الانبثاق الكوني والنظريات الضمنية (1)

يحيى محمد
2017 / 4 / 24

رغم عمق التطورات التي حدثت للفيزياء المعاصرة الا انها بحسب التحليل ما زالت تواجه مشكلتين ميتافيزيائيتين مستعصيتين عن الحل، وقد كثرت حولهما التكهنات، ويمكن تلخيصهما بمشكلتي الانبثاق الكوني والنظام. فالسؤال الذي يطرح بهذا الصدد: من أين أتى الكون بطاقته الرهيبة؟ كذلك كيف تشكّل النظام الدقيق وسط حرائق هذه الطاقة الضخمة وانفجاراتها النووية؟ وبعبارة اخرى، كيف تولد النظام من فوضى عارمة كما تصورها النظريات الفيزيائية؟ فما زال الفيزيائيون يسلمون بان العشوائية هي الاصل السابق على النظام لا العكس.
هاتان هما المشكلتان الاساسيتان اللتان تواجهما الميتافيزيا المعاصرة، فهما مختلفتان من حيث التحديد، وعلاج احداهما ووضع الافتراضات التي تخصها يغاير علاج الثانية وافتراضاتها، اذ ترتبط الأولى منهما بالسببية الانطولوجية، فيما تتعلق الثانية بمنطق الاحتمالات. ولو انه تم تفسير المشكلة الاولى، لكانت هناك حاجة اخرى لتفسير الثانية. وحتى عندما نفترض تفسيراً مشتركاً لعلاج المشكلتين السابقتين مثل الاعتماد على وجود سبب خارجي يتصف بالذكاء والتصميم، فهو وان كان يكفي لعلاج كلا المشكلتين ميتافيزيقياً، الا انه لا يكفي لتوضيح ما حدث من تفاصيل فيزيائية، فما هي الافتراضات والقوانين الفيزيائية التي خضعت لهما آلية الانبثاق والنظام؟
ومبدئياً تميل الميتافيزيا المعاصرة الى التفسير الضمني للحالتين الانفتي الذكر. فقد تعاملت مع المشكلة الأولى طبقاً لاعتبارات السببية الضمنية للتخلص من الأصل الميتافيزيقي الخارجي وبرج السلاحف. كما تعاملت مع المشكلة الثانية استناداً الى المنطق الاحتمالي وفقاً لبعض الاطروحات الرائجة والمفترضة حالياً. وفي كلا الحالين لا مجال لتجاوز مبدأ السببية العامة ولا منطق الاحتمالات.
هكذا فمن وجهة النظر السائدة اليوم لدينا سببية ضمنية، مثلما لدينا نظام ضمني ضروري. وان ازمة الفيزياء المعاصرة قد تعاظمت بفعل هذه الافتراضات الضمنية، ما جعلها تتراوح في محلها لعدم وجود آلية مشتركة واضحة لعلاج اي من المشكلتين الانفتي الذكر، انما هناك نظريات واقتراحات تزداد مع الوقت.
لقد انقاد الفيزيائيون الى علاج المشكلتين كلاً على حدة، فهناك نظريات تسعى لعلاج المشكلة الاولى، فيما تسعى نظريات اخرى لعلاج الثانية، وهم يفعلون ذلك وكأنه لا علاقة لاحدى المشكلتين بالاخرى، مع انهما مرتبطتان معاً. وتعتبر نظرية (هارتل – هوكنج) ومثلها نظرية قفزة الكموم الكونية لعدد من الفيزيائيين من اهم الفروض التي سعت لعلاج الانبثاق الكوني ضمنياً. فيما تعتبر نظريات التضخم اهم الفروض التي انشغلت بقضية النظام الكوني. وفي حالات معينة قامت بعض الاطروحات بتقديم اقتراح يمكن توظيفه لعلاج المشكلتين معاً، ومن ذلك ما يتعلق بالاكوان المتعددة الناشئة من حدوث قفزات كونية باستمرار من دون انقطاع، حيث تعبر هذه القفزات عن الانبثاق الكوني ذاتياً من دون أسباب خارجية، كما ان حدوثها باستمرار يهيء الفرصة لخلق كون منظم وسط اكوان عشوائية متعددة بلا حصر. لذلك فان هذه الاطروحة قابلة للتوظيف لعلاج المشكلتين معاً، مثلما سيأتي تفصيل ذلك ضمن دراسة قادمة..
وعلى العموم تميل النظريات الفيزيائية السائدة الى الاعتقاد بامرين ميتافيزيائيين:
اولاً: التفسير الضمني الذي يبتعد عن الحلول الميتافيزيقية الخارجية، سواء تعلق الامر بعلاج المشكلة الاولى ام الثانية.
ثانياً: الميل الى الاعتقاد بان الكون بدأ من عشوائية وانتهى الى النظام الدقيق. فالعشوائية هي الاصل السابق على النظام، وهي الحالة المتجذرة على الدوام، في حين ان النظام هو العرضي او الشاذ. وهي فرضية مرتبطة بالمشكلة الثانية، لكنها غير مقطوعة الصلة عن الاولى، بمعنى ان الانبثاق البدئي للكون كان عشوائياً من دون قصد مبيت.
ومن حيث التحليل نجد بهذا الصدد ثلاثة افتراضات ممكنة منطقياً:
1ـ ان الاصل هو الفوضى او العشوائية، ومن ثم ظهر النظام الكوني الدقيق.
2ـ ان الاصل هو النظام ثم ظهرت العشوائية كترشحات عنه هنا وهناك.
3ـ ان الاصل هو التشفير الثاوي خلف ما يبدو من عشوائية، وهو ما يصنع النظام.
هذه ثلاثة افتراضات ممكنة سنعالجها ضمن دراسة مستقلة تتعلق بمشكلة النظام. اما في البحث الحالي فسنكتفي بدراسة النظريات الضمنية السائدة حول الانبثاق الكوني كما يلي..

مشكلة الانبثاق الكوني
معلوم اننا في دائرة الاسباب والمسببات الطبيعية لا نعاني مشكلة حول تحديد السببية عموماً، حيث في كل ظاهرة او حادثة ندرك ان لها سبباً ما، حتى وان لم نتمكن من تحديده، لكن ما نصادفه في السببية الميتافيزيقية امر مختلف، اذ كيف يمكن لهذا المبدأ الانفتاح على قضايا ما وراء الطبيعة؟ فكل ما يمكن ان يدل عليه هو ان الظواهر والحوادث تحتاج الى اسباب، لكن من دون تخصيص ان كانت الاسباب ضمنية ذاتية او خارجية مستقلة. فهناك افتراضان حول السبب الميتافيزيقي، فاما ان يكون ذا طبيعة ضمنية جوانية يعود الى اصل المادة الكونية، بحيث ان من طبيعتها ابداع الحوادث من دون انقطاع، او ان يكون السبب خارجياً يعود الى فاعل ميتافيزيقي يعمل على خلق الحوادث الاصلية.
فانطلاقاً من السببية قد تكون دائرة سلسلة العلاقة بين الاسباب والمسببات مرجعها الى الطبيعة الجوانية للمادة، بمعنى انها ضمنية ذاتية، كما قد يحتمل ان تكون برانية مستقلة. ويبقى السؤال هو كيف يمكن ان نرجح احد الاحتمالين على الثاني؟ هل من وسيلة تكشف لنا عن اصل السببية ان كان ضمنياً ام خارجياً؟ فهل هناك ما يدعو (السببية الابستيمية او الاعتقادية) ان ترجح احد الفرضين على الاخر ؟
بداية ان الاعتراف بالسببية الجوانية لا يعني ان الحوادث والظواهر تصدر عن العدم المحض. فالسببية الاعتقادية لا تفسح مجالاً لمثل هذا الافتراض طبقاً لغريزة العقل الفطري. فبحسب هذا العقل ان من المستحيل ان تكون هناك حادثة يمكن ان تتحول من العدم الى الوجود من غير سبب مطلقاً. وبالتالي فكل ما يمكن ان تدعيه السببية الجوانية هو ان من طبيعة المادة ووفق شروط قد تكون قابلة للتعيين ان تخلق بانتظام جملة من الحوادث المحددة. وليس في ذلك اخلال بقانون السببية العامة. فالحال اشبه بالنار التي لها قابلية ثابتة على الاحراق وفق ظروف معينة.
وعلى الصعيد الفلسفي نجد نصاً لديفيد هيوم يشير الى هذا المعنى من السببية الجوانية من دون حاجة الى سببية خارجية او ميتافيزيقية. فهو يعترض على الإلهيين القائلين بضرورة التوقف عند اصل خارجي دون الاستمرار بالسلسلة الى ما لا نهاية، اي تجنب ما يعرف لدى علماء الكونيات ببرج السلاحف، فيقول: ‹‹اذا توقفنا ولم نمضِ ابعد من الإله، فلمَ الذهاب الى هذا الحد اصلاً؟ لماذا لا نتوقف عند العالم المادي؟ عبر افتراض انه يحتوي داخله على مبدأ نظامه، فنحن نؤكد كذلك كونه إلهاً››. فهنا ان التفسير الضمني لهيوم يجعل من ذات الكون المادي إلهاً، بمعنى انه لا حاجة للذهاب اكثر من ذلك عبر التوسل بالاسباب الخارجية الميتافيزيقية.
لقد انعكس هذا التصور الفلسفي، كالذي نجده لدى هيوم، على الميتافيزيا المعاصرة، فهي تميل الى جعل دائرة الاسباب والمسببات لا تخرج عن الحيز الكوني. وهو اعتراف ضمني بوجود سببية جوانية ذاتية. بمعنى ان من طبيعة المادة الكونية ان تنتج الحوادث بتلقائية ذاتية. وقد اتخذ التفسير الضمني للانبثاق الكوني اشكالاً مختلفة للتعبير عن عدم الحاجة الى العامل الخارجي، متكئاً في ذلك على نظرية الكوانتم مع استبعاد نظرية النسبية لاينشتاين، لكونها تواجه مشاكل قاتلة عندما تصل الى نقطة الانبثاق المعبر عنها بالمفردة الكونية، فهي مصابة بداء اللانهايات، كما انه ليس بوسعها ان تبين كيف انبثقت المفردة من العدم المحض. مع ذلك فان بعض النظريات وظّفت النسبية ضمن حدود معينة للتخلص من مشكلة اللحظة الزمنية الاولى التي انبثق منها الكون اعتماداً على الزمن التخيلي وكونه يمثل في الاصل بعداً مكانياً يضاف الى الابعاد الثلاثة، وذلك كعلاج يدخل ضمن بعض الحيل الخيالية والرياضية . وهذا ما لجأت اليه نظرية هارتل وهوكنج، في الوقت الذي استعانت - ايضاً - بالكوانتم للتخلص من محل المفردة ضمن مبدأ اللاتحدد او اللايقين لهايزنبرج. واليوم تعتبر هذه النظرية مع اطروحة التراوح الكمومي للفضاء من ابرز تفاسير الانبثاق الكوني.
فوفقاً لنظرية هارتل وهوكنج ان الكون حادث غير ازلي، لكنه نشأ من دون بداية محددة زماناً ومكاناً، فهو كالكرة يتصف بالتناهي بلا حد معين، فله ابعاد اربعة للمكان من دون زمان، او ان الزمان كان تخيلياً غير حقيقي. وعليه فطبقاً لمبدأ عدم اليقين جرت نشأته ضمن احتمالات مفردات او نقاط كثيرة منبسطة بحسب الدالة الموجية؛ بلا مركزية محددة او طرف محدد ليقال انه ها هنا بدأ النفخ في النار، فقوانينه تعمل ذاتياً من الداخل دون حاجة الى اي مؤثر خارجي.
وبلا شك يختلف هذا الكون المغلق عن كون اينشتاين الذي تم تصويره كالاسطوانة التي تنغلق ابعاده الثلاثة، اما الزمان فاشبه ما يكون مستقيماً. في حين انه لدى هارتل وهوكنج تنغلق الابعاد الاربعة جميعاً وليس الثلاثة فقط، فهي على هيئة قاعدة اسطوانية لا تملك نقطة محددة للمفردة ولا لحظة زمنية للنشوء، خلافاً لاينشتاين الذي افترض للكون تاريخاً محدداً بدقة وليس فيه عدم يقين. ويعود هذا الخلاف في الاساس الى تضارب المسلمات بين اينشتاين ومدرسة كوبنهاكن الكوانتية بزعامة نيلز بور.
وواضح ان الغرض من هذه النظرية هو جعل الكون مغلقاً تماماً دون ان يحتاج الى سببية مؤثرة من الخارج. فالكون في حد ذاته يبعث بالطاقة بلا حاجة للنفخ في النار، وذلك قبل ان تتبلور هندسة الزمان كما نألفه. فأول لحظة بدأ فيها الانفجار العظيم هي لحظة زمن بلانك (10-43 ثانية)، وقبله لم يكن هناك زمن حقيقي ولا بداية محددة، فهناك فضاء رباعي الابعاد مع مفردات غير قابلة للتحديد وفقاً لإحتمالات الكوانتم الخاصة بالدالة الموجية ومبدأ عدم اليقين.
هكذا اعتمدت نظرية هارتل وهوكنج على النسبية فتخلصت من الزمان بتحويله الى بعد مكاني رابع، كما اعتمدت على الكوانتم في مبدأ عدم اليقين فتخلصت من تحديد المفردة. ولأجل ذلك استعانت بالرياضيات لتتقبل اللعب بمثل هذا الدور المصطنع، لكنها لا تعني شيئاً أمام الحقيقة الخارجية للمكان والزمان. وهي تعترف بانها تمثل صياغة رياضية مفترضة لا تعبر في حقيقتها عن الواقع الموضوعي بالضرورة.
لقد تجاهلت هذه النظرية النظام الدقيق للكون، إذ كيف يمكن لحدث الإنفجار العظيم، وهو واحد غير متكرر، ان يصنع هذا النظام؟ هكذا بمحض الصدفة. كما تضمنت بعض المفارقات، فهي تعترف من جانب بحدوث الكون وانه ليس ازلياً، لكنها تتضمن من جانب اخر فكرة وجود ابعاد مكانية تمثل شرطاً لعدم تحديد المفردة فيها، وكأنها بذلك تتضمن فكرة ازلية الابعاد المكانية الاربعة، والا كيف امكن لهذه الابعاد ان توجد؟! وعليه لم تكن هذه النظرية مقنعة من الناحية الفيزيائية، خصوصاً وان الابعاد المكانية فضلاً عن الزمان تعتبر حادثة لدى الفيزياء المعاصرة، سواء تم اعتبار ذلك وفقاً للنسبية ام وفقاً للكوانتم، فبحسب النسبية ان المفردة هي الاصل الذي تكونت منه الابعاد المكانية والزمان. اما بحسب الكوانتم فلديها اعتقاد فلسفي بان المكان والزمان ظهرا من فقاعة كمية.
ونشير الى ان هوكنج لم يتوقف عند هذه النظرية التي استهدفت استبعاد العامل الخارجي الميتافيزيقي المؤثر في النشأة الكونية. وعلى الرغم من انه اعلن صراحة (عام 2014) بانه ملحد لا يؤمن بالله، لكنه عاد ومال الى دعم فكرة المصمم الذكي بعد عام من هذا الاعلان، ونشرت الصحف عنه مفاجأته للاوساط العلمية لدى تصريحه بانه يعتقد بوجود شيء من الذكاء يقف خلف صنع الكون.
وقد اثار هذا الاعتراف جدلاً في الاوساط العلمية والثقافية عن مغزى هذا التحول والانقلاب في فكر هوكنج.
***
ان النظرية السائدة اليوم حول الانبثاق الكوني هي تلك القائمة على القفزة او التراوح الكمومي، فهي لا تعول على الابعاد الاربعة للمكان ولا على عدم تحديد المفردة مثلما افتعلته نظرية هارتل وهوكنج، بل انها تعتمد على الكوانتم في علاقة الفراغ بخلق الاشياء وضخ الطاقة ذاتياً. فالفضاء يمتلك القابلية على توليد الاشياء بفعل طاقته الكامنة من دون افتراضات خارجية، ومن خلاله يمكن تفسير الانبثاق الكوني. فقد افترض الفيزيائيون بحسب الكوانتم ان للفراغ قابلية ذاتية على التخليق والفناء من لا شيء، على شاكلة ما يحصل للعناصر الثقيلة المشعة من تحلل بلا سبب خارجي مفترض. فعلى المستويات المجهرية ان الكون ساحة مضطربة ومشوشة، وان الفراغ زاخر بخلق الأشياء وافنائها تلقائياً. لذلك يعبر عنه بالفراغ الوهمي او الزائف (false vacuum).
فهناك علاقة محددة بين الطاقة والفضاء يمكن ان يطبق عليها مبدأ اللايقين. فالفضاء مشحون بالطاقة، وهي تنبثق منه تلقائياً وفق ذلك المبدأ. والعلاقة بينهما عكسية، فكلما ضاق الفضاء كلما تعاظمت الطاقة، الى درجة انه يمكن صنع ثقب اسود صغير بهذه العملية كما يرى البعض.
ومعلوم انه بحسب النسبية العامة تكون الطاقة او الكتلة الكلية للكون صفراً طالما تتساوى القوة الجاذبة مع القوة الدافعة او المعاكسة، وهي التي تعود الى طاقة الفراغ الضمنية او طاقة الثابت الكوني في الفراغ، فاحداهما تلغي الاخرى فتصبح الحصيلة صفراً. اما نظرية الكوانتم فلها وجهة نظر اخرى مختلفة، فهي لا تنكر وجود القوتين المتضادتين والمتعادلتين، احداهما موجبة داخل المادة، واخرى مضادة تعادلها، وهي الطاقة السالبة الموجودة في مجال الجاذبية المتغلغلة في كل مكان، والنتيجة التي تسفر عنهما في مثل هذه الحالة هي الصفر، لكن تضيف الى ذلك بان الفراغ وفقاً لمبدأ عدم اليقين يبعث على تذبذب كمي مستمر لخلق الجسيمات وفنائها، والعملية في مثل هذه الحالة لا تؤثر على طاقة الكون الاجمالية، الا انه قد تنجو بعض الجسيمات المنبثقة من الفراغ من دون ان تعود الى الفناء مرة اخرى بفعل هذا التذبذب الكمي، وهو ما يجعل فارق الطاقة بين القوتين المتضادتين ليس صفرياً تماماً، رغم انه مقارب للصفر.
والنتيجة هي انه تم توظيف هذه العملية في تفسير نشأة الكون برمته، فهو يعود الى تذبذب وجودي ادى الى انبثاقه من لا شيء. ويعترف الفيزيائيون بان هناك لغزاً يتعلق بمصدر وجود هذه الامكانية الكمية للطاقة في الفراغ الخاوي. وبعبارة ميتافيزيائية: من أين أتت طاقة الفراغ وكيف؟
قد يكون لهذا الحديث علاقة بما تم اثباته من ان الفراغ لا يخلو من طاقة وبعض الحقول المؤثرة مثل الحقل الكهرومغناطيسي وتوليده للفوتونات الافتراضية، كالذي كشف عنه ما يعرف بتأثير كازيمير؛ نسبة للفيزيائي الهولندي هندريك كازيمير الذي تنبأ بهذا الحال (عام 1948)، ثم اثبتت بعض التجارب صحة هذا التأثير الضعيف، رغم اللغز الذي احاط بطبيعة ماهية هذه الطاقة، فهل تعود الى طاقة الثابت الكوني والطاقة المظلمة؟ وهل انها تبعث على التجاذب ام التنافر؟ لكن ما يظهر من التجارب يفيد بان هذه الطاقة ذات قوة جاذبة، ولنا حولها تفسير خاص تعرضنا اليه في دراسة مستقلة. وهي في جميع الاحوال ليست معنية بخلق الاشياء المادية ولا الانبثاق الكوني، خلافاً لما يصوره البعض احياناً.
ومن وجهة نظر الفيزيائيين ان الانبثاق الكوني مرتهن بعلاقة الطاقة مع الجسيمات المادية، فللطاقة قابلية على تخليق هذه الاخيرة، لكن ما يثير الانتباه هو ان هذه الجسيمات لا توجد الا بهيئة ازواج متضادة، ومن ذلك ان الطاقة الضخمة على مستوى المسافات الضيقة قابلة لتوليد هذه الازواج التي تظهر وتختفي كما في حالة الثقوب السوداء والمفردة الكونية. ويتميز خلقها وفناؤها بسرعة عظيمة ضمن مدة ضئيلة يقدرها البعض بانها لا تزيد على زمن بلانك (10-43 ثانية). فسرعان ما تفني هذه الازواج بعضها للبعض الاخر فور التقائها، ما يجعلها تحرر طاقة كبيرة.
فعلى اساس هذه الحقيقة التجريبية التي اثبتت بان للطاقة قابلية على خلق ازواج متضادة للمادة؛ افترض علماء الكون ان للفضاء الصرف قدرة على خلق هذه الجسيمات ايضاً عندما يكون في حالة ضيق واعوجاج او انحناء، وسميت بالوهمية او التقديرية او الافتراضية باعتبارها مفترضة. والبعض يرى انها حقيقية بالفعل. لكن ليس عليها دليل تجريبي الى يومنا هذا.
هكذا يُصور الفضاء بانه مليء بخلق الجسيمات الافتراضية، وان عملية النشوء والفناء تجري بشكل ثابت ضمنياً، شبيه بما يحصل مع ظاهرة انحلال العناصر الثقيلة المشعة، حيث يجري الانحلال بشكل ذاتي وبنسبة ثابتة هي نصف عدد الذرات لكل عمر باستمرار دون ان يصل الى انعدام الذرات كلياً، ودون ان يعرف اي الذرات ستتحلل. فعلى هذه الشاكلة اعتبرت الحوادث الكمومية تحدث تلقائياً من دون وجود أسباب خارجية. فهو توصيف لما ينتاب الفضاء الكوني من تأرجحات احتمالية، حيث يتم انتاج الطاقة والجسيمات من الفراغ؛ بلا نفخ في النار ولا سلحفة فائقة او سبب خارجي متأصل.
لقد تحدثت الكوانتم عن حالة من التعادل في خلق الجسيمات واختفائها. فالفضاء يخلق ازواجاً من الجسيمات المتضادة، وان بعضها يفني البعض الاخر ضمن ما يعرف بالتقلبات الكمومية للفراغ (quantum vacuum fluctuations)، ويتولد بفعل هذه العملية طاقة كبيرة تعمل على مد الفضاء الخاوي باستمرار. وتجري الحالة دون زيادة ولا نقصان، فهناك ما يعرف بحفظ الطاقة عند التحول الى المادة او العكس، وفقاً لمعادلة اينشتاين الشهيرة (الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء). فالطاقة تولد مادة، والمادة تولد طاقة، وقد تعود الاخيرة الى توليد المادة من جديد عندما تتهيء لها الفرصة المناسبة، وهكذا تدور العملية بما يشبه علاقة البيضة مع الدجاجة.
ويعود اصل اكتشاف فكرة الجسيمات المضادة الى ديراك بداية ثلاثينات القرن الماضي. فقد بدأت القصة عندما حاول ديراك ان يصلح المشكلة المتعلقة بمعادلة شرودنجر الموجية، واسفرت العملية في البداية عن ظهور مشكلة جديدة تتمثل بوجود طاقة سالبة للالكترون، لكن سرعان ما تبين بان حالات هذه الطاقة هي سند عظيم للنظرية؛ لانها ادت بعد تحليلات هذا الرياضي الى تنبؤ ما سمي في البداية بنظرية الثقوب، وهي المطلق عليها - فيما بعد - جسيمات البوزيترون، فعندما يتلاقى الالكترون والبوزيترون يختفي الالكترون في الثقب ويختفي الثقب ايضاً، لان الالكترون ملأه، وهكذا يفنيان مع توليد طاقة اشعاعية كبيرة هي ما تعرف باشعة جاما.
لقد فسر ديراك الطاقة السالبة وكيفية تحولها الى موجبة، ومقدار التحويل، كذلك ما الذي يجعل الالكترون مرئياً بعدما كان في الفراغ غير مرئي، ومن ثم كيف يخلف الالكترون حفرة موجبة هي البوزيترون.
وتبقى الطاقة في هذه الحالة ثابتة من دون تغير، فليس هناك ما يبرر وجود شيء كالبوزيترون من العدم، فلو امتص الالكترون فوتوناً يمتلك طاقة كافية بحيث تعادل على الاقل ضعف كتلة الالكترون لاصبح الالكترون موجب الطاقة ويخلف وراءه ثقباً في الخلاء. فهذا الثقب لا بد ان يتصرف بسبب غياب شحنته السالبة وطاقته السالبة مثل الكترون شحنته موجبة وطاقته موجبة، والمقصود بالثقب - هنا - هو البوزيترون.
وبعبارة رياضية ان الانتقال من الحالة (-mc2) الى الحالة (+mc2) يتطلب ادخال طاقة مقدارها 2(mc2) . وتساوي بالنسبة للالكترون نحو واحد ميجا الكترون فولت. واصطدام فوتونين لهما طاقة كافية يولدان زوجاً من الالكترون والبوزيترون، اي تتحول الطاقة الى كتلة هذين الجسيمين، او ان طاقة الفوتونات الكبيرة تتحول الى قدر بسيط من المادة والمادة المضادة وفق قاعدة اينشتاين حول الطاقة والمادة. فالبوزيترون ومثله الالكترون هما جسيمان ناشئان من الطاقة الصرفة.
وكذا يحصل العكس من خلال تصادم الالكترون بالبوزيترون حيث يتفانيان مع توليد طاقة اشعاعية فوتونية مقدارها 2(mc2) ، وهي تمثل تفجيرات لاشعة جاما المدمرة.
وعندما نريد معرفة طاقة فوتون فلا بد من ان نضرب درجة حرارة الاشعاع بثابت بولتزمان الاحصائي، ويساوي هذا الثابت (0.00008617) الكترون فولت لكل درجة حرارة كلفن. ولكي يولد الفوتون او الاشعاع جسيمات فلا بد من ان تكون له طاقة كافية، وهي على الاقل طاقة السكون (mc2). وتقدر هذه الطاقة التي يمكنها تخليق جسيمي الكترون وبوزيترون بما يساوي (0.511003) مليون الكترون فولت. ولايجاد حرارة كافية لامتلاك هذه الطاقة فانه وفق ذات المعادلة المذكورة يمكن تقسيم تلك الطاقة على ثابت بولتزمان المشار اليه، فيكون الناتج حوالي (6 مليار كلفن)، اي (5.93 × 910 كلفن)، وتسمى بدرجة حرارة عتبة الالكترونات التي يمكن ان يتولد عندها وما فوقها ازواج الالكترونات والبوزيترونات تولداً حراً من اصطدام الفوتونات او الطاقة الاشعاعية الصرفة. وفي تقدير اخر ان درجة حرارة العتبة لخلق الالكترونات والبوزيترونات من الفوتونات هي (4 مليار درجة مئوية).
وعليه تم افتراض ان البوزيترون حين يكون في فضاء خال فانه يكون مستقراً كالالكترون، لكنه حين يمر عبر المادة فانه يتفانى مع احد الكتروناتها فيتولد عبر ذلك تلك الطاقة المتفجرة. وهي اشعة جاما التي كانت تملأ الكون بداية نشأته وفقاً للتصورات الفيزيائية الحديثة، ورغم انها مدمرة للغاية، كما يشاهد في حالة انفجار القنبلة النووية، الا ان من خلالها تم صنع الكون ونظامه الدقيق.
وعموماً ان ما يحصل هو امر متبادل، حيث تتحول الطاقة الى مادة مزدوجة، وتتحول هذه الاخيرة الى طاقة. فاذا كان لفوتونات اشعة جاما طاقة عالية كافية فانه يمكن ان تتحول الى ازواج من الالكترونات والبوزيترونات.
لقد تم التأكد من معادلة ديراك التي تتنبأ بوجود الكترون موجب الشحنة (البوزيترون) من خلال ما لاحظه الفيزيائي الامريكي كال اندرسون في الاشعة الكونية. ومنذ ذلك الوقت تغيرت المفاهيم عن الجسيمات الاولية. اذ اكتشف اندرسون آثار جسيمة موجبة اثناء مشاهداته الرائدة للاشعة الكونية (عام 1932)، وذلك من خلال تتبع مسار الجسيمات المشحونة اثناء حركتها في غرفة الضباب، وهي تصميم خاص تترك فيها الجسيمات ذيلاً شبيهاً بذلك الذي يتكثف عن الطائرات، ورأى ان بعضها ينتج مساراً ينحني بواسطة مجال مغناطيسي بالمقدار نفسه، مثل مسار الالكترون، لكن في الاتجاه المضاد، وقد صكّ له مصطلح (بوزيترون)، وحصل على هذا الاكتشاف جائزة نوبل.
ومن بعد ذلك شاع وجود جسيمات مضادة اخرى تم اكتشافها. وبعضها تم توليدها لدى المعجلات (المصادمات) كمحاولة لفهم ما قد حصل لدى مرحلة ما بعد الانفجار العظيم بمدة قصيرة جداً.
فهناك بروتونات مضادة، وكواركات مضادة، ونيترينوات مضادة، بل وهناك ذرة هايدروجين مضادة امكن تخليقها او الكشف عنها لدى بعض المعجلات. ولو انه تم الكشف عن وجود ذرات هليوم مضادة لافضى ذلك الى الاعتقاد بوجود نجوم مضادة باعتبارها مصنوعة منها. وهو ما قد يفضي الى الاعتقاد بان كل شيء له مثيل مضاد، حتى بالنسبة لنا كأفراد مشخّصين، وهو ما يعتقده بعض الفيزيائيين بالفعل، استناداً الى ما يعرف بقطة شرودنجر.
وطبقاً لهذه الاكتشافات تم افتراض ان كوننا قد نشأ بفعل التفجيرات الحاصلة بين الجسيمات المتضادة بداية نشأة الكون. فبعد ان حدثَ الانفجار العظيم لاسباب مجهولة تحررت طاقة ضخمة كافية لتوليد جسيمات متضادة سرعان ما اخذ بعضها يفني البعض الاخر مولدة طاقة كبيرة جراء هذا الافناء بين الازواج المتضادة. وهو امر تم التأكد منه في المعجلات، لكن الشيء المثير للفيزيائيين هو ان المفترض ان يحصل لدى بداية نشأة الكون تدمير كامل للمادة ومضادتها، ما يعني اختفاء المادة من دون ان تتاح فرصة لنشأة الكون ومن ثم الحياة، او ان عملية التبادل بين الطاقة وازواج المادة المتضادة تستمر من دون نهاية ومن ثم لا مجال للنشأة الكونية. والى يومنا هذا لا يُعرف سبب انتصار المادة على غريمتها المضادة. فوفقاً للحسابات الرياضية يفترض ان تكون المادة قد انتصرت على مضادتها خلال الثواني الاولى لنشأة الكون، وهي اعظم هدية كونية تم تقديمها لنا ككائنات حية. فهناك شيء من الزيادة في المادة اكثر مما هو في المادة المضادة، وبدونها لما نشأت الحياة ولا الكون، وتُقدر بنسبة طفيفة نجت من عملية التدمير الكلي وشكّلت الاساس الذي تخلّق منه الكون، فيما اختفت المادة المضادة تماماً خلال تلك الثواني القليلة.
فعند الزمن الذي كانت حرارته عشرة الاف مليار درجة كلفن (1310)، وهي درجة حرارة العتبة للبروتونات والنيترونات، كان الكون يحتوي على عدد كبير من الجسيمات النووية ومضاداتها. فهناك بعض التقديرات لنسب المادة عند نشأة الكون، حيث ان كل بروتون واحد او نيوترون واحد يقابل مليار الكترون او بوزيترون او نترينو او فوتون. وفي تقدير احدث ان البروتون الواحد يقابل عشرة مليارات فوتون. ومن هذه النسبة البسيطة للبروتونات وما شاكلها من الباريونات وعموم الفرميونات تخلّق كوننا وحياتنا الغنية. فنسب هذه الجسيمات ومضاداتها كانت متساوية تقريباً سوى زيادة طفيفة جداً. فهناك مليار وواحد باريون مقابل مليار باريون مضاد، او ان كل مليار من المادة المضادة يقابله مليار وواحد للمادة، فبعد فناء الجسيمات النووية ومضاداتها عند هبوط درجة الحرارة لم يبقَ الا ذلك الشيء البسيط، وهو نسبة الواحد من المليار التي تشكلت منها انوية الذرات المعقدة؛ ابتداءاً من الهايدروجين. وبذلك نجت المادة التي تخلّق منها كوننا المشهود دون ان تفنى وتتلاشى مثلما فنيت المادة المضادة. وما زالت هذه الزيادة المفترضة مجهولة التفسير دون ان تتمكن المعجلات من حل لغزها، فتخليق المادة لا يكون الا ومعه تخليق المادة المضادة وبالقدر نفسه دون زيادة ولا نقصان.
لذلك فان بعض الفلكيين الفيزيائيين حاول ان يفسر غياب المادة المضادة بافتراض تمكن المادة ومضادتها من الانفصال عن بعضهما البعض الى مجالات واسعة لتشكل كل منهما عالمها الخاص، وبالتالي لا يمتنع ان تكون ثمة مجرات مؤلفة كلها من المادة المضادة.
لكن هذا التفسير لم يكن مقبولاً من قبل الفيزيائيين؛ لخلوه من اي آلية رياضية مقنعة للفصل بين المادتين.
كما طُرحت مقترحات عديدة خلال عقود تذهب الى وجود قوة خفية عملت على فصل المادة عن مضادتها. وابسط نماذج هذه المقترحات هي تلك التي انبثقت عن نظرية المجال الموحد، كما يلاحظ لدى نظرية التوحيد العظمى التي تأسست عليها فكرة عدم التوازن الذي افضى الى الاختلاف الضئيل الحاصل بين المادة ومضادتها، فهي فكرة قائمة على خرق متزامن لمبدأي الحفاظ على التماثل والشحنة، وبسبب هذا الخرق تم اقتراح ان بدء الزمان شهد زيادة طفيفة في المادة بالنسبة لمضادتها.
وهذا الافتراض لا تدل عليه تجارب المعجلات في تحويل الطاقة الى مادة.. ولِمَ غابت المادة المضادة كلياً من دون اثر؟
ومن حيث التقديرات الكمية، صنع الانفجار العظيم (10 50 طن) من المادة، دون ان يصنع ما يكافئ هذا القدر من المادة المضادة. وهو القدر المتبقي للنسبة الضئيلة والتي تعادل (10 -9 جسيم). فعند فناء معظم المادة مع جميع المادة المضادة فانه بقيت هذه الكمية اليسيرة مقارنة بما تمّ فناؤه. وبفعل هذه الابادة الجماعية تخلّقت اشعة جاما المدمرة التي ملأت الفضاء قبل ان تتحرر وتصل الينا بهيئة فوتونات مايكروية، وذلك بعد ان فقدت اغلب طاقتها. فهذا الاشعاع هو بقايا احفورية خافتة من الابادة الجماعية التي جرت للمادة ومضادتها. وبذلك تعتبر المادة نتاجاً ثانوياً للخلق؛ لكنها ضرورية للحياة.
ان اغرب ما في الاكتشافات الفيزيائية هو ان الكون بدأ بتضخم هائل بفعل طاقة كبيرة معاكسة للجاذبية، هي ما يطلق عليها الثابت الكوني (cosmological constant) الذي سبق ان افترضه اينشتاين لحل مشكلة التوازن عندما تصور الكون ساكناً، وحين عرف ان الكون يتسع اعتقد انه وقع في خطأ فادح لدى اضافته هذا الثابت. واليوم يعتقد الفيزيائيون ان اينشتاين لم يكن مخطئاً من حيث المبدأ، فوجود هذا الثابت ضروري للغاية، فهو الذي يبرر حالة ما حصل من تضخم كوني مندفع بقوة هائلة تفوق ثقل الجاذبية، لكن لم يعرف سر وجود هذه الطاقة في زمن لم يكن فيه ادنى فضاء.
ليس من السهل اعتبار هذه الطاقة هي ذاتها الطاقة المظلمة كالذي يشار الى ذلك احياناً مع الاعتراف بشيء من الغموض. فقد برز مفعول الاخيرة بعد مليارات السنين من عمر الكون، اي بعد ان اخذ الكون يتباطأ مدة طويلة قبل ان يعود الى التسارع في الاتساع ثانية بسبب هذه الطاقة. ويُقدر انها تغلبت على جاذبية المادة منذ حوالي (5ـ6 مليار سنة) مضت. لذلك تم تحديدها بانها تزداد مع ازدياد حجم الفضاء.
وبلا شك هناك شيء من الغموض يتعلق بوجود طاقتين لا يعرف ان كانتا متميزتين ام تعبران عن طاقة واحدة، وهما كما عرفنا: طاقة الثابت الكوني والطاقة المظلمة. وكلاهما قد ساهم في عملية التوسع. اذ تكفلت الاولى بوظيفة التضخم الاولي، حيث انها المسؤولة عن التمدد الكوني عبر الانفجار العظيم، لذلك فهي تناسب الثابت الكوني الذي وضعه اينشتاين قبل ان يتخلى عنه نهائياً. فالمعتقد السائد اليوم هو ان المفردة الكونية قد اختزنت طاقة هائلة هي ما دفعت الى التمدد والى تكوين الجسيمات والاشعة، وكلها اتية من الفراغ مجاناً، لكن التضخم محى اثار ما كانت عليه البداية كالذي تصوره نظرية جوث في التضخم الكوني مطلع ثمانينات القرن الماضي. فبعد مرحلة الانتفاخ القصيرة الأجل تحولت الطاقة المخزنة في الفضاء الخاوي الى طاقة اشعاع وجسيمات متضادة.
هذا فيما يخص طاقة الثابت الكوني، اما الطاقة المظلمة فقد تكفلت بتسريع تمدد الكون فيما بعد، وبدأ اثرها الغالب يظهر بعد ما لا يقل عن ثمانية مليارات سنة من نشأة الكون، واخذ مفعولها يزداد باضطراد عبر الزمن. لذلك اعتقد الفيزيائيون بان التمدد الكوني يضخ طاقة في الفضاء، مثلما ان هذه الطاقة قد عملت بدورها على التوسع، ويعزى لها ما سينتهي اليه الكون من تمزق وتشتت في المستقبل بلا اثر تقريباً. وهو ما يجعل مآل العلاقة بين قوتي الجاذبية الموجبة والسالبة غير صفرياً تماماً.
وفي دراسة نظرية حديثة حول الطاقة المظلمة قام بها باحثان من أكاديمية أثينا باليونان، هما سبايروس باسيليكوس وسولا، وجدا ان هذه الطاقة تحاكي - من حيث المعادلات الرياضية - حقل قوة خامسة، او حتى حقل شبح طيفي، لكن المشاهدات الفلكية جعلتهما يعترفان بأن ما قدّماه عبارة عن وهم وسراب. لذا اقترحا فكرة بديلة هي أن الطاقة المظلمة تعد نوعاً من طاقة الفراغ الكمي الديناميكي، بما يختلف عن الثابت الكوني لاينشتاين والذي يصف كثافة طاقة الفراغ الساكنة.
ولا تقف مشكلة الطاقة المظلمة عند هذا الحد، بل تناط بها مشكلة اخرى لها علاقة بالجسيمات التقديرية. فالفيزيائيون يفترضون انها نتاج هذه الجسيمات التي تُخلق وتُفنى بسرعة، والسؤال المطروح بهذا الصدد: لماذا لم تتهيء فرصة توليد الطاقة المظلمة على يد هذه الجسيمات بداية الكون، رغم انها كانت متوفرة بكثرة رهيبة؟. كما ان هذه الجسيمات لا يمكنها ان تتولد من دون طاقة سابقة، فما هو نوع هذه الطاقة التي تعمل على خلقها؟ فلو انها تعود الى الطاقة المظلمة لوقعنا في الدور، اما لو كانت هي ذاتها طاقة الثابت الكوني لكانت الاخيرة مختلفة عن الطاقة المظلمة. وبلا شك ما زالت هذه الامور تعتبر غامضة لدى علماء الكون والفيزيائيين من دون حل شاف ونهائي.
واهم ما في الموضوع هو اعتقاد الفيزيائيين بان الفضاء الفارغ الذي يدفع بالكون نحو التضخم بفعل طاقته الرهيبة هو شيء موجود وله صفات فيزيائية محددة، وهو ليس بفارغ او بعدم كما قد يبدو للبعض. فهو ممتلئ بطاقة ضخمة يُعزى لها هذا الدور الخلاق. وبحسب الكوانتم فان الفضاء الخالي يحوي طاقة تولد حقولاً ثقالية، والطاقة بدورها تتأثر بهذه الحقول ولها مفعولات هامة على توسع الكون.
لكن وفقاً لحسابات الكوانتم فان قدر كمية الطاقة في سنتمتر مكعب واحد هو أكثر من طاقة مادة الكون المعروفة كلها بما يفوق الخيال. وهي تفوق ما قدره علماء الكونيات بفارق قدره (10120) لكل سم مكعب. وفي تقدير اخر انها عند تحويلها الى كتلة فستعادل (1093 غرام) لكل سم مكعب. وبلا شك ان هذا القدر العظيم لم يقنع الفيزيائيين. فهذه الكمية الضخمة جعلت بعضهم يعتقد بأن هذا البحر اللانهائي للطاقة هو مجرد وهم ناشئ عن خطأ في الصيغ الرياضية لنظرية الكم. ولو كان هذا الحال حقيقة لكان التنافر الكوني فضيعاً ولما كان بالامكان ان يُخلق شيء بالمرة. وهي المسماة بمشكلة الثابت الكوني، وما زالت بغير حل.
لقد عولت نظرية القفزة الكونية على ما سبق طرحه وفقاً للكوانتم، اذ افترضت ان الكون بدأ كترواح كمي مايكروسكوبي او رغوة كمومية كرغوة قهوة الفنجان، او ما يطلق عليه جون ويلر زبد الزمكان (Spacetime foam)، فاندفع من العدم الى الواقع، او اندفع برمته من الفضاء الصرف الى الوجود، شبيه بما يحصل في حالة الجسيمات التقديرية. فلقد تقبل الفيزيائيون ما يحصل من غرائب في العالم الجسيمي، وهم يعتبرون هذه الغرائب قابلة للحدوث في عالمنا الكبير لولا ضآلة ثابت بلانك .. فالاحتمالات الواردة في التغيير المكاني او الانفجار المفاجئ وفقاً للتقدير الفيزيائي هو ضئيل للغاية بما يقارب الصفر. فهذا ما يمنع حدوث غرائب ذات آثار ضخمة في عالمنا الكبير، ولولا ذلك لاصبح كل شيء مستعداً للتحول والتغير فجأة من دون سبب جلي ظاهر، فلو ان ثابت بلانك كان كبيراً لازداد الزخم والطاقة وفقاً للمعادلة الرياضية التي تربط بينهما، فالزخم (p) يساوي ثابت بلانك (h) مضروباً في التردد (f) على سرعة الضوء (c)، بمعنى ان الزخم يزداد عند زيادة ثابت بلانك. ومثل ذلك تزداد الطاقة (e)، إذ تساوي ثابت بلانك (h) مضروباً في سرعة الضوء (c) على الطول الموجي (l). وبحسب التعبير الرمزي فإن:
P = hf/c
e = hc/l
لكن حيث ان ثابت بلانك (h) ضئيل للغاية فهو يمنع ان تكون هناك فوضى التأثيرات السببية، وبالتالي فالاحتمال المتعلق بهذه الغرائب هو في غاية الضآلة، لكنه ليس صفراً رياضياً.
اما في العالم الجسيمي فكل شيء ممكن الحدوث، فمن الجائز ان تنبعث طاقة كبيرة من الفضاء الصرف الضيق النطاق فجأة من دون سبب محدد. ويمكن ان يقال في هذه الحالة ان خلق الطاقة كان من لا شيء. فوجود الفضاء الهندسي الصرف هو في حد ذاته يبعث على اصدار هذه الطاقة فجأة بلا نسق ولا نظام، رغم عدم وجود دليل يثبت ذلك.
هكذا افترض الفيزيائيون النظريون ان نشأة الكون قد بدأت بفعل قفزة كمومية من لا شيء، ويقصد باللاشيء بانه صرف متصل من المكان والزمان بدون مادة ولا طاقة. فالكون بحسب هذا الافتراض اندفع برمته من الفضاء الصرف الى الوجود. وتعود هذه الفكرة الى ايام الحرب العالمية الثانية، كما ذكرها جورج غامو ناقلاً المقترح عن الفيزيائي باسكول جوردان، حيث تساءل الاخير ما الذي يمنع حدوث قفزة كمومية الى نجم كامل متفجر. وفي (عام 1973) قدّم الفيزيائي ترايون (Tryon) اقتراحاً مفاده ان الكون بأسره قد خُلق من متصل مكاني زماني صرف بفعل قفزة كمومية حولت الفراغ الى مادة وطاقة، فالكون مجرد اضطراب في الفراغ، او ان الانفجار العظيم يمثل بهذا المعنى تموجاً فراغياً. واي كون جديد انما يتكون بهذه الطريقة. وبحسب الفيزيائي النظري جريبين قد يكون الكون وكل شيء عبارة عن تموجات تسمح لتجمعات الجسيمات ان تندفع بشدة من لا شيء، وتعيش لفترة ثم يعاد امتصاصها ثانية داخل الفراغ.
وظهرت على اثر محاولة ترايون في التراوحات الكمية افكار تفريعية عديدة، ففي (عام 1978) اقترح اربعة فيزيائيين بلجيكيين فكرة خلق جسيمين ثقيلين متضادين قد حفزا على انتاج جسيمات اخرى للمادة. وفي (عام 1981) طرح بعض الفيزيائيين افتراض ان يكون الكون قد بدأ ليس بتخليق زوج من الجسيمات المتضادة، بل بتغير مفاجئ في خاصية ابعاد المكان، حيث كان له عدد كبير من الابعاد، ثم حدث (تبلّر) مفاجئ في عشرة ابعاد كما في نظرية الاوتار الفائقة. وفي عام 1983 اقترح بعض اخر بان الكون كان في اصله فوضى غير قابلة للتحديد.
وخلال السنوات الماضية الاخيرة – وبالتحديد عام 2012 - أعاد لورانس كراوس في كتابه (كون من لا شيء) ما سبق طرحه حول انبثاق الطاقة ومن ثم الاشياء من الفضاء المكاني الصرف.
وتمثل جميع النظريات السابقة خرقاً مفضوحاً لقوانين النسبية العامة، طالما تقوم على زمكان منكوفسكي الخالي من الاشياء والجاذبية. كما وانها جميعاً تسلّم بوجود شيء ما سلفاً، سواء كان متصلاً زمكانياً او فقاعة تم تضخمها، او مفردة نهائية او ما شاكل ذلك. لذلك تعتبر ناقصة حيث لم تفسر من اين اتى الشيء المسلم به سلفاً، فان كان هذا الشيء فقاعة فمن اين اتت؟ وان كان فضاءاً او متصلاً زمكانياً فمن اين اتى ذلك وكيف؟ ثم ما مصدر الطاقة الضخمة التي يحملها هذا الشيء المفترض؟
فكما عرفنا ان الكوانتم تعتقد بان الاتصال المكاني الزماني قد ظهر من فقاعة كمومية. مع ان السؤال المطروح: ما طبيعة هذه الفقاعة التي كونت المكان والزمان وسائر الاشياء؟ وما هو مصدرها؟ ثم ألا تقتضي هذه الفقاعة الابعاد المكانية ذاتها.. الامر الذي يجعلنا نعود من حيث بدأنا؟.
يضاف الى ان هناك بعض التصورات الافتراضية المرتبطة بنظرية الجاذبية الكمية التي تتخيل ان الزمكان نفسه قد يتحول الى كتلة هائجة من الفقاعات والانفاق التي تثب الى الوجود وتختفي منه على فترات زمنية تناهز زمن بلانك (10-43 ثانية) ، طبقاً لمبدأ عدم اليقين وقياساً على ما تم افتراضه بالنسبة للجسيمات الافتراضية التي تظهر وتختفي باستمرار ضمن حالة ضيقة يعبر عنها بـ (اللامكان)، كالذي يتوقع حدوثه لدى مفردات الثقوب السوداء. ومثلما يمكن لبعض الجسيمات ان تنجو من الفناء، فكذا يمكن ان تنجو فقاعة زمكانية فتنتفخ فجأة كالبالون، وهو حال ما يفسر لدى عملية التضخم الكوني خلال جزء ضئيل من الثانية من عمر الكون. وبذلك يكون الكون باكمله قد جاء من (اللامكان) والعدم. هكذا تبدي نظرية الجاذبية الكمية من امكانية حصول كل شيء من لا شيء. وقد اشار الفيزيائي آلان جوث الى ذلك بقوله: ‹‹دائماً يقال ان ليس ثمة وليمة مجانية، مع ذلك فان الكون وجبة مجانية››.
وهنا يثير عدد من الفيزيائيين بعض المغالطات، حيث يتصورون ان حالات وثب الجسيمات انما تحدث بشكل مناقض لمبدأ السببية العامة القائل بان لكل حادثة سبباً ما. وعلى ذلك اضافوا بان الزمكان يظهر ويفنى تلقائياً من دون سبب، وبالتالي يمكن لكمية من الفضاء الظهور في موقع لا يوجد فيه شيء مسبقاً، وهو تعبير عن ظهور الزمكان من لا شيء مطلقاً، او انه عبارة عن توثب كمومي من غير سبب.
واصل المغالطة يعود الى استنتاجات تتعلق بموقف نظرية الكوانتم من سلوك الجسيم غير القابل للتحديد، كالذي اعتمد عليه الفيزيائي النظري بول ديفيز. فقد اخطأ في تصوره بان العالم الجسيمي وفقاً لنظرية الكوانتم يدحض مبدأ (ان لكل حادثة سبباً). واستشهد بحالات كلها تناط بمبدأ الحتمية وليس السببية العامة. وينطبق الحال المذكور حتى مع وثبات الجسيمات الافتراضية عند (اللامكان)، او الفضاء الخالي المعوج، اي ذي الجاذبية القوية، كما في الثقوب السوداء.
والاغرب من ذلك انه ثمة تلميح لبعض الفيزيائيين – كما يذكر بول ديفيز - بان الزمكان جرت معالجته كحقل تجمد خارج حساء بدائي من عناصر قبل هندسية، وهكذا كانت كل القوى الطبيعية الاوسع في ذلك العصر الاسمى غير قابلة للتمييز، حيث لم يتبلور الزمكان بشكل متماسك بعد، وكان الكون آنذاك عبارة عن مجموعة مكونات من المادة الخام البسيطة للغاية؛ وهي التي صنع الإله من خلالها كلاً من المادة والفضاء والزمان.

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا