نظرية الانفجار العظيم واشعاع الخلفية الكونية

يحيى محمد
2017 / 1 / 23

معلوم ان نظرية الانفجار العظيم واجهت مشكلة كبيرة تتعلق بالمجرات وعناقيدها الضخمة، فكيف امكن لهذه التكتلات ان تتكون وتتجمع مع بعض في ظروف يفترض انها كانت متجانسة وفي فترة زمنية قصيرة غير كافية لتكوين هذه التكتلات. فالمفترض في مثل هذه الحالة ان يكون الكون مليئاً بطبقة رقيقة من غاز الهايدروجين والهليوم وليس المجرات والنجوم. وهذا ما سنلقي عليه الضوء خلال الحلقة القادمة. لكن ما يهمنا هنا هو ان تشكل المجرات يقتضي ان يسبقه تفاوت في الكثافة المادية التي تعمل على تهيئة صنع هذه الهياكل الضخمة. لذا نسأل: ما هو الدليل على مثل هذا التفاوت؟ وهو الاثر الذي يفترض ان يظهر كبصمة في اشعاع الخلفية الكونية ومن دونه فلا دليل على التوسع الكوني ولا الانفجار العظيم.
هكذا ادرك اصحاب نظرية الانفجار العظيم انه لا بد من ان تظهر اثار من البقع الساخنة على اشعاع الخلفية الكونية، فهي تمثل علامة للدلالة على التكتلات المادية في الماضي السحيق. فلهذا الاشعاع اهمية عظيمة، حيث من خلاله تتم دراسة تشكل المجرات والماضي البعيد، فبعض المناطق حارة فيما البعض الاخر باردة او اقل حرارة، كما انه يحدد لنا المناطق ذات الكثافة العالية مقارنة بالاقل منها، حيث يتولد في بعضها فوتونات اكثر من البعض الاخر، فتكون اكثر كثافة وحرارة، وهو ما ينعكس على اشعاع الخلفية الكونية، باعتباره انعكاساً للماضي ويحمل اثار الكون البدائي. فهذا هو المقصود من عدم تجانس الاشعاع وتناسقه، وهو الفرض الذي عولت عليه نظرية التضخم الكوني كشرط من شروط صحتها، واصلاح لما كانت عليه نظرية الانفجار في نسختها الاولية، اذ لم تضع في الحسبان ان صنع المجرات يقتضي وجود تكثفات مادية سابقة في زمن مبكر جداً من تاريخ الكون. وعليه تداركت نظرية التضخم هذا الحال، بل وقبل ذلك كان هناك احساس لدى بعض علماء الكون النظريين بضرورة وجود تكتلات متفاوتة الكثافة تسبق عملية تكوين المجرات، ومن ثم لا بد من ان يظهر ذلك كبصمة في اشعاع الخلفية الكونية.
لكن ما تفاجأ به الفلكيون هو انه لا توجد مثل هذه التكثفات القوية للاشعاع، كما سنرى..
أما ما توقعه علماء الكون النظريون فهو عدم تماثل شدة الاشعاع في جميع النواحي، اذ قد تحدث تقلبات في هذه الشدة يصحبها تغيرات صغيرة في هذا الاتجاه او ذاك، وتنشأ هذه التقلبات عن الطبيعة الحبيبية للكون لحظة بث الاشعاع، خاصة عند بداية تشكل المجرات مثلاً. كما توجد حالات عارضة تجعل شدة الاشعاع غير متماثلة لاعتبارات مختلفة، فمثلاً ان بسبب حركة الارض بالنسبة الى بقية الكون تتغير شدة الاشعاع قليلاً في السماء. فالارض تدور حول الشمس بسرعة (30 كم في الثانية)، والمجموعة الشمسية تدور بسرعة تقارب (250 كم في الثانية). ولو ان سرعة الارض (300 كم في الثانية) بالنسبة الى التوزيع الكوني للمادة، وبالتالي بالنسبة الى الخلفية الكونية، فان طول موجة الاشعاع الواصل نحو الارض امام حركتها او خلفها سيزيد او ينقص بتلك النسبة الى سرعة الارض، اي ان مقدار التغير يساوي: (0.1%)، لذا تتغير درجة حرارة الاشعاع.
لقد قيست درجة حرارة الاشعاع (عام 1965) فبدت متوحدة الخواص في السماء، ولاحقاً تم اكتشاف ان ثمة تفاوتاً واسع النطاق في درجة الحرارة عبر السماء يبلغ جزءاً واحداً في الالف (1-1000)، وهو ما يعرف بتأثير دوبلر الذي يسببه دوران الارض حول نفسها عبر المجال الاشعاعي المتخلف عن الانفجار العظيم، اذ تبدو السماء اكثر دفئاً بقليل في الاتجاه الذي نتحرك صوبه، فيما تبدو ابرد قليلاً في الاتجاه الذي نبتعد عنه. لكن اذا نحينا هذا التفاوت جانباً والذي يطلق عليه (ثنائي القطب)، فسيبدو الاشعاع وكأنه يأتي على نحو متساو من كل الاتجاهات. ولوقت طويل والمنظرون يشككون في وجود بنية في الخلفية المايكروية على صورة انماط متذبذبة من البقع الحارة والباردة.
لقد اقتضى تشكل المجرات والعناقيد الضخمة ان تسبقه تكتلات صغيرة بداية نشأة الكون، ويفترض ان تنطبع على اشعاع الخلفية الكونية بصورة ذبذبات او تقلبات (fluctuations). وبدأ الوعي بذلك منذ (عام 1967) لدى كل من بيبلز وجوزيف سلك الذين اعتقدا بان وجود تكتلات بدائية متفاوتة قبل صنع المجرات ينبغي ان تُرى كتقلبات في السطوع او درجة الحرارة لدى اشعاع الخلفية الكونية، فلا بد من ان تكون درجة الحرارة او السطوع لدى هذا الاشعاع غير موحدة او منتظمة. وفي (عام 1970) تم حساب الاختلاف في الحرارة فتبين انه ينبغي ان تكون (5 أو 6) اجزاء من الالف. لكن لم تكن القياسات في ذلك الوقت دقيقة بما يكفي لاختبار هذا التوقع. وفي (عام 1973) كشف الراصدون عن ان هذه الاختلافات ليست باكثر من جزء من الف (1-1000). وطوال السبعينات فان الراصدين الفلكيين يخفّضون باستمرار هذه التباينات حتى انها تكاد لا توجد او انها ضئيلة للغاية. وقد انعكس هذا الفعل على عمل المنظرين في تعديل نظرياتهم تبعاً لهذه الحدود التباينية.
وفي النهاية ادرك المنظرون بان هناك القليل جداً من المادة التي لا تكفي لصنع المجرات استناداً الى حاجتها للجاذبية القوية، وبالتالي حاجتها الى مادة كثيرة، في حين ان كثافة المادة التي قاسها الفلكيون انذاك تعادل ذرة واحدة لكل عشرة امتار مكعب فقط. ولا تكفي هذه الكمية الضئيلة من تكوين التكتلات القابلة على صنع المجرات بداية نشأة الكون، وعليه كانت الحاجة الى مائة ضعف ذلك المقدار من المادة لتتاح الفرصة لصنع المجرات عبر الجاذبية. اذ تُقدر كثافة المادة في هذه الحالة بحوالي عشرة ذرات لكل متر مكعب، فهذا ما يمكن ان يوقف التوسع لتتمكن المجرات من التشكل عبر الجاذبية بالسرعة الكافية. وعليه احتاج المنظرون الى افتراض مادة مؤثرة وان لم ترصد فلكياً، وبذلك تم التعويل على ما يسمى المادة المظلمة (Dark Matter) لتفي بهذا الغرض، رغم ان الجذور الاولية المتعلقة بفكرة هذه المادة تعود الى (عام 1932) كما سيأتي الحديث عنها خلال الحلقة القادمة.
لقد جاءت نظرية التضخم الكوني (عام 1980) كصيغة بديلة للصيغة الاولية لنظرية الانفجار العظيم، فافترضت وجود مادة مظلمة تهيمن على الكون كله، حيث بفضل جاذبية هذه المادة الغريبة تتكون المجرات والتكتلات الضخمة، فيما لم يكن للمادة العادية ذلك الاثر على تكوينها، او انه كان لها اثر ضئيل يتمثل بالتكتلات المادية السابقة على صنع هذه الاجرام. لذا جاء افتراض المادة المظلمة كتعويض عما يفترض ان تكون هناك تقلبات قوية للخلفية الكونية، فاكتفى العلماء في البحث عن فروقات بسيطة لتلك التقلبات. واصبحت مهمة المادة المظلمة تتحدد في تفسير كيف امكن للمجرات وعناقيدها الضخمة ان تنشأ بسرعة بعد ان تعسر على الملاحظات الفلكية تفسيرها وفق ما عولت عليه الصيغة الاولية لنظرية الانفجار.
وتتنبأ نظرية التضخم - حتى في صورتها المعدلة - بوجود عدم انتظام ضخم في الكون المبكر بحيث لا يتفق مع التجانس الملحوظ في الموجات المايكروية الكونية (الانفجارات الثلاثة العظمى، ص237). كما انها تفترض بان الكون في مقاييسه الكبرى يتصف بالنعومة والتجانس، لكن تبين خلال منتصف الثمانينات ان في الكون كتلاً وشرائط ضخمة من العناقيد المجرية، ما لا يتفق مع اعتبار الكون متجانساً في مقاييسه الكبرى، ومن ذلك ما اكتشفه الفلكي برينت تولي Tully Brent (عام 1986) من وجود هياكل عنقودية يبلغ طولها حوالي مليار سنة ضوئية، وعرضها حوالي 300 مليون سنة ضوئية، وسمكها مليون سنة ضوئية. ثم توالت الاكتشافات بعد ذلك بما هو اعظم من هذه المقادير بكثير.
وفي (عام 1992) اظهر القمر الصناعي المسمى مستكشف الخلفية الكونية (COBE) ان الفروقات المتعلقة بتقلبات اشعاع الخلفية الكونية هي ضئيلة جداً، فقد نشر هذا القمر لاقطاته الحساسة بهدف رصد اي تفاوتات في درجة حرارة الخلفية الكونية في السماء، وتبين انها اقل مما جرى قياسه خلال السبعينات بمائة مرة، اي انها جزء من مائة الف، وليس جزءاً من الف كما كان في السابق. وتم التأكد لاحقاً من هذه النتيجة بواسطة المعدات الاكثر دقة المحمولة على المناطيد وعلى المسبار WMAP.
وفي جميع الاحوال ظهر ان التفاوتات المعتادة لا تزيد عن بضعة اجزء في المائة الف من الدرجة اعلى او ادنى من متوسط حرارة اشعاع الخلفية الكونية.
هكذا كان عام 1992 متميزاً لدى الداعمين لنظرية الانفجار العظيم، وقد ابرزت الصحف حول العالم هذا الاكتشاف المثير والمتعلق بالاثار الطفيفة في درجة الحرارة للاشعاع الكوني مع توحد الخواص تقريباً. وقد اعتبر ذلك دليلاً يؤيد المبدأ الكوني المتمثل بمجموع مبدأي التجانس وتوحد الخواص. فمبدأ التجانس يعني عدم وجود مركز محدد، فكل شيء متماثل في كل مكان. أما الكون المتوحد الخواص فيعني بان الشكل يبدو نفسه من اي اتجاه. فمثلاً ان مجرتنا درب التبانة لا تتسم بتوحد الخواص.
لقد اثار هذا الاكتشاف رضاً وقناعة للمؤيدين لنظرية الانفجار، فقد اعتبروا هذه التقلبات او التفاوتات الطفيفة للكثافة (10-5) كافية لتكوين المجرات وعناقيدها. وبالتالي كان هذا الحال مرضياً تماماً لدى العلماء على خلفية افتراضهم للمادة المظلمة والتي تم تقدير تأثيرها انذاك بمائة ضعف تقريباً قبال المادة الكونية المرئية وغير المرئية. حيث صورت بانها تشكل حوالي (99%) من كثافة الكون المادية، وفي تقدير اخر حوالي (90%)، واغلب ما تبقى يعود الى المادة غير المرئية كالثقوب السوداء وما اليها، كما هناك من رأى انها تتراوح بين (90 ـ 99 %). فهذه القوة الضخمة المفترضة هي التي عوّضت عن النقص الملاحظ في تقلبات اشعاع الخلفية الكونية، فهي تمثل قوة ثقالية اعظم لتسريع نمو الهياكل الضخمة للمجرات، وبدونها يصعب كيف امكن لها ان تتشكل بسرعة، بل وفي زمن قصير نسبياً يتراوح بين (10ـ20) مليار سنة، فبدون ذلك سيحتاج تكوينها الى اضعاف كثيرة من هذا الزمن المفترض.
اما بنظر الناقدين لنظرية الانفجار فان كل ذلك لم يلغِ المشاكل المتعلقة بتكون المجرات، فحيث ان هذه الاثار طفيفة فانها لا تفسر كيف امكن ان تؤدي الى تكوين الهياكل الضخمة للعناقيد المجرية ضمن فترة زمنية لا تعد كافية، فكيف نمت هذه الهياكل بسرعة، ولا تفسر كيف ان الكون كان اصغر عمراً من بعض النجوم العائدة اليه، فمثلاً تم تقدير بعض نجوم مجرة درب التبانة بحوالي (14 مليار سنة)، وانه تبعاً لبعض القياسات الفلكية يصل عمر بعض المجرات الى عشرات المليارات من السنين، بل ان بعضها يقدر بحوالي (150 مليار سنة)، اي اكثر من عشرة اضعاف ما يقدره الفلكيون اليوم. هذا بالاضافة الى ان هذه النظرية تعجز عن تفسير كيف ان الكميات المتوفرة للعناصر الخفيفة كانت خاطئة كلها.
لم يتوقف الحال على افتراض المادة المظلمة لحل مشكلة التقلبات وتكوين المجرات، فمع ان هذا الحال كان مرضياً تماماً (عام 1992) وما بعده، الا انه اتضح في نهاية التسعينات من القرن الماضي ان شكوكاً تجددت في قياسات اشعاع الخلفية، ما جعل فهم الكون بنظر الكثير من العلماء غامضاً، فاما ان تكون القياسات المعتمدة على هذا الاشعاع خاطئة، او ان هناك ظاهرة فيزيائية مجهولة تعمل على توسعة الفضاء بنسبة (9%) اكثر من المتوقع، مثلما لوحظ من خلال المستعرات العظمى (Supernovae) التي تشير الى التسارع، ومن خلال مشاهدة الاشعاع المذكور. وقد عبّر الفلكي الامريكي المعاصر ألِكْس فيليبينكو بان الكون ربما يخدعنا او ان فهمنا للكون ما زال ناقصاً. وعلى اثر ذلك تم التوصل الى اثبات الطاقة المظلمة (Dark energy) كأحد الاركان الهامة للفيزياء (عام 1998)، وذلك على يد ثلاثة من رواد علم الفلك، وهم شاول بيرلماتر وبريان شميت وآدم ريس، وقد تقاسموا جائزة نوبل في الفيزياء (عام 2011) لتقديمهم الأدلة على تسارع الكون وليس تباطؤه، واليوم تُقدر الطاقة المظلمة بحوالي (73%) من مكونات الكون، فيما تقدر المادة المظلمة باقل من ربع مكوناته.
كان من المهم لدى الفيزيائيين ان لا تنافس هذه الطاقة المادة المظلمة بداية نشأة الكون، اذ لو كان الامر كذلك لكانت هناك حاجة الى وجود مادة كونية مؤثرة بما فيه الكفاية للتعويض عن فقدان اثر المادة المظلمة قبال الطاقة المظلمة المتصاعدة.
***
فبحسب الافتراض الجديد ان الكون بدل ان يتباطأ بفعل المادة المظلمة فانه اخذ يتسارع ويتشتت، ولو كانت الطاقة المظلمة هي السائدة بداية نشأة الكون لما أُتيح للمجرات فرصة الصنع والتكوين. لذا افترض الفيزيائيون وجود علاقة تطورية بين هذه الطاقة وتمدد الفضاء، بل اصبحت العلاقة بينهما جدلية، فاحدهما يؤثر في الاخر، حيث بتمدد الكون تزداد كمية الطاقة المظلمة، وبزيادتها تعمل على المزيد من التمدد الكوني، وهكذا دواليك..
ففي بداية الانفجار العظيم كانت الطاقة المظلمة تقارب الصفر؛ تناسباً مع حجم الفضاء الضيق مقارنة بالفترات اللاحقة، وكانت نسبة الكثافة المادية تقدر بما يقارب الواحد (100%)، وظلت ضمن هذه الحدود حتى عندما وصل عمر الكون الى مليار سنة تقريباً، وحينها كان الكون يتباطأ، لكن مع مرور الزمن تضاءلت هذه النسبة وانخفض التباطؤ ونمت في قبالها كثافة الطاقة المظلمة، وتساوت الكثافتان منذ حوالي (5ـ6) مليار سنة مضت، مما يعني انها وصلت الذروة في التسطح، وبعدها اصبحت الكثافة لصالح الطاقة واخذت تتصاعد باضطراد حتى بلغت اكثر من (72%)، وهو ما يجعل الكون منفرجاً بعد أن كان مقوساً. وبحسب بعض التقديرات فان معدل تمدد الكون يتراوح بين (5ـ10%) لكل مليار سنة. ويُفترض ان المستقبل سيشهد المزيد من الطاقة المظلمة مع شدة الانفراج الكوني، وستبلغ الطاقة قريباً من الواحد في قبال ما يقارب الصفر للمادة، حيث يبلغ توسع الكون اعظم قدر ممكن. وهو الحال الذي يعاكس ما كان عليه الكون في البداية.
وعموماً اصبح الكون بحسب الافتراضين المتوازيين للمادة والطاقة المظلمتين واقعاً بين كماشتي التباطؤ والتسارع، او التكثف والتشتت، وان كان مفعول الاخير صار اليوم يعادل ما يقارب ثلاثة اضعاف مفعول الاول. في حين اقتضت الضرورة ان تكون السيادة للمادة المظلمة بداية نشأة الكون، فبدون ذلك سوف لا يمكن تفسير كيف امكن للمجرات وهياكلها الضخمة ان تتكون، كالذي سنخصص له حلقة تالية.
أخيراً وبعد انتهاء القرن العشرين تم اكتشاف ان اشعاع الخلفية الكونية مختلط بالغبار الدائر في مجرتنا (درب التبانة)، لذا بدا غير متجانس تماماً، فأُصيب الدليل بالضعف ومن ثم ضعف النظرية القائمة عليه.
واهم اشارة بهذا الصدد هو ان الفلكيين وجدوا في مارس (عام 2014) ان نصف الكرة الجنوبي من الارض يحمل استقطاباً للاشعاع الخلفي، وهو التواء الاشعاع يتمثل بمزيد من الدفء والاحمرار، وقد سمي باستقطاب نمط (ب) B-mode. وفي البداية هللوا لهذه النتيجة ظناً منهم انها تدل على اثار الامواج الثقالية التي تنبأ بها اينشتاين من قبل والتي سبّبها التضخم الكوني، وقد اعتبرت من اعظم الاكتشافات العلمية كما اعلنتها صحف العالم انذاك. لكن بعد اشهر من هذا الاكتشاف تبين ان هناك شكوكاً تتعلق بحدة هذا الاستقطاب، واصبح الظن بانه نتاج الغبار الذي يلاقيه اشعاع الخلفية عند مروره داخل مجرتنا. وقد زادت هذه الشكوك فيما بعد، وتم الميل الى هذا الاقتناع المخيب والمتعلق بظاهرة الغبار. وعليه وصفت نظرية الانفجار العظيم وفق هذه الشكوك والاعتقادات بانها متخبطة. وقد دفعت هذه النتائج جماعة من الباحثين الى الاعتقاد بانه وفقاً لها ينبغي للكون ان ينهار على نفسه بعد الانفجار العظيم بفترة بسيطة جداً.
يضاف الى ما سبق هناك مشكلة اخرى لم تحل كما اثارها نقاد نظرية الانفجار العظيم، وهي تتعلق بما يطلق عليه السور العظيم (Great Wall) للمجرات، مثلما تم الاعلان عنه (عام 1989)، فسمْك السور المكتشف انذاك يقدر بحوالي (20 مليون سنة ضوئية). وما زال هناك هياكل اضخم واكبر من السابق كما اكتشفها فريق عالمي مؤلف من فلكيين امريكيين وبريطانيين وهنغاريين، اذ قاموا في مطلع تسعينات القرن الماضي بدراسة المجرات فوجدوا مجاميع عنقودية ضخمة تتحرك ببطئ شديد جداً، بحيث لا تتجاوز سرعتها (500 كم في الثانية). وقد قدروا من خلال هذه الدراسة ان عمرها لا يقل عن (150 مليار سنة)، وهو ما يفوق التقديرات المعاصرة باكثر من عشر مرات. وعلى اثر هذه الاكتشافات الفلكية بدأ العلماء بطرح مفاهيم جديدة مؤسسة على قوانين فيزيائية جديدة لسد الفجوة بين المشاهدات ونظرية الانفجار. وقد اصبحت هذه ظاهرة شائعة في علم الكونيات، فكل تناقض جديد هناك افتراض علمي جديد.
وبحسب التقديرات الفلكية فان السور العظيم لهذه العناقيد يحتاج الى سرعة (2000 كم في الثانية) لكي يتم تكوينه، كما تحتاج هياكله الفائقة للتكوين الى سرعة (3000 كم في الثانية)، والمجموع هو (5000 كم في الثانية). هذا من حيث التوقعات النظرية، اما من حيث الرصد الفلكي فقد لوحظ ان السرعة الحاصلة لا تتجاوز مقدار (500 كم في الثانية)، لذا وجد علماء الكونيات تفسيراً او تأويلاً يخدم نظرية الانفجار العظيم، وهو ان هناك تباطؤاً قد حصل دون ان يدفع بالسرعة المفترضة الى اقصاها. لكن السؤال الذي طُرح بهذا الصدد هو التالي: اين ذهبت الطاقة حينما تحولت من طاقة حركية الى حرارة عند تخفيض السرعة كما يحصل في حالة فرامل السيارة من تحول الطاقة الاولى الى الثانية؟
وكان الجواب هو افتراض انها تنتشر على هيئة اشعة اكس (x)، وبالتالي ينبغي ان تظهر في الاشعة عندما تصل الينا. لكن عند فحصها وُجد انها تقدر باقل من المفترض في تحول الطاقة بمائة مرة، فاين ذهبت بقية الطاقة؟
وكجواب على ذلك خمّن المنظرون بان هناك عملية ثالثة غير معروفة ربما حولت طاقة اشعة اكس (x) الهائلة الى نوع اخر من الاشعة الراديوية. وقد لاحظ علماء الفلك نوعاً من الإشعاع الراديوي الشديد بما يكفي لاحتواء كمية هائلة من الطاقة التي من شأنها أن تنجم عن الفرملة المفترضة، فحيث ان هياكل المجرات كلها تكونت بعد صدور هذا الاشعاع الخلفي فانه يتوقع ان يكون حاملاً شيئاً من طاقة هذه الهياكل الضخمة التي انخفضت سرعتها كما يفترض. لكن النتيجة كانت مخيبة.

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا