السلفية اليسارية

عثمان فارس
2017 / 6 / 15

السلفيَّـــة اليســـاريَّة
ـــ عثمان عبدالله فارس ــ
في مقال سابق (الخيال الخلاق) استعرضنا مفهوم السلفية الدينية/ الفقهية، وأشرنا في نهايته الي ان هناك سلفية يسارية، ومن خلال تعريفنا للمفهوم العام للسلفية، وهو الركون لانتاج السلف الفكري ونقله كما هو لمجتمع اليوم دون دراسة للواقع ومتغيرات العصر والظرف التاريخي، والإختلافات الهائلة بين الواقع الإجتماعي/ الإقتصادي، السياسي والثقافي، الذي أنتج تلك الأفكار، و بين الواقع الإجتماعي/ الإقتصادي، السياسي والثقافي الراهن .
والسلف ــ هنا ــ هم قادة الفكر الماركسي وعلمائه ومفكريه و المناضلين الأوائل، الذين قادوا الثورات الإشتراكية في بلدانهم وأسسوا المعسكر الأشتراكي، والذين إعتمدوا الماركسية كمنهج علمي لتحقيق الإشتراكية ــ وليس أيدلوجيا جامدة ــ
فالإعتماد علي النصوص والمقولات الماركسية بمنأي عن الظرف التاريخي، ودون مراعاة لفروقات الزمان والمكان هو ما قصدته بالسلفية اليسارية، وهذة اولي وكُبري المعضلات التي عاني منها المفكرين اليساريين، والأحزاب الشيوعية واليسارية، وأدت لحالات الخصومة والعداء التاريخي بين شعوب التوجه الإشتراكي، في دول المعسكر الإشتراكي بقيادة الإتحاد السوفييتي من جهة والصين وبعض دول عدم الإنحياز (اصحاب الأشتراكيات المحلية)، كدول وكأحزاب في تلك البلدان من جهة أخري .
وأدت فيما بعد ــ مع جملة أسباب أخري ــ الي انهيار الكتلة الشرقية، وما صاحبها من إنهيارات مدوية طالت أثارها السالبة كل شعوب العالم، والعالم الثالث بشكل أخص بإعتبار ان دول المعسكر الإشتراكي هي الحامية لهم من صلف وغطرسة الإمبريالية العالمية وبحكم انها كانت تُمثِّل لهم (المنارة) التي ترنو لها احزاب و شعوب العالم الثالث .
الإختلاف الأساسي بين قادة الإتحاد السوفييتي و قادة الثورة الصينية ــ أنذاك ــ انهم تعاملوا مع الماركسية كمنهج نضالي، وليس نصوص جامدة، واستطاعوا من خلال قراءتهم لواقعهم، والإستلهام الخلاق لتراثهم وموروثهم القومي، المتمثل في تطوير مفاهيم الديانة الكنفوشوسية، وتعاليم (بوذا) في توجهاتهم الإشتراكية الجديدة، والتي هي أصلاً غير متناقضة في سماتها الاخلاقية والانسانية، مع ما تسعي اليه الاشتراكية والشيوعية، فتعاليم بوذا اقرب لفكر ونهج المتصوفة في الثقافة الاسلامية، من حيث حب الخير للناس والتضحية والنبل الإنساني و اشاعة السلام، و نبذ العنف والكراهية، فيما عرف بالثورة الثقافية، والتي إعتمدت علي الإستلهام الإيجابي لكل هذا التراث القومي للشعب الصيني، الإنجازات التي حققتها الثورة الصينية أقرب للإعجاز منه الي التطور المادي للتاريخ، ربع سكان العالم كان يعيش تحت خط الفقر، وبلادهم موبوءة بالكوليرا وامراض التخلف الفتاكة، ففي هذا الزمن الوجيز، حققت الصين طفرات اقتصادية هائلة و أصبحت من الدول الكبري في العالم .
الإستلهام الايجابي للثراث العربي الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية ــ وتحديداً في الفكر الصوفي و بعض المدارس الشيعية واسهامات مفكري الإستنارة العرب/ الإسلاميين ــ لم تجد الإهتمام، من قبل الأحزاب الشيوعية العربية والمفكرين اليساريين، رغم ان معظم (ديباجات) وبرامج تلك الأحزاب نصَّت علي الإهتمام بــ (الدين) بإعتباره المٌشكِّل الريئس لثقافة الشعوب العربية، الا ان ذلك الإهتمام بمسألة الدين جاء في شكل جزر معزولة عن قضايا الجماهير، او اسهامات محدودة لم تبلغ أقانيم المستوي البرامجي، او في صياغات دفاعية موسمية، وعلي طريقة النقد الهدام، فكتابات المفكر الراحل/ صادق جلال العظم رغم ثراءها المعرفي والعلمي الا انها لم تساهم في تعميق الفكر الماركسي ــ لبرنامج عمل نضالي ــ وسط القطاعات الشعبية او شحذ الهمة الثورية لـ(الطبقة العاملة) وقد أوجز ذلك الشاعر الفلسطيني الراحل/ محمود درويش :
لم نولد لنسأل كيف تم الإنتقال الفذّ
مما ليس عضوياَ الي العضوي
لقد ولدنا كيفما اتفق
انتشرنا كارمال علي الحصيرة
ثم أصبحنا خيولاً تسحب العربات !!
سيادة العقلية السلفية والجمود (العقائدي) أنتج مفاهيم ومصطلحات تُوسِم من تطلق عليهم (بالعار التاريخي) وتقتل روح الإبتكار وتحد من مقدرات الخيال الخلاق، مثل : التحريفية/ التحريفيون، وكادت أن تصبح مفاهيم ماركسية، واجب القياس عليها، و وفق ذلك النمط (السلفي) تعاملت دول الكتلة الشرقية مع الشعب الصيني وقادته، وحزا جزوهم قادة الأحزاب اليسارية في العالم الثالث، رغم ان بلدانهم تقبع في الدرجة الرابعة تحت صفر الإشتراكية/ الصينية والغريب جداً ان هذه النظرة (السلفية) للصين إستمرت لثلاثة أجيال، رغم انهيار المعسكر وانتقاد التجربة السوفيتية/ الاستالينية منتجة وناشرة تلك المفاهيم .
ففي حوار مطوَّل، بصحيفة الراكوبة الإلكترونية (نطق) الناطق الرسمي للحزب الشيوعي السوداني بـ:
ــ أن عداءنا للصين تاريخي ... !
علماً ــ وللأسف الأسيف ــ ان ذات الحزب يتعامل (بأريحية) مع ألدَّ أعدائه (التاريخيين) بالداخل ــ الاخوان المسلمين وما تفرَّخ وتفرَّع منهم ــ والذين يرهنون بقاءهم علي (فناء) الحزب الشيوعي السوداني !
والتحريفية مفهوم إقصائي صاغته العقلية السلفية اليسارية،في نسختها الستالينية، ولم ينجو من ذلك (الإتهام) حتي بعض قادة الأحزاب الشيوعية في أفريقيا بمنّ فيهم الزعيم التاريخي للحزب الشيوعي السوداني الشهيد/ عبد الخالق محجوب، بإعتبار ان الحزب الشيوعي السوداني، ومن خلال قراءته للواقع وتعامله مع الماركسية كمنهج علمي ــ وليس نصوص صماء ــ لتحليل المجتمع السوداني واستشراف مستقبله الإشتراكي استحدث مفهوم (الثورة الوطنية الديمقراطية) والذي كان ولا زال يعتبره (الماركسيون السلفيون) خروج عن النص وضرب من ضروب التحريفية .
ان جوهر وهدف النظرية الماركسية، بإعتبارها زبدة الفلسفات الإنسانية، هو تحرير الإنسان من الخوف والظلم والتسلط وإستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وهذا ما عبَّرت عنه من خلال صراع الطبقات او الصراع الطبقي، وهذا الصراع الطبقي واضح المعالم في أوروبا القرن التاسع عشر، بداية العصر الرأسمالي، ولكنه ظلَّ رؤيا ضبابية في المجتمعات القبلية/ الرعوية والبدائية . لذي لم يكن ولن يكون الصراع الطبقي، وحده، وبمعزل عن عوامل أخري، العامل الحاسم في تحقيق التوجه الإشتراكي لاي بلد من بلدان العالم الثالث وتحديداً محيطنا المحلي ــ البلاد العربية والأفريقية ــ
في تاريخنا السوداني، لم يكن الصراع الطبقي هو العنصر الحاسم في الثورة المهدية، بل كان العنصر الحاسم في انتصار الثورة، هو العامل الديني ــ سلبياً او إيجابياً ــ اضافة لعوامل اخري بالطبع .
و كذلك في ثورتي أكتوبر 1964 وابريل 1985 لم يكن (الصراع الطبقي) العامل الجوهري في هبة الشعب السوداني، وفي هاتين الثورتين الحديثتين، عبرة لم يريد ان يعتبر من أهل اليسار . فـ(الطبقة العاملة السودانية) لم يكن لها دور متفرد او ريادي بمعزل عن بقية الطبقات وفئات الشعب السوداني، هذا لا ينفي بالطبع الدور الريادي للحزب الشيوعي السوداني كحزب يضم العمال والمزارعين والمثقفين (مع بعض) وعلينا ان نفرق جيداً بين دور الحزب ــ التاريخي، والمناط للقيام به ــ وبين دور الطبقة العاملة . فأي حديث عن الدور التاريخي والقيادي للطبقة العاملة السودانية ــ تحديداً ــ فيه ذر للرمال في العيون، والانتظار او محاولات إستنهاضها، للقيام بدورها في عملية التغيير، بمعزل عن (الفئات المضطهدة) امر ينافي الواقع والموضوعية والماركسية أيضاَ فالشعار الاساسي الذي نادت به : [ يا عمال العالم ويا شعوبه المضطهدة اتحدوا] .
و شعوبه المضطهدة واضحة المعني و تشمل كل مضهد اقتصادياً/ اجتماعياً/ سياسياً او دينياً ، وبالتالي له الرغبة في التحرر والانعتاق وله مصلحة (طبقية/ فئوية/ أثنية) في التغيير والثورة . عليه أعتقد ان (الحزب البرامجي) لا يتناقض مع المنهج العلمي، بل أصبح ضرورة قصوي، بإعتبار ان (الغبن الوطني) ــ نتاج الاضهاد ــ طال قطاعات واسعة من الناس، من اساتذة الجامعات وحتي (اولاد الأرنيش) فالاجدر بالمخاطبة، الان (الشعوب المطهدة) هذا ان كنا نريد عملياً تطوير مفاهيم الثورة والتغيير بعيداً عن تقديس النصوص وتجريب المجرَّب .
في (قهبونة) النظام الطفيلي الاسلاموي وتزامنها مع النظام العالمي الجديد والعولمة، تم بيع واغلاق معظم المصانع والمؤسسات الإنتاجية وبالتالي الطبقة العاملة ــ بشكلها الكلاسيكي وحسب تصوّر اصحاب العقلية السلفية اليسارية ــ اضمحلت وتقلصت، لدرجة ان (الطبقة العاملة) اصبحت او كادت، لا وجود لها حتي في حزب (الطبقة العاملة) !
كيفية التحرر من العقلية السلفية اليسارية :ـــ
• دراسة الواقع : وتشمل الراهن إجتماعي/ اقتصادي وسياسي، وكذلك المتغيرات علي محيطنا الضيق وحتي العالمية والكونية .
• الإستلهام الإيجابي للتراث المحلي ويشمل الوطني والقومي، أولاً ، والعالمي مع مراعاة إختلاف البيئة والزمان .
• دراسة أفكار الذين إختلف معهم اسلافنا من اليساريين، و وصفوهم وقتها بالتحريفيين والإنتهازيين، فلا يمكن ان تكون كل اراءهم ومنتوجهم الفكري خاطئة تماماً، خاصة انه لا زالت تسيطر علينا (العقلية الرعوية) ــ رأي الجماعة ماشي والموت مع الجماعة عرس ــ
• القراءة المتأنية لعلم النفس الإجتماعي فعلم النفس الاجتماعي هو فرع من فروع علم النفس يدرس السلوك الاجتماعي للفرد والجماعة، كاستجابات لمثيرات اجتماعية، وهدفه بناء مجتمع أفضل قائم على فهم سلوك الفرد والجماعة . و تظهرُ أهميّة علم النفس الاجتماعي في كافة الجوانب التفاعليّة لحياة الفرد الاجتماعية وجميع البيئات التي يَتعايش معها، والتي من المُمكن أن تؤثّر في تفاعلات الفرد وبناء شخصيته، فبرزت أهميّةُ علم النفس الاجتماعي بشكلٍ مُباشر في المَواقف الحياتيّة اليومية، بالإضافة إلى الأهمية البالغة له في مجال حياة الشعوب من حالات الحروب والسلم، والحرية والقهر الإجتماعي .
أي معرفة (المزاج العام) ورغبة الجماهير و مدي استعدادها للحظة التغيير، بعيدا عن مقياس الرسم النمطي، فالقياس علي تجارب شعوب وبلدان أخري مهما كانت شديدة التشابه بواقعنا، لا يعطينا نتائج إيجابية فالثورات لا تستنسخ فما يُحرِّك الجماهير ويشعل فتيل الثورة، لا يتطابق (بالكربون) في زمانين ومكانين مختلفين إطلاقاً، ومن تجاربنا السودانية المعاصرة، ان ثورة اكتوبر 1964م كان (فتيل) اشتعالها طالب واحد هو الشهيد/ احمد طه القرشي، وفي (هبَّة) سبتمبر2013م (تسامي) أكثر من 180 شهيد ولا زال الطغيان والإستبداد الإسلاموي مستمراً .

عثمان عبدالله فارس
الحصاحيصا يونيو/2017م

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت