الفلسفة بين ترتليان والغزالى؟ فلاسفة ضد الفلسفة؟

منسى موريس
2017 / 8 / 2

إن المتأمل فى تاريخ الفكر البشرى قد يجد الكثير من الأفكار المتشابهة إلى حد بعيد وأن تطور الفكر البشرى والفلسفى مرتبط ببعضه البعض فهو سلسة من التراكامات المعرفية لذلك البحث فى تطور الفكر الإنسانى مهم جداً لفهم الإنسان وقضاياه وإشكالاتة الفلسفية والوجودية .
ومن بين هذا التشابة نظرة كل من " ترتليان " و "الغزالى " إلى الفلسفة , فكلاهما كانا ينظران إلى الفلسفة نظرة واحدة للأسف فيها الكثير
من " التحقير" وإعتبار الفلسفة علة كل زندقة وهرطقة وضلالة ؟! فحسب الاثنان أنه لايمكن تزاوج الفلسفة والدين وأن كل منهما عدو للآخر برغم إستخدام كل منهما للفلسفة بشكل رئيس للدفاع عن عقائدهما الدينية والفلسفية !

أولاً : نبدأ بـ " العلامة ترتليان " ولد عام ( 160 م )هو أحد أباء الكنيسة الأوائل وهو لاهوتى ومدافع عن الإيمان المسيحيى وهو أول من صاغ عقيدة " الثالوث" فى قالب فلسفى وهو أول من أستخدم كلمة "أقنومPersona "
كان " العلامة ترتليان " يرى أن الفلسفة مصدر للهرطقة وأن الفلاسفة هم منبع كل إنحراف عقيدى وأن الفلسفة عدوة للمسيحية ولايمكن التوفيق بينهما فمثلاً كان يقول ( " أى علاقة توجد بين أثينا وأورشاليم, بين الأكاديمية والكنيسة" (1)
هذه العبارة تؤكد العداء الشديد للفلسفة فلايمكن أن تجتمع المسيحية والفلسفة فى بيت واحد حسب "ترتليان" لأنها سوف تُخرب البيت وتبث فيه الشقاق وبرغم هذا التأكيد على أن الفلسفة تهدم المسيحية ولا نجنى منها سوى ثمار الهرطقات والبدع وكان يرى أيضاً " أن الفلاسفة أنفسهم قد أقتبسوا أفكارهم من العهد القديم ثم شوهوها وإدعوا أنها من بنات أفكارهم (2)
هنا يتجسد وبشدة عداء " ترتليان " للفسلفة والفلاسفة فهناك أختلاف كبير بين المسيحية والفلسفة والكنيسة والأكاديمية فالمسيحية هى تعتبر وحى إلهى بينما الفلسفة تنبع من ضلالات العقل , ومن الغريب جداً أن " العلامة ترتليان " أستخدم الفلسفة فى صياغة المفاهيم اللاهوتية كما ذكرنا آنفاً بخصوص "الثالوث" وأيضاً أستخدم الفلسفة فى الدفاع عن وجود الله وخلقة للعالم والدفاع عن الإيمان المسيحيى .

ثانياً : الغزالى ولد عام (1058م) الملقب بـ " حجة الإسلام " هو فيلسوف وإمام وفقيه وفيلسوف معروف بدفاعة عن الدين الإسلامى
كان " الغزالى أيضاً ينظر إلى الفلسفة على أنها أيضاً مصدر كل بدعة وكل ضلالة وأن مضمون الفلسفة يهدم مضمون الدين ولايمكن التوفيق بينهما بشكل مطلق فقد حكم الغزالى بالكفر على الفلاسفة فى ثلاث مسائل رئيسية وبدعهم فى سبعة عشر مسألة والأسباب التى كفر الغزالى الفلاسفة لأجلها هى :
1- الأولى القول بقدم العالم وأن العالم مادتة أزلية وقد تبنى هذا الرأى العديد من الفلاسفة مثل " ابن سينا , وأبن رشد.
2- إنكار العلم الإلهى سواء الجزئى أو الكلى .
3-إنكار بعث الأجساد فالبعث للروح فقط فالثواب والعقاب للروح فقط.
ويقول الإمام الغزالى عن سبب كفر وضلال الفلاسفة المسلمين فى كتابة " تهافت الفلاسفة " وإنما مصدر كفرهم سمعاهم أسماء هائلة ,كسقراط و بقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس وأمثالهم وأطناب طوائف من
متبعيهم(3)

وهنا نجد أن الغزالى كان يرى أن الفلاسفة هم سبب كل زندقة وضلال وبدع فى الدين وحكم عليهم بالكفر فى بعض المسائل . ولكن فى نفس الوقت أستخدم الفلسفة فى دحض آراء الفلاسفة خاصة فى مسائل عديدة أهمها " قدم العالم" " الغزالى" قدم أدلة عقلية وحجج فلسفية بارعة لأثبات أن العالم له بداية.

الخلاصة بذلك نجد التشابة الكبير بين كل من " ترتليان" و" الغزالى" فى موقفهما تجاه الفلسفة فالأثنان كانا ينظران إلى الفلسفة والفلاسفة نظرة إحتقار لأنها هى مصدر كل هرطقة وزندقة .
ثانياً : أن الفلسفة هى عدوة للدين ولايمكن التوفيق بينها وبين الدين .
ثالثاً : يعتبر كل من "ترتليان " و "الغزالى " فيلسوفان لأنهما حاولوا تفنيد آراء الفلاسفة بالفلسفة ذاتها والدفاع عن عقائدهم وإيمانهم بالبراهين الفلسفية خاصة فى مسائل هامة مثل " وجود الله " و " حدوث العالم" لأنه إذا أردت أن تكون ضد الفلسفة سوف تستخدم حجج فلسفية وفى النهاية ستصبح فيلسوف.

المراجع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- يوسف كرم : تاريخ الفلسفة الأوربية فى العصر الوسيط ص(20)
طبعة آفاق 2017
2- موسوعة فريدرك كوبلستون: تاريخ الفلسفة من أوغسطين إلى دانز سكوت المجلد الثانى القسم الأول
ص(42) المركز القومى للترجمة 2010
3- الغزالى : تهافت الفلسفة ص(74) دار المعارف الطبعة الرابعة