الوعي الزائف .... النخبة السودانية نموذجاً

عثمان فارس
2017 / 6 / 7

الـــَّوعي الـزائف :
النٌخبــة السودانية نموذجــاَ
ـــ عثمان عبد الله فارس ـــ
1 ـــــ 2

الوعي هو الحالة العقليّة التي يتم من خلالها إدراك الواقع والحقائق الّتي تجري من حولنا، وذلك عن طريق اتّصال الإنسان مع المحيط الّذي يعيش فيه، واحتكاكه به ، ممّا يجعله أكثر قدرة على إجراء المقاربات والمقارنات من منظوره هو وبالتالي سيصبح أكثر قدرةً على اتّخاذ القرارات التي تخص القضايا المختلفة التي تواجهه. والوعي أيضاً هو المحصول الفكري لعقل الإنسان، بالإضافة إلى مارسبه من تجارب حياتية وما اكتسبه من تراكم معرفي إنساني .
الوعي قد يكون وعياً حقيقياً بطبيعة القضايا المختلفة المطروحة حول الإنسان، إلّا أنّه قد يكون وعياَ مُضللاً (زائفاً) فالوعي الزائف هو ذلك الوعي الذي لم يدرك الأمور على حقيقتها التي تجري عليها، مما سيجعل حكمه على مختلف القضايا والأمور التي تجري من حوله حكماً خاطئاً ولا يستطع مقاربة عين الصواب، وبالتالي ماينجم عنه من قرارات تكون خاطئة او كارثية خاصة فيما يخص امور الوطن و الشعب .
ولدي علماء الإجتماع (الماركسيون) يعريف الوعي الزائف بـ (الطبقي) ويمثلون لذلك الوعي الزائف بان يتبني العامل ــ مثلاً ــ و يدافع عن فكر وممارسات النظام الرأسمالي وبذلك يقف ضد مصالحه الطبقية .
يتشكّل الوعي الزائف بالعديد من الطرق، فهناك العديد من العوامل التي اجتمعت معاُ واستطاعت خلق هذا الوعي لدى الناس، والّذين تنبّهوا لهذا الأمر هم قلّةٌ منهم، ومن الصعب جداً قلب الوعي الزائف إلى وعي حقيقيّ ، لتأثّر الغالبية العظمى بالمؤثّرات الّتي تخلق حالة الوعي هذه لديهم، وسيطرة العقل (الرعوي) على تصرّفات العامّة مما جعلهم يقبعون خلف قضبان هذا الوعي الزائف .
من أبرز العوامل التي تشكّل الوعي الزائف لدى عامة الناس الإعلام؛ فالإعلام يكون موجّهاً في غالب الأوقات والأحيان لخدمة مصلحة الطبقة او الفئة الإجتماعية المهيمنة، فلا يوجد هناك إعلام محايد يعرض القضايا والأحداث بموضوعيّة مطلقة ، لهذا السبب فينبغي عدم الاكتفاء بوسيلة إعلاميّة واحدة؛ بل يتوجّب مشاهدة الخبر أو سماعه من العديد من وسائل الإعلام حتّى تتضّح الصورة كاملة، فما أُخفي هنا سيتّضح هناك وهكذا .
ومن العوامل الأخرى التي تؤثّر في وعي الإنسان بشكل عام هي: التعليم والمؤسسات الدينيّة؛ خاصة في نظام الدولة الثيوقراطية، حيث إنّ هذه المؤسّسات تتجمّع مع بعضها البعض لتشكّل الوعي الذي قد يكون زائفاً وقد يكون حقيقياً، فالمؤسّسات التعليميّة والمؤسّسات الدينيّة لديها القدرة على إخفاء الحقائق وإظهار حقائق أخرى لقلب الموازين وخلق رأيٍ عام تجاه قضيّة معينة تماماً كما يفعل الإعلام. ولن نغفل في هذا المقام دور المؤسّسات العامّة والرسميّة والفن والمثقّفين والأدباء والكتّاب والعلماء؛ فكلّ هؤلاء يسهمون أيضاً في تشكيل الوعي العام بشقيه، حقيقياً او زائفاً .
والوعي الزائف ليس بالضرورة طبقياً فقط، فهناك الوعي الزائف الأُثني كحالة (الجنس الأري) في ألمانيا النازية، و في المجتمعات و النخب العربية الإسلامية، نجد ان (الأثني) متداخل ومتشابك مع (الديني/ العقائدي) بإعتبار انهم (خير أمة أخرجت للناس) وهذا النوع من الوعي الزائف هو الأخطر علي مستقبل السلام والأمن العالميّين والإنسانية، والحالة السودانية هي الانموذج لهذا الوعي الزائف الذي نحن بصدده، علماً بان حتي الأنتماء (العروبي) المشكِّل الأول لهذا الوعي الزائف مشكوك فيه او غير معترف به، رغم إجتهادات السلف من النخب السودانية، للتشبث (بالشجرة القريشية) .
وهذا ليس استناداً علي نظرة العرب الدونية بالنسبة للشعب السوداني فحسب، انما مسنود وموثق تاريخياً بعدة وقائع وأحداث نذكر منها :
• عندما قدمت الحكومة السودانية طلبها للإنضمام لجامعة الدول العربية تم رفض الطلب من بعض (الأعراب) وحسم الأمر بالتصويت، في ذات الوقت الذي ماطلت النخب السودانية في الإنضمام لمنظمة الدول الأفريقية، مما جعل الريئس الافريقي/ الغاني (نكروما) ــ وقتذاك ــ لاطلاق (تعجُّبه التاريخي) :
[انني لأعجب من أهل السودان يتركون الريادة في أفريقيا ويرضون سير
الظلعاء في مؤخرة ركب العرب !]
وعامل أخرــ ساهم او ضاعف من نتاج الوعي الزائف علي مجمل مناحي الحياة في المجتمع السوداني ــ وهو ماتبقي من رواسب علاقات الرق في المجتمع السوداني، وما شكَّتله من عقلية نرجسية، ونظرة متعالية وشعور بالزهو، بإعتبار أن النخب أبناء (أسياد) و بقية المواطنين السودانيين في الأطراف او (المهمشين)، في الجنوب او في الغرب، ناس من الدرجة الثانية، (ناقصي حكمة ودراية) وليس شركاء أصيلين في الوطن، و واجب (السيد/الراعي) رعاية (رعيته) بالطريقة التي يحددها ويقررها هو، وليس علي الرعية الا الطاعة والإذعان .
[راجع: علاقات الرق في المجتمع السوداني للأستاذ/ محمد ابراهيم نقد]
و وفق ذلك المنظور من منتوج الوعي الزائف تناسلت و تضخمت كل قضايانا وأزماتنا الوطنية، بداءً من المصادرات المتعددة للديموقراطية و تحقير بل إلغاء الرأى الأخر مروراً بإنفصال الجنوب الحبيب، وحالات الهروب المستمرة من (جحيم) الوطن الطارد، و عشماً في الوصول لـ (جنات) دول الإستكبار، والتي اودت بحياة المئات من الشباب غرقاً في مياه البحر فيما يعرف بصنادل الموت، وليس انتهاءً بمأساة دارفور والتي سوف نقف عندها (كمحطة) بإعتبارها لا زالت جرحاً نازفاً وشاهداً حاضراً علي الوعي الزائف للنخب السودانية .



2 ـــــ 2
الـــَّوعي الـزائف :
مأساة دارفور الأنموذج :
صورة إرشيفية
تتداعي ذكريات الماضي القريب أوائل التسعينات من القرن الماضي ــ وبداية مشكلة دارفور ــ وتقفز لسطح الذاكرة تلك الصورة ــ التلفزيونية ــ المتحركة للمرآة البوسنية البيضاء البدينة وطفلها الباكي، معلنة بالصورة واللحن والموسيقي عن إعلان تلفزيوني متكرر علي مدار الساعة، بإسم دعم البوسنة والهرسك! فانفعلنا وتجاوبنا وأعلنا تضامننا وموازرتنا لأخوتنا وأخواتنا في الأسلام ... ويستمر الموال/النشيد المتكرر: (في البوسنة هناك والهرسك) ، حتي حفظناه كلنا ــ صغار وكبارــ (صم) ، لدرجة أن أحد التلاميذ الصغار سأل معلمه: صحي ياأستاذ البوسنة ديل مسيرية ؟؟
و تصاعدت الحملة الإعلامية العالمية ضد الصرب والمتضامنة مع شعب البوسنة والهرسك، الذي تعرض لويلات الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي ، ولكن إعلامنا الوطني ــ حفظه الله ــ (كًبً ليها كوزين) وذلك لسببين: الأول أيدلوجي/نفسي لكون أن المعتدي عليه (مسلم/أبيض)، والثاني لكون أن اعلامنا الرسمي (ضُل دليب) و(برمي قدااااام).
عموماَ وبحمد الله والضمير الأنساني اسفرت الحملة الإعلامية عن نتائج باهرة ردت العدوان الصربي... الي ان اوصلت زعيمهم ومعاونوه للمحكمة الجنائية الدولية كمجرمي حرب .
في غمرة انشغال نخبتنا بالمأساة البوسنية كانت نيران الحرب تتصاعد والمشكلة الانسانية تتأزم ويشكل أفظع وأبشع، في مكان هو (أقرب اليهم من حبل الوريد) وعلي شعب هو (اخوتهم في الوطن او قل رعاياهم)! رغم هذا وذاك لم ينقل لنا تلفزيوننا (الوطني) صورة واحدة من معسكرات النازحين وحرائق القري والأرايت والفرقان ولم يحاول (دغدعة) مشاعرنا الإنسانية ووجداننا(الوطني) بإعلان (مصوًر ومموسق) يدفعنا للتضامن ولو بأضعف الإيمان مع أخوتنا في الوطن شعب دارفور المسلم أهل (صُرة الحرمين)(1) وكساة الكعبة الشريفة، طوال سنوات القحط الأسلامي/العربي، قبل إكتشاف البترول وقبل ذلك كله هم أبناء الشعب السوداني وكفي !!
حسب أرقام وإفادات المنظمات الإنسانية والحقوقية العالمية أن المأساة الدارفورية أكبر من مأساة البوسنة من حيث أعداد الضحايا واتساع رقعة الحرب وما صاحبها من تدمير للبيئة والإنسان ،. هذا الوعي الزائف يصل لدي إعلامنا الوطني/الرسمي قمته وعنفوانه لدرجة (سحق الذات) و يعيش حالة الفصام النفسي بأن يغض الطرف ويعمل (إضان الحامل طرشاء) عما يدور في وطنه وعلي مايحدث لأخوتهم في دارفور، ويذهب أبعد من ذلك لحد الأدانة والأتهام (بالموالاة للغرب) لكل من يقف في صف القتيل/الضحية أو يؤيد قرارات محكمة الجنايات الدولية ، ذات المحكمة التي هلَّلنا وصفقنا لها عندما أنصفت أخوتنا في الأسلام ــ البوسنة ــ و ألقت القبض علي زعيم الصرب مسوفتش...
سؤال بحجم دهشتنا :
لم أيدنا محكمة الجنايات الدولية في قضية البوسنة ؟ ولم عارضناها عندما جاءت لرد المظالم عن أهلنا في دارفور ؟؟
أي إحساس بالعار والخيبة ذلك الذي يتملكنا ونحن نري ونسمع ماتبثه فضائيات العالم ! ومدي تجاوب وإنفعال الضمير العالمي ومنظمات المجتمع الدولي مع قضية/ مأساة أهلنا في دارفور والجهد الخارق المبذول في تقديم الإغاثات لمعسكرات النازحين ، والفضائية السودانية (بترسها المسنن) تمد لسانها للكل.. وتغني في (بيت الفراش): دارفور بلدنا.. دارفووووووور!!!
أي إحساس بالبؤس والإحباط يعصف بنا ونحن نري ونسمع إعلامنا (الوطني) وهو يسبَ ويلعن (دول الإستكبار) والمنظمات الدولية وهي تقوم بواجبها الإنساني لوقف نزيف الدم وإطفاء حرائق الحرب في دارفور ..
أحد (واطئي الجمرة) شبه ذلك بحالة المعتوه الذي رجم عربة المطافي بالحجارة التي جاءت لإطفاء الحريق في منزله بحجة أن عربة المطافي لونها أحمر !!
إحساس علقمي اشبه بإحساس رب البيت الذي تملكه الكبر والمرض والعوز وهو يري (عياله) تحت رحمة الأعداء ...
يتبادر لأذهان البعض أن المسألة او القضية سياسية، ولكن وللأسف الشديد أن المسألة أو القضية ليست سياسية، ولايمكن حلها بقرارات سياسية او بحسم عسكري، القضية في إعتقادي هي منتوج الوعي الزائف المتغلغل في وجداننا الجمعي، والمتراكم مما رسبته ثقافة النخب السودانية، منذ القرن الخامس الميلادي، وبشكل أكثر سفوراً وأبهظ ثمناً بالنسبة للوطن وانسانه منذ منتصف القرن الماضي، بواكير الحركة الإستقلالية .
وأخشي ألا تكون المسالة (جينيَة) في (كروزوماتنا) الوطنية وانتقلت (وبقت ملامح في زريتنا) وتخوفي يأتي من أن هذا الوعي الزائف والفصام الوطني كان سائداَ وممارساَ في سلوك ومواقف أجدادنا الوطنيين الكبار أصحاب (الحيشان التلاتة) والنخب السودانية، او (كبار القوم) ، و وقوفهم (الف أحمر) ضد الثورة الإستقالية الوطنية الأولي ــ حركة او ثورة اللواء الأبيض 1924 م(2) .
هوامش : ــ
(1) صُّرَّة الحرمين هي عبارة عن صدقة او زكاة يدفعها ملوك وسلاطين دولة الفور سنوياً لخدمة الحجاج، وكانت تبلغ حمولة عدة جمال من الذهب اضافة لكسوتهم السنوية للكعبة، تجدر الاشارة هنا ان (أبار علي) الموجودة الان بالحرم المكي هي لـ علي دينار .
(2)اشير هنا للمذكرة الممهورة بامضاءات (أصحاب الحيشان التلاتة) السادة/ عبدالرحمن المهدي
علي المرغني
الشريف يوسف الهندي
والتي تطلب من الحكومة عدم اصدار أي ورقة حرية للأرقاء وتزامن ذلك مع اندلاع ثورة اللواء الأبيض
و مذكرة (كبار القوم) شملت توقيع 40 شخصية من النخب السودانية تؤيد الحكومة البريطانية (الاستعمارية) تشجب وتدين ثوار اللواء الابيض (الوطنيين)
(راجع: دار الوثائق القومية)
عثمان عبد الله فارس
الحصاحيصا 6/يونيو2017م

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت