الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 )

عمرو إمام عمر
2017 / 5 / 31

” إن الدولة قد نشأت من الحاجة إلى لجم تضاد الطبقات ، و بما إنها نشأت فى الوقت نفسه ضمن الأصطدامات بين هذه الطبقات ، فهى كقاعدة عامة دولة الطبقة الأقوى السائدة أقتصادياً ، و التى تصبح عن طريق الدولة هى الطبقة السائدة سياسياً أيضاً ، و تكتسب بهذه الصورة وسائل جديدة لقمع الطبقة المظلومة وإدارتها … “
فردريك أنجلز

إن التحول الإشتراكى خاصة فى الجانب الأقتصادى ليس سهلاً و يتطلب الكثير من الشروط أهمها أقتناع الجماهير بجدوى تغيير المنظومة الأقتصادية ، و هذا لن يحدث إلا بإجراء واقعى على الأرض ، فإذا عدنا بالزمن قليلاً فور نجاح ثورة يوليو و اقصائهم للحكم الملكى و التخلص من الأستعمار ، كانت أولى القرارات التى تم تنفيذها على الأرض هو ”الإصلاح الزراعى“ و ”إعادة توزيع الملكية“ ، استطاعت قيادة الثورة بهذا القرار قلب الأوضاع لصالحها لتصنع لنفسها التأييد الشعبى القوى على الأرض لتبنى أولى جسور الثقة ...

فى المقال السابق تحدثت عن المحاور التسعة التى طرحها الدكتور محمد دوير عن كيفية التحول الإشتراكى و كانت أولى تلك المحاور هى ” كيف سندير الأقتصاد ؟ “ ، و لكن قبل التطرق إلى كيفية إدارة الأقتصاد يجب أن نبدأ فى البحث عن شكل ”الدولة الجديدة“ ، فالبناء الجديد للدولة سيحدد البنية الأقتصادية المستقبلية ، و لا يجوز البحث عن سبل هدم الدولة القديمة قبل أن نحدد شكل البناء الجديد للدولة القادمة و طبيعة العلاقات بين السلطة الحاكمة و الشعب بشكل ارقى من الديمقراطية الليبرالية تتيح لأكبر قدر من القاعدة الشعبية المشاركة فى القرار السياسى بشكل كبير و مؤثر …

الديمقراطية الليبرالية الغاية و التعريف
عَرّف الفكر البرجوازى الليبرالى منذ القرن الثامن عشر الديمقراطية بأنها ” ذلك الترتيب المؤسسى الهادف إلى الوصول بقرارات سياسية إلى تحقيق الخير العام بجعل الشعب نفسه يقرر حاجاته عبر إنتخاب أفراد يجتمعون لتنفيذ إرادته “ ، تعريف جميل بسيط يحمل الكثير من المثل الأخلاقية ، و فى القرن العشرين اضاف المنظرين الليبراليين الجدد لهذا التعريف ما يتناسب مع وجهة نظرهم ” إن الديمقراطية الليبرالية فى جوهرها تعد الحرية الفردية هى الباعث و الهدف نحو تحرر الفرد و المجتمع من تسلط الحكومات “ ، لذا نجد أن الفكر البرجوازى نادى بشعارات مثل الحقوق السياسية و الحريات العامة فى أطار مكمل للتعريف و هذا للعمل على خلاص الفرد من التسلط الحكومى و المجتمعى ، فالليبرالية ترى أن السلطة بكافة اشكالها ضد الحرية الفردية و هذا يتفق تماما مع التوجه الأقتصادى الرأسمالى ،و هناك تعريف آخر يقول ” إن الديمقراطية شكل من أشكال نظم الحكم ، و لا تتعلق بمضمون النظام الأجتماعى ، و ان جوهرها هو الحرية ، و ليست المساواة ، و إن المساواة تدخل فقط بمعنى المساواة السياسية بين المواطنين “

اليوم تتخذ الليبرالية المعاصرة اشكال عديدة تتخطى التعريفات السابقة ، فالمنظرين الليبراليين الأمريكيين يرون أن «الليبرالية ليست مبدأ ثابتاً بل أنها تخضع لتطور الظروف و تناقض المصالح ، مرتبطة بخدمة مصالح أصحابها فى المجالات السياسية والأقتصادية و الإجتماعية فى أطار ضيق يخدم المصالح الأمريكية و فرض العولمة على أساس المركزية الأمريكية حتى لو أدى ذلك إلى كثير من التجاوزات المنافية لحقوق الإنسان و المصحوبة بشئ من استباحة الكرامة الإنسانية و التضييق على الحريات من خلال التجسس المعلن و غير المعلن بدعوى أن هذه التجاوزات ضرورية لحماية الدولة المركزية الليبرالية من الأعداء المتوهمين أو المتخلفين أو المتوقعين ».

من هنا نرى أن الديمقراطية الليبرالية توقفت عند جانب واحد فقط هو حرية الأختيار فى أنعكاس واضح لمفاهيم الأقتصاد الحر بنقله إلى عالم السياسة ، لتتحول الأحزاب السياسية فى ظلها إلى سلعة و على الإنسان العادى ( المستهلك ) الأختيار بين الأحزاب ، و بالتالى و وفقاً لقواعد السوق التى باتت فى ظل الليبرالية تتحكم فى النظام السياسى اصبح على رجال السياسة ( الأعمال ) التحرك وفقاً لتفضيلات المستهلك و حركة السوق !

لذا كان على الديمقراطية الليبرالية تعظيم القيم و المنافع الفردية كما عبرت عنه” المدرسة النفعية - Utilitarianism “ التى صورت المجتمع الأفضل هو الذى يحقق أكبر قدر من المنافع التى جوهرها هو السعى نحو الأمتلاك كوسيلة لأشباع الرغبة فى الأستهلاك و التمتع ، لتصبح الملكية هى المحور و ليصبح الإنسان هو الفرد المتملك / المستهلك ، و أن القيم الأساسية هى المنافسة لتعظيم الربح.

من هنا نجد إن الديمقراطية الليبرالية قد وضعت فرضية اساسية أن المجتمع سيكون قادراً على تحقيق منافع للأفراد على اساس قدرة السوق فى توزيعها حسب القدرة الأقتصادية و حجم ما يمتلكه الفرد من موارد ، و بالرغم من محاولات الليبراليين التأكيد على جوانب الحق أو العدالة القانونية المتمثلة فى القانون ، لكن هذا الجانب عملياً مرتبط بالقدرات اللازمة لممارسته ، و بالتالى يصبح القانون أداة فى يد شريحة ضيقة من المواطنين هم القادرين على سنه و تطبيقه فهم الطبقة الحاكمة المسيطرة اقتصادياً و سياسياً بحكم قدرتهم على التملك ، فالقانون هنا يخرج من أطار الحق إلى أطار آخر ينبع من قوة أو حجم ملكية الفرد …

الليبرالية و النخبة الحاكمة (التفاضل الإجتماعى)
فى أواخر القرن التاسع عشر و اوئل القرن العشرين بدأت تظهر كتابات تناولت مفهوم” التفاضل الإجتماعى“ ، و كان من أبرز المنظرين لها هو العالم الإيطالى Vilfredo Pareto فى كتابه ”إزدهار و انحدار النخبة“ الذى نشر عام 1920 ، ثم جاءWright Mills الذى يعتبر كتابه ” سلطة النخبة - The Power Elite “ الذى نشر عام 1962 الأكثر وضوحاً من الناحية السياسية يوضح لنا Mills فى هذا الكتاب أكذوبة الديمقراطية الليبرالية و كيف تحولت إلى مجموعة من الدوائر النخبوية المغلقة و أسقط هذا المفهوم على النظام السياسى الأمريكى الحالى.
قسم الكاتب السلطة فى النظام الأمريكى أنها متمثلة فى ثلاثة دوائر هى كالتالى : -
* الدائرة الأولى – المؤسسة العسكرية
* الدائرة الثانية – رجال الأعمال أو الشركات الخاصة
* الدائرة الثالثة – رجال السياسة أو النخبة السياسية
و يشرح لنا Mills إن القرار السياسى لا يخرج خارج تلك الدوائر الثلاثة بأى حال من الأحوال و أن السلطة مقسمة بينهم و لا يسمح أن تحاول إحدى تلك الدوائر أن تتعدى على الدائرة الأخرى و يجب الحفاظ على ذلك مهما كان الثمن و قد تصل إلى حد القتل و الأغتيال إذا حاولت إحدى تلك الدوائر أن تتعدى حدودها المرسومة بدقة ، فالمسئولين عن اتخاذ القرارات داخل الدولة يؤمنون بنفس التوجهات السياسية و الأقتصادية و لا خلاف بينهم إلا فى فرعيات فى غاية الهشاشة مما يجعل القرار دائما يدور داخل نفس الدائرة المغلقة ، فالحزبين الكبيرين كل قيادتهم السياسية ينتمون إلى واحدة من تلك الدوائر و هم يعرفون ذلك لذا نجد أن الخلاف بين الحزبين دائما شكلياً و ليس جوهرياً ، لكن السؤال الذى يقفز إلى ذهن القارئ هو” من هى الدائرة الأقوى و الأكثر سيطرة ؟ “

لم يتركنا Mills فى حالة من الدهشة و التيه طويلاً و يجيب على هذا التساؤل أن الدائرة الثانية المتمثلة فى الشركات الكبيرة تمثل القوى الحقيقية فى المنظومة فهى تسيطر بشكل حقيقى على القرار السياسى لما فيه من مصلحة لها ، بل هى التى ترسم التوجه السياسى العام للدولة خارجياً و داخلياً ، و يتضح ذلك فى الأنتخابات الرئاسية فإذا أخذنا مثال صغير فالشركات التى مولت حملة باراك أوباما عام 2008 « إجمالى تبرعاتها حسب ما أعلنته الحملة وقتها 386,565,878 مليون دولار» فى دورته الرئاسية الأولى ، الغريب أنها نفس الشركات تقريباً التى مولت حملة دونالد ترامب عام 2016 «إجمالى تبرعات الشركات حسب ما ذكر على موقع الحملة 356,198,046 مليون دولار » ، السؤال الذى يطرح نفسه ، ما الداعى لأن تدفع تلك الشركات مئات الملايين من الدولارات فى وقت تعانى فيه الخزانة الأمريكية من عجز كبير ، فى نفس الوقت تلك الشركات ترفض بشكل قاطع العودة لقانون الضرائب التصاعدية …

إن ما يتم تسويقه للشعب الأمريكى و العالم عن الديمقراطية الليبرالية ليست إلا لعبة مرسومة بدقة تصيغها وسائل الإعلام و الدعاية التى تعمل على تغيب الوعى للجماهير بشكل دائم من خلال شخصيات يتم أختيارها و تدريبها و صقلها بعناية على مدار سنوات و الدفع بهم ليكونوا المنظومة و الواجهة الدعائية اللازمة للدوائر الحاكمة ، فالمنظومة الإعلامية هى جزء أساسى من الدائرة الثانية التى تشكل العقل الجمعى للشعوب ...

يأخذنا Mills إلى دائرة الرعب بعد ذلك و هى المؤسسة العسكرية فيقول ” أن الحرب فيما مضى كان ينظر لها كشأن يخص العسكريين ، و العلاقات الدولية كانت المسئولية الأساسية للدبلوماسيين ، أما الآن فقد باتت الحروب حالة شبه دائمة “ ، و هذا ما نحن فيه اليوم ، فالعلاقات الدبلوماسية و الحوار بين الدول أصبحت هامشية و الموضوع دائم الطرح للحوار هو الحرب التى باتت جزء اساسى من قوة الدائرة الثانية فهى الرابح الأول من الحروب ، ففى ظل الأزمة الأقتصادية العالمية و فشل الرأسمالية فى الخروج منها لم يعد أمامها سوى التجارة بالحرب للحفاظ على النظام من الأنهيار فهى الستار الذى تدارى عن طريقه فشلها فى حل أزمتها ، لذا يجد المتابع للحالة السياسية فى العالم اليوم أن المؤسسات العسكرية تم هدم الجدار الذى كانت تختبئ ورائه و ظهر واضحاً مدى تأثيرها على القرار السياسى للدول و أصبحت أكثر التصاقاً بالدائرة الثانية و لكى يتم تبرير عسكرة الديمقراطية يجب خلق عدو مهدد للمجتمعات يتيح للدوائر الثلاثة تبرير أفعالها و تجاوزتها الإنسانية التى طالما ما تاجرت بها الليبرالية …

تحليلاتMills و غيره من المفكرين ، و التغيرات و الصراعات التى يشهدها العالم اليوم يؤكدوا صحة نظريتهم فالليبرالية المزعومة ستنتهى فى النهاية إلى حكم نخبوى عسكرى يحكم السيطرة على مقدرات الشعوب إذا لم تستفق …
هناك من هو ذهب إلى أبعد من ذلك و من هؤلاء”سلافوى جيجك“ الذى يحذر أن الرأسمالية تحولت إلى ما يشبه جدران الفصل العنصرى ، و ان العالم سيعيش تفصل بين جنباته جدران عالية ، النخبة الحاكمة المسيطرة تعيش داخل حصونها المغلقة بأسوارها العالية ، و الرعاع خارجها و عليهم أن يعملوا لصالح هؤلاء النخبة حتى يستطيعوا العيش فقط و لن يسمح لهؤلاء الرعاع الدخول إلى داخل تلك الحصون أو الأرتقاء بحالهم ؛ دائما ما يتحدث”جيجك“ فى مقالاته و أحاديثه الصحفية عن ضرورة تخطى الرأسمالية ، و بالرغم انه يصف نفسه بانه شيوعى ستالينى لكن افكاره بعيدة تماما عن ما يصف به نفسه ، و بالرغم أنه يتحدث عن ضرورة الشيوعية لكن أطروحاته بها الكثير من الغرابة و التضارب مع الفكر الماركسى ...

النخبة ما هى و كيف تتكون ؟ !
تحدثنا عن دوائر نخبوية لكننا لم نتعرف عن تلك النخبة و كيف تكونت و هل التحالفات بين تلك الدوائر النخبوية دائمة أم مؤقتة.

«إن مفهوم النخبة يشير إلى أحد سمات البناء الإجتماعى ، و هو أختلاف درجتى النفوذ و التأثير اللتين يتمتع بها الأفراد ، ففى كل المجتمعات تود مجموعة من الأفراد التى تمتلك السلطة و تمارس نفوذاً أكبر من الآخرين فى مجالات الحياة المختلفة ، فالمفهوم يشير إلى تلك الأقلية العددية التى تتميز عن بقية افراد المجتمع من حيث درجة تأثيرها و نفوذها ، فجوهر مفهوم النخبة هو التوزيع غير المتكافىء لمصادر النفوذ و السلطة»

هناك مدارس كثيرة تحدثت عن النخبة و تكوينها وصفاتها ، فهناك من أتخذ من المعيار الأقتصادى و المكانة الإجتماعية كأساس للتحديد الأمبريقى للنخبة ، لكن البعض وجد أن هذا المعيار لن يكون دقيقاً ، فليس كل من يمتلك القدرة يمارس نفوذ سياسى ، مما ترتب على ذلك إلى ضرورة البحث عن معيار أجتماعى/ سياسى آخر لمفهوم النخبة ، الذى تمثل فى ثلاثة عناصر أو معايير أساسية هى :
* المنصب : و يقصد به من تولى أحد المناصب العليا فى المؤسسات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية
* الشهرة : و هؤلاء من لم يتولوا منصباً سياسيا أو تنفيذياً لكنهم يمارسون قدراً من التأثير على صناع القرار
* المشاركة فى صنع القرار السياسى : و هؤلاء يمثلون القيادات السياسية الحاكمة و يمكن أضافة القيادات السياسية المعارضة فهم يشاركون بقدر ما فى صناعة القرار السياسى

إذا جمعنا ما بين المنظورين سنعرف مما تتكون النخبة الحالية ، و لكننا سنجد أن النخبة السياسية اليوم فى غالبيتها هى صناعة القوى الرأسمالية حتى فى بعض أجنحة النخبة المعارضة تكونت تحت مظلة البرجوازية ، فلكى يعمل النظام بشكل يرضى الجموع المغيبة يجب صناعة ما يمكن أن نطلق عليه ”نقطة الأتزان“ ، فتلك النخبة المعارضة المزيفة تقوم بهذا ، فهى تعمل على معارضة النظام بشكل وهمى و لكنها فى الحقيقة تحافظ عليه ، فهم دائما يتحدثون عن الديمقراطية و الحريات و لكن يتجنبوا فى نفس الوقت الحديث تماما عن الصراع الحقيقى داخل المجتمع فمهمتهم هى ابقاء المجتمع يدور فى فلك ضيق لا يخرج فيه خارج الأطر المرسومة له ، فغالبية النخب اليوم مصنوعة إعلامياً و ليست نتاج عمل سياسى حقيقى ملتصق بالجماهير ...

من أمثلة صناعة نخب لها قبول مجتمعى لا يوجد مثال أفضل من الرئيس الأمريكى السابق ”باراك أوباما“ الذى لم يكن سوى صورة معاد تشكيلها على وجه ”لوثرى“ بأمل تهدئة الغضب الشعبى على أثر الأزمة الأقتصادية حتى يتثنى للرأسمالية الوقت اللازم لكى تخرج من أزمتها الأقتصادية ، لن أنسى كيف تناقلت وسائل الإعلام صور خروج الجماهير فرحة بفوزه و كيف كانت التعليقات على وسائل التواصل الأجتماعى التى كانت تأمل فى أن يعيد هذا الأوباما تشكيل المنظومة بالكامل كما وعدهم فى خطبه الدعائية ، فى النهاية لعب أوباما الدور المرسوم له بدقة و لم يخرج خارج الخطوط الحمراء حتى هدأت الأمور قليلاً لتعود البرجوازية لتدفع بألعوبة جديدة بشكل جديد يتيح لها الأستمرار فى السيطرة ...
الأحزاب السياسية فى ظل الديمقراطية الليبرالية

تقوم الديمقراطيات البرجوازية على ترسيخ عدد من المبادئ اهمها الدستور ، القانون و العمل الحزبى ، فالأحزاب فى ظل تلك الديمقراطيات الخادعة من المفترض أنها وسيطا سياسيا يربط ما بين المؤسسات الحكومية و الناخبين أو المواطنين من خلال التنظيم القانونى و الدستورى الذى تم الأتفاق على مبادئه لتعطى للحكم شرعيته المطلوبة ، فنشأة الأحزاب بدأت داخل المؤسسات النيابية فى نهايات القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر ، و تطورت حتى وصلت إلى ما فيه الآن من أستقرار سياسى و ارتبط هذا التطوير بمعايير التطور فى المجتمعات ، و قد ساهمت مجموعة من العوامل فى هذا التطوير أهمها حركة الإصلاح الدينى ، و الثورة الصناعية التى افرزت توجهات و تفاعلات سياسية متعارضة ببين الطبقة العاملة التى تكونت على أثرها و بين اصحاب رؤوس الأموال …

تنقسم الأحزاب إلى عدد من التصنيفات أهمها : -
1- أحزاب النخب : و هى تضم النخب السياسية و الأقتصادية فى المجتمعات ، لا تحمل أيديولويجة واضحة سوى توفير المساندة لمرشحيها من الوجهاء و العمل للحفاظ على مكاسبهم و وجودهم فى المجتمع ، أنتشر هذا التصنيف من الأحزاب فى أواخر القرن الثامن عشر و القرن التاسع عشر إلا أن هذا النموذج من الأحزاب تغيرت تشكيلاته فى القرن العشرين نتيجة تطور المجتمعات و اصبح يضم شريحة من العامة و من أهم تلك النماذج الحزب الجمهورى الأمريكى ، حزب المحافظين البريطانى.
2- أحزاب الجماهير : بفضل تنامى الأفكار الإشتراكية فى نهايات القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين بدأت تظهر أحزاب تعتمد على الطبقة العاملة فى تكوينها ، و تصنف سياسياً كيسار وسط ، تلك الأحزاب تجمع ما بين الطبقة العمالية و شرائح من الطبقة الوسطى و تعمل بشكل أساسى على توسيع قاعدة العضوية على العكس من الأحزاب النخبوية ، كما أن العلاقة بين الأعضاء و قيادات الحزب علاقة أكثر ديناميكية من الأحزاب النخبوية ، فهناك ممارسة ديمقراطية بقدر ما داخل تلك الأحزاب و من الأمثلة الواضحة حزب العمال البريطانى ...
3- الأحزاب الماركسية : و هى الأحزاب التى بدأت تتكون فى النظم السياسية بعد الثورة البلشافية عام 1917 و التزمت اغلبها بالمبادئ التى صاغها لينين أثناء تحضيره للثورة البلشافية ، تتكون تلك الأحزاب من الطبقة العاملة و تعبر عن إرادتها ، من أهدافها الرئيسية تغير النظم السياسية عن طريق المسار الثورى لما فيه خدمة المجتمع بأكمله
4- الأحزاب الأئتلافية : و هى احزاب تتكون من مجموعة من التحالفات إما لمجموعات أثنية أو تيارات سياسية تقترب فكرياً فى بعض الأمور و ترى أن تجمعها سيعطيها القدرة على التأثير بدلا من العمل بشكل منفرد ، و من أمثلة ذلك حزب المؤتمر الهندى ، تحالف الجبهة الوطنية الماليزية ، و حزب التجمع المصرى ...
5- الأحزاب القومية : تقوم تلك الأحزاب فى غالبيتها على أسس أقليمية أو عرقية تلتزم بمصالح الجماعة العرقية أو الأقليمية التى تعبر عنها و من أمثلة تلك الأحزاب الحزب القومى لأقليم الباسك ، و الأتحاد الوطنى الكردستانى...
6- أحزاب طائفية : و هى الأحزاب التى تقوم على معتقد دينى لطائفة معينة و من أمثلة ذلك الأحزاب المسيحية فى أوروبا ، المجلس الأعلى الإسلامى العراقى ، و حزب الله فى لبنان ، تعمل على حماية الطائفة و مصالحها و تواجدها السياسى داخل الدولة ...
7- أحزاب أصولية دينية : و هى أحزاب تسعى لإعادة تشكيل الدولة و المجتمع بما يتناسب مع رؤيتها على ضوء قراءة ضيقة للمبادئ المذهبية و الدينية بغض النظر عن اى تطور يحدث فى المجتمعات ، لا تعترف بالدساتير الوضعية و تعمل على عدم فصل الدولة عن الدين و من أمثلة تلك الأحزاب حزب النور السلفى ، و جماعة الأخوان المسلمين فى مصر …

تلعب الأحزاب السياسية دورا أساسياً فى الديمقراطيات البرجوازية ، فهى جزء من آليات السلطة السياسية ، كما أنها من المفترض أن تقوم بعملية تشكيل الوعى السياسى للجماهير ، فالأحزاب تعتبر إحدى أوجه الرقابة الشعبية على أعمال الحكومات بجانب الرقابة البرلمانية أو الدستورية ، كما أنها تكرس مبدأ تداول السلطة و ممارسة المعارضة السياسية ، و برغم كل ذلك و بالتحليل التاريخى سنجد إن النظام الحزبى البرجوازى لم يحمى مصالح الطبقات الكادحة بل كان على العكس تماماً نظرا للتزاوج بين النظام السياسى التى أقره الفكر البرجوازى مع النظام الأقتصادى الرأسمالى ، مما همش دور الطبقات الكادحة فى العملية السياسية و أتضح ذلك خلال الفترة الأخيرة مع تعاظم أزمات الرأسمالية و عدم قدرتها على حل المشكلات الإجتماعية و الأقتصادية مما أدى إلى نشوء حركات شعبية بدأت تشغل حيز مهم بجانب الأحزاب فى العشرين سنة الأخيرة ، بل أن الأحزاب نفسها بدأت تنقسم من الداخل إلى حركات منظمة أخذت شكل به جانب كبير من الإستقلالية عن نظام الحزب الأساسى و من أكبر الأمثلة على ذلك حركة حزب الشاى المنبثقة من داخل الحزب الجمهورى التى دعمت دونالد ترامب فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة ، و فى الانتخابات الفرنسية الأخيرة شاهدنا كيف فقد الناخبين الثقة فى الحزبين الكبيرين و هما الحزب الإشتراكى و الحزب الجمهورى ، ليفوز إيمانويل ماكرون بالرئاسة و هو يعتبر خارج المنظومة الحزبية ، فالحزب الذى تقدم بأسمه فى الانتخابات لم يتأسس إلا فى إبريل 2016 و هو حزب غريب التكوين أعتمد على شبكات التواصل الإجتماعى فى جذب أعضاء له لا تعرف له أيديولوجية واضحة و إن كان يصنف نفسه كحزب ليبرالى يمثل يمين الوسط لكن عندما تقرأ البرنامج الأساسى للحزب لا يختلف عن أحزاب يمكن أن تصنف فى أقصى اليمين إلا فى موقفه من الاستمرار فى الاتحاد الأوروبى كذلك موقفه من المهاجرين ، أستطاع الحزب أن يجذب البرجوازية الفرنسية الكبيرة مما أدى إلى حصوله على دعم قوى من الشركات ، لذا كان موقفه من الاستمرار فى الاتحاد الأوروبى محسوم مقدما فهو فى صالح تلك الشركات ...

سأتوقف عند تلك النقطة و للحديث بقية ...


______________________________________
مصادر

هانز كلسن – الديمقراطية طبيعتها و قيمتها ، ترجمة على الحمامصى - مكتبة الأنجلو المصرية
الليبرالية و أزمة التجديد الإصلاحى – مقال للدكتور عبد الحليم عويس – شبكة الألوكة 2015/10/28
السيد ياسين – مجلة الديمقراطية - السلطة بين الصفوة و الجماهير – 2012/11/7 العدد 48
دكتور على الدين هلال – مجلة الديمقراطية – النخب السياسية بين مطرقة العولمة و سندان الديمقراطية – 2014/2/16 العدد 52
هانى نسيرة - الليبراليون الجدد فى مصر ، اشكال الخطاب و الممارسة - كراسات استراتيجية - مؤسسة الأهرام - أغسطس 2006
Vilfredo Pareto - The Rise and Fall of Elites: Application of Theoretical Sociology 1st Edition
Wright Mills - The Power Elite - 1/18/00 Edition

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول