والبرتغال وألمانيا، لم يمنعه وجود الخلل في الميزان التجاري لصالح فرنسا من النظر إلى الجانب الآخر، وهو الرخص والجودة النسبيين للنبيذ والكتان الفرنسيين، وبالتالي كان لإنجلترا أن تجني مكسباً بمزيد من التبادل مع فرنسا، على الرغم من الخلل في الميزان التجاري، هذا المكسب هو الفرق بين ثمن النبيذ الفرنسي والنبيذ البرتغالي، وبين جودة الكتان الفرنسي والكتان الألماني. وهي نفس طريقة التفكير الَّتي سيطبقها ريكاردو، فالمثل المشهور الَّذي يضربه ريكاردو، ابتداءً من صعوبة انتقال الرساميل، يتلخص في أن البرتغال متفوقة على إنجلترا:
- سواء في إنتاج النبيذ، إذ تكفيها ثمانون ساعة عمل لإنتاج وحدة من هذه السلعة مقابل مائة وعشرين ساعة في إنجلترا؛
- أو في إنتاج الجوخ، حيث تنتج تسعون ساعة عمل في البرتغال ما تنتجه مائة ساعة عمل في إنجلترا؛
- لكنها أكثر تفوقاً، نسبياً، على صعيد المقارنة، في إنتاج النبيذ مما هي في إنتاج الجوخ بالنظر إلى النسب90/100، و80/120؛ وبالتالي رأى ريكاردو أن مصلحة البرتغال تتحقق حينما تخصص في إنتاج النبيذ وفي التزود بالجوخ من إنجلترا، رغم أن إنتاج هذا الجوخ يكلف بشكل مطلق أقل مما يكلف في إنجلترا.

وعلى هذا النحو يصل ريكاردو إلى نتيجة هامة، وهي أن قوانين التبادل على الصعيد الدولي تختلف عن قوانين التبادل على الصعيد الداخلي، فحينما تتخصص إنجلترا في إنتاج النسيج وتتخصص البرتغال في إنتاج النبيذ فسوف يبادل عمل 100 إنجليزياً بعمل 80 برتغالياً. ولكن عمل 100 إنجليزياً لا يبادل بعمل 80 إنجليزياً، كما أن عمل 80 برتغالياً لا يبادل بعمل 100 برتغالياً. وعلى طريقة سميث أيضاً يرجع هذا الخرق لقانون القيمة إلى ميل الرأسماليين إلى الاسثمار في بلادهم ورفضهم التخلي عن عاداتهم والارتحال إلى بلاد ذات حكومات لا يعرفون طباعها وقوانين جديدة يجهلون أحكامها ويرتب ريكاردو على هذا السبب النتيجة الَّتي تقضي باقتناع الرأسمالي بمعدَّلات ربح أقل وتفضيل البقاء في بلادهم على البحث عن توظيف أفضل لثرواتهم في بلدان أجنبية. أن ما يهمنا مناقشته في مذهب ريكاردو ليس موقف الرأسمالي الَّذي تطور الآن مع تبلور الشركات دولية النشاط وهيمنة رساميلها عابرة الحدود القومية، إنما يشغلنا التأكد، وفقاً لمنهج الاقتصاد السياسي، من أن التبادل الدولي يخرق فعلاً قانون القيمة. فريكاردو يرى أن ساعة العامل الإنجليزي تبادل بـ 0,8 ساعة عامل برتغالياً. ويرجع ذلك، وكما ذكرنا، إلى صعوبة انتقال الرساميل واليد العاملة، وهي صعوبة تعود في المقام الأول إلى رفض الرأسمالي مغادرة إقليمه الَّذي أَلِفَ قوانينه وعرف قواعد أسواقه. والجزء المهم في النظرية عادةً ما يتم إقْصائِهِ من التحليل؛ فطبقاً للنظرية سوف تتخصص إنجلترا في النسيج، وهو ما يعني أنها ستكف عن إنتاج النبيذ، وطبقاً للنظرية أيضاً سوف تتخصص البرتغال في النبيذ، أي أنها سوف تتوقف عن إنتاج النسيج. ومعنى توقف إنجلترا عن إنتاج النبيذ هو أن كمية العمل الَّتي كانت تنفق من أجل إنتاج النبيذ سوف تنتقل إلى قطاع النسيج، وكذا الحال بالنسبة للبرتغال؛ فتوقف قطاع النسيج عن الإنتاج يعني تحول كمية العمل الَّتي كانت تنتج النسيج إلى قطاع النبيذ، وهذا يعني أن قطاع النسيج في إنجلترا أمسى يعمل به 220 عاملاً، وقطاع النبيذ أصبح يعمل به 170 عاملاً. وإذ ما استبعدنا جميع ظروف الشدة والبراعة، وإذ ما استبعدنا كذلك قعود الرأسمالي وانتفاء رغبته في مغادرة وطنه وقبوله معدَّلات ربح أقل، فسوف تتم مبادلة 220 ساعة عمل إنجليزي بـ 170 ساعة عمل برتغالي. ولكن، آلا ينقض ذلك قانون القيمة؟ حينما يُبنى المثال على فرضية هي نفسها تناقض قانون القيمة فلا شك في أن الإجابة ستكون نعم. نعم مبادلة 220 ساعة عمل إنجليزي بـ 170 ساعة عمل برتغالي هي مبادلة تنقض قانون القيمة. ولكن ذلك لأن ريكاردو افترض، من البداية، أن التخصص يعني مباشرة التبادل الفعلي، وافترض، من البداية كذلك، أن 100 ساعة عمل، بلا أي مبرر منطقي، تبادل بـ 80 ساعة عمل. والواقع أن نظرية ريكاردو تستند إلى ثلاثة مباديء مركزية، هي التخصص، والتدفق، والتبادل. واستبعاد أحد هذه المباديء يفضي إلى إتلاف النظرية. فالتخصص مرجعه انخفاض نفقة إنتاج السلعة في بلد ما عن نفقة إنتاجها في بلد آخر، ومن ثم تجد الدولة الأولى مصلحتها في التخصص في إنتاج السلعة الَّتي تنتجها بأقل نفقة نسبية. والنفقة هنا مقومة بكمية العمل. والخلط بين المبدأ الأول وهو التخصص والمبدأ الثالث وهو التبادل، هو الَّذي أدى إلى المطابقة بين تخصص إنجلترا في النسيج ومبادلتها لنسيجها فعلاً بنبيذ البرتغال بنسبة 100: 80 وهي مطابقة لا تستند إلى أي منطق. وحينما تقرر الدولة التخصص يستتبع ذلك، وفقاً للنظرية، تدفق العمال في القطاع الَّذي توقف إنتاجه إلى قطاع الإنتاج الَّذي قررت الدولة التخصص فيه. وحينئذ، ووفقاً لقانون القيمة، لن يتم التبادل بنسبة 220: 170، إنما سوف يتم بنسبة170: 170، وبالتالي سوف تجد إنجلترا أنها تنتج فائضاً بلا تصريف قدره 50 وحدة، فتضطر إلى تقليص إنتاجها بنحو 23% تقريباً. ويظل التبادل محكوماً بقانون القيمة.


طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية