أكذب أكذب حتى يصدقك مجلس الامن

كريم المظفر
2017 / 4 / 5

( أكذب أكذب حتى يصدقك الناس ) من منا لا يعرف هذه المقولة لوزير الدعاية النازية جوزيف جوبلز ، الذي يعتبر احد المؤثرين في تاريخ القرن العشرين ، وهو المحرك الفعلي لرأس أدولف هتلر ، وهو القائل أيضا ، "أعطيني إعلامًا كاذبًا أعطيك شعبًا بلا وعي" و "كلما سمعت كلمة (مثقف) تحسست مسدسي"، وهي إشارة إلى أن الوعي هو السلاح المضاد لعمليات "غسيل الأدمغة" والدعاية عبر الإعلام وتوجيه الشعوب.
اسوغ هذه المقدمة وأنا اشفق على الإعلام الغربي، والإعلاميون عرب، والقنوات الفضائية العربية وبعض ( المثقفين ) الذين على ما يبدو قد تفوقوا على معلّمهم وزير الدعاية في عهد هتلر جوزيف جوبلز، ويحاولون جاهدين تحريف الامر عن مواقعه ، ويتناولون موضوع ما اسمته بالاعتراف الروسي ( بتحميل النظام السوري مسئولية ضرب مدينة شيخون بالاسلحة الكيمياوية ) وراحت شبكات التلفزة تضرب في اليمين والشمال وتستضيف اتباعها هنا وهناك ، بأسئلة لا تبتعد عن السخافة والهراء كثيرا والمكررة لجميع الضيوف كي ينفثوا بسمومهم للمشاهد العربي لتصديق هذه الرواية ، عدا ضيوفهم من المحللين الروس الذين يحاولون تصحيح الرؤى وفهم الاعلان الروسي ، فان غالبا مايقدم المقدم الى قطع المقابلة بحجة ضيق الوقت ! .
لايخفى على أحد أهمية دور الإعلام في التأثير بالرأي العام كمحرك أو مخدر للرأي العام ، ولهذا إخترت هذا الواقعة التي كشفت وبشكل كبير موضوع البروبغاندا وتأثير الإعلام على الرأي العام. وهذا حالنا اليوم لدرجة أننا أصبحنا بحاجة ماسة لنظارات نادى لإكتشاف زيف الإعلام الهدام الذي يحاول ستر قبح الجرائم البشعة من حولنا. وما نشهده اليوم في واقعنا الحالي من تجاذبات وحرب إعلانية يضيع المشاهد أمام شريط أخبار زائف لا يهدف إلا للحفاظ على بقاء الوجه الحقيقي للاعلام الزائف . فيشوش عقولنا ويتركنا في حالة من التخدير والنوم الجماعي.
يقول الطبيب النفسي توم ستافورد يشير الى أن تكرار معلومة ما تفضي إلى جعلها تبدو أكثر واقعية، بغض النظر عما إذا كانت كذلك أم لا. ومعرفة هذا الأمر يمكن أن تساعدك على تجنُّب الوقوع في الدعاية (نشر المعلومة بطريقة أحادية المنظور) ، وهذا ما يحتم علينا الرجوع الى أصل التصريح الناطق العسكري الروسي الذي أكد ( أن طائرات سورية قصفت مخازن للارهابيين تحتوى على مخزون كيمياوي في خان شيخون ) ، إلا إن الاعلام المسموم اقتطع التصريح واصبح ( روسيا تعترف بمسئولية النظام السوري على قصف خان شيخون بالاسلحة الكيماوية ) !!!.

والحال هذه يذكرنا جميعا بتصريح لصدام حسين في ثمانينات القرن الماضي عندما قال (سنحرق نصف اسرائيل .. لو حاولت الاعتداء على العراق) ، فهبت في حينها وسائل الاعلام الغربية ( في وقتها لم تكن هناك فضائيات عربية ) بكل ما أوتيت من قوة مستخدمة عبارة ( صدام حسين .. سنحرق نصف اسرائيل ) متجاهلة النصف الاول من التصريح لتقود حملة أعلامية شديدة ولتجييش العالم ضد العراق ، ونجحت بذلك بامتياز ودمرت بلاد الرافدين .
وما جلب انتباهنا اليوم هو ذلك العهر الاعلامي الذي تمارسه وسائل الاعلام العربية وهي تتراقص نغما وطربا على ماساة الناس الذين راحوا ضحية الاسلحة الكيماوية في خان شيخون من أطفال ونساء ورجال ، ليس حبا أو ألما لهذه المأساة ، وأنما كما يقول المثل ( ضارب دف ، والعرس لإبنه ) فإنها تتناول الموضوع من زاوية التشهير وتأجيج المشاعر العدائية ضد النظام السوري ، بعد أن أخرستها لعدة ايام تصريحات الرئيس الامريكي دونالد ترامب والاتحاد الاوربي الذين أعتبروا أن مصير الرئيس السوري يقرره شعبه ، والتي كانت بمثابة عضمة السمك التي استقرت في بلعوم آكلها ، وباتت تبحث عن عرس لتطبل فيه ، وأليس من الأجدى بها التركيز على السلاح الكيمياوي ان كان بيد النظام فهو مصيبة ، وان كان لدى الارهابيين فالمصيبة أكبر !!!.
هم ببساطة متمسكون برأي وفكر معلمهم جوبلز واعتمدوا وسيلته وطريقته، كذبوا ثم كذبوا وسيظلوا يكذبون حتى يصدقهم الناس، فهم أنفسهم من كذب علينا بدايات القرن الماضي إبان الثورة العربية الكبرى، ولكنهم احتلوا بلادنا واستعمرونا لسنوات طويلة، ثم كذبوا علينا ومنحوا اليهود وطنا قوميا عبر بلفور، ثم كذبوا علينا أيام النكبة وأيدوا إسرائيل، وشنوا علينا عدوانا عام 1956، ثم كذوبا مجددا في حرب حزيران، وكذبوا في حرب لبنان ومن ثم كذبوا علينا في حرب العراق، وقالوا إن الرئيس العراقي السابق صدام حسين يمتلك مخازن من الأسلحة الكيماوية. والآن يريدون أن نصدقهم عندما يقولون إن الجيش السوري هو الذي استخدم الكيماوي في خان شيخون دون أن يقدموا لنا دليلا واحدا على قولهم.
العهر الاعلامي والسياسي الكبير الذي نشهده اليوم ، يجعل من التكرار هو الشيء الوحيد الذي يؤثر على معتقداتنا ويوقعنا في مأزق كبير ، ولكن الأمر ليس كذلك ؛ إذ يمكننا أن نفكر بعقلانية أكثر، لكننا نحتاج إلى أن نفهم أن هذا يشكل مصدراً محدوداً. فعقولنا تقع ضحية لتأثير وهم الحقيقة لأننا نميل إلى استخدام الطرق المختصرة في الحكم على مدى واقعية شيء ما، أحياناً ينجح الأمر وأحياناً أخرى لا.


المشكلة أن بيننا من ينكر ذلك، وأولئك يعيشون في حالة مجافاة للواقع ونكران لحقائق باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى ، فالامريكان هم من يأن اليابنيون وسكان جنوب العراق من تشوهات اسحلتهم النووية حتى يوما هذا ، فهل هي اليوم حريصة على أطفال سوريا ؟؟؟ ، ولكن أولئك الأشخاص باتوا يملكون من ضيق الأفق ما يجعلهم دائمي الجدل والدفاع عن واقع تغير ولكنهم لا يتغيرون لأنهم ببساطة يؤمرون فيطيعون ويلقنون فيكتبون ، وجعلونا نعتقد بان تحرير فلسطين يمر عبر بوابة الفوز في عرب آيدل أو إطلاق متجر الكتروني ( هبي زون ) لتسويق وبيع المشغولات اليدوية !!!.
واولئك ينكرون وجود جماعات أصولية متشددة لا تؤمن بالثورات ولا بالدولة، سواء أكانت الدولة مدنية أو أي شكل آخر، ولا بالحريات العامة ولا بالديمقراطية، وهذا الأمر بات حقيقة واضحة، وان التوقف عن تكرار الأكاذيب هو جزء من الاحتراس من الوهم. فنحن نعيش في عالم للحقيقة فيه أهمية كبيرة، والمفروض أن تكون كذلك. إذا كررت شيئاً من دون أن تتأكد من صحته، فإنك تسهم في خلق عالم يسهل فيه الخلط بين الحقيقة والأكاذيب. لهذا فكِّر قبل أن تُكرر.
المشكلة اليوم أن هؤلاء لن يصحو مما هم فيه، وستأخذهم العزة بالإثم وسيتابعون تضليلهم للعالم والرأي العام ، وسيواصلون الكتابة عن جبروت النظام السوري ونقض روسيا والصين، باعتبار أن ما يحصل في سورية سببه طرف واحد فقط، وهم بذلك يزوّرون الحقائق والواقع.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول