الثورة السورية بين الواقع الموجود والواقع المنشود

ثائر أبوصالح
2017 / 1 / 16

الثورة السورية بين الواقع الموجود والواقع المنشود
د. ثائر أبوصالح
كاتب وياجث سياسي
الجولان السوري المحتل

مقدمة:
يكثر الحديث في الآونة الأخيرة، عن اعادة النظر ومراجعة عمل المعارضة السورية ومؤسساتها، وذلك على خلفية هزيمة الفصائل المسلحة في حلب أمام النظام السوري وحلفائه من الروس والإيرانيين وما يتبعهم من ميليشيات . ورغم أن هذه الأصوات كانت يجب أن تستبق الهزائم، لأن النتيجة التي وصلت البها اليوم الأوضاع في سوريا كانت واضحة وضوح الشمس للقارئ السياسي العادي، لكن أن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي أبدا. فكيف بمكن أن نتوقع انتصار الفصائل المسلحة أو تقدمها عسكريا في ظل التخلي الدولي عنها من القوى الفاعلة دوليا واقليميا من جهة، والدعم اللا محدود ،من قبل روسيا وإيران ومليشيات طائفية متعددة الجنسيات، للنظام من جهة أخرى. وفي سياق النشاط النقدي لعمل المعارضة السورية نشرت كلنا شركاء النداء الذي أطلقنه مجموعة من الشخصيات السورية المعارضة لمراجعة مسارات الثورة، والتي عرضت ايضا للتوقيع، وطالب المعارضون، وفقا لكلنا شركاء، في ندائهم المعارضة السورية، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، سيما القوى الفاعلة فيها أو المشكّلة لها، بإجراء مراجعة نقدية ومسؤولة لأوضاعها: خطاباتها، ومساراتها، وأشكال عملها، وعلاقاتها بمجتمعها ومع الخارج، لأن السير على ذات الطريق الذي سارت عليه في السنوات الماضية لن يؤدي إلا إلى تآكل صدقية الثورة، وانحسار دورها كمعارضة، وتالياً تبديد معاناة وتضحيات شعبنا، ما يفيد النظام ويطيل أمد حياته.ودعا المعارضون إلى الاعتراف بشجاعة أخلاقية وبمسؤولية وطنية، ومن دون مواربة، بأن المآلات الخطيرة التي وصلت إليها الثورة، أثبتت عقم وإخفاق التصورات أو المراهنات، التي ارتكزت عليها.(1) وكذلك عرض مركز حرمون للدراسات المعاصرة رؤيا للإصلاح عبر موقعه على الإنترنت تحت عنوان" مبادرة من “برنامج المبادرات السياسية” في مركز حرمون للدراسات المعاصرة موجّهة إلى التشكيلات السياسية السورية" (2) هذا اضافة الى الكثير من الشخصيات المعارضة المرموقة التي كان لها مداخلات في هذا الشأن عبر الفضائيات العربية مطالبة بإعادة النظر في مسار الثورة.
إن هذا الحراك صحي جدا ويجب أن يساهم فيه كل السوريين القادرين على ذلك، بهدف الوصول الى الغاية المرجوة ،وهي فهم وتحليل جوهر المشكلة أو المشكلات التي تنعكس على كل مجالات عمل المعارضة، وتجعلها غير قادرة على انجاز المهمة التي وجدت من أجلها. فلا يختلف اثنان أن التشخيص الصحيح والدقيق لأية مشكلة، هو المدخل المناسب لوصف الدواء المناسب. فأين بالفعل يكمن جوهر المشكلة؟ ولماذا لم تستطع الثورة السورية اقناع الدول الفاعلة دوليا واقليميا في دعمها كما تدعم روسيا وايران النظام؟ ولماذا لم تنجح الثورة في استقطاب فئات كثيره من الشعب السوري، والذي كله كان يعاني من الإستيداد؟ هل المشكلة بالفعل في مؤسسات المعارضة وأشخاصها؟ وهل اصلاح هذه المؤسسات أو تغيير القيادات سيؤدي الى اصلاح مسار الئورة؟ وهناك اسئلة كثيرة أخرى بمكن طرحها الى ما لا نهاية ،ولكن يبقى هناك ما نسميه جوهر المشكلة والذي منه تنبثق باقي الأعراض، فمعالجة الأعراض لا تحل المشكلة وإنما المجدي، هو التصدي للجوهر والأساس، وأن نعالجه بصراحة ووضوح ومسؤولية مبتعدين عن اللف والدوران حوله دون إعطائه اسمه الحقيقي.

تشخيص المشكلة:
لقد وضع الراحل الدكتور صادق جلال العظم أصبعه على جوهر المشكلة. ففي الحوار الذي أجرته معه جريدة "المدن" في شهر آذار من عام 2014، عندما سئل عن "البعد الطائفي" للصراع في سوريا من جهة النظام والمعارضة، قال العظم :" يوجد أبعاد طائفية متعدّدة لما يحصل في سورية اليوم على الرغم من المحاولات الكثيرة لإنكار ذلك.. وجميع الاجتماعات والمؤتمرات التي شاركت فيها خلال السنوات الماضية كانت تتهرّب عمداً من الاعتراف بوضوح بالأبعاد الطائفية للصراع في البلد، وكأن ذكر الشيء يجلبه، وعدم ذكره يبعده"، مشيراً إلى أنه "من الأفضل للثورة أن تعي نفسها جيداً بلا تورية، وأن تصارح نفسها علناً .. فالثورة رفعت غطاء الطنجرة (كما نقول باللغة الدارجة) فظهرت التشقّقات المجتمعية، وظهر العفن الطائفي الذي خلفه النظام بعد حكم نصف قرن".وأكد العظم أنه "لا يمكن للصراع أن يصل إلى خاتمته بدون سقوط العلوية السياسية تماماً كم أن الحرب في لبنان ما كان يمكن أن تصل إلى خاتمتها بدون سقوط المارونية السياسة (وليس الموارنة) في لبنان".(3)
لا شك أن توصيف الدكتور صادق جلال العظم للواقع السوري يقترب من الدقة،. فالواقع الطائفي الذي خلفه النظام من خلال، تغييبه لمؤسسات الدولة، وابتلاعه لحزب البعث العربي الإشتراكي الحاكم رسميا وإسميا في سوريا، واعتماده على لون طائفي واحد في مفاتيح القرار، خصوصا في مفاصل الجيش وأجهزة الأمن، أدى الى استحواذ مفضوح على مقدرات سوريا من قبل طائفة واحدة، وترافق ذلك مع استبعاد الطوائف الأخرى وبالذات الطائفة السنية والتي تشكل الأكثرية من الشعب السوري. وهذا ما قصده الدكتور العظم في طرحه لمصطلح "العلوية السياسية" فبدون اسقاط هذا النهج وليس اسقاط الطائفة العلوية لا يمكن ايجاد حل للصراع في سوريا. ولكن المشكلة تعقدت اكئر حينما توسعت وتحولت "العلوية السياسية" الى "شيعية سياسية" التي تتبناها ايران، ودخلت كل العناصر الشيعية الى ساحة الصراع ليصبح اسقاط "العلوية السياسبة" لا يتأتى إلا باسقاط "الشيعية السياسية" وهذه مهمة صعبة المنال في ظل موازين القوى القائمة في منطقتنا. وزاد من تعقيد الموقف التقاء مصالح "الشيعية السياسية" في هذه المرحلة مع مصالح روسيا الإتحادية، التي ارادت أن تستغل الأزمة السورية، لتعود الى الساحة الدولية، لكي تلعب دور الدولة العظمى كما كان الإتحاد السوفياتي سابقا.
إن تراجع الدور الأمريكي في منطقتنا ،في ظل إدارة اوباما من جهة، وعدم قدرة أوروبا على سد الفراغ الذي أحدثه غباب أمريكا من جهة أخرى ،جعل روسيا وحلفاءها ينفردون بالملف السوري، ووصل الوضع الى ما وصل اليه اليوم، حيث أصبح شعار اسقاط النظام في سورية مرهونا باسقاط "العلوية السياسية" و"الشيعية السياسية" إضافة الى فك التحالف مع روسيا الأتحادية، وهذه مهمة لا يمكن انجازها في ظل الواقع الدولي والأقليمي والمحلي السوري، مما أدى الى استعصاء الملف السوري على الحل، لأن جوهر المشكلة هو اسقاط "العلوية السياسية" ، وهذا يعني هزيمة النظام وحلفائه، وهذا غير ممكن حاليا وفقا لمعطيات الصراع السوري. فموازين القوى تميل لمصلحة النظام وحلفائه، فمن المستبعد أن تفضي أية مفاوضات كانت على استبعاد الاسد والحلقة المقربه منه، خصوصا في فترة الحكم الإنتقالي المطروح، في ظل الواقع العسكري القائم حاليا على الأرض وفي ظل المواقف الدولية المعلنة.
وهنا نصل الى جوهر المشكلة التي أوصلت الحالة السورية الى ما وصلت اليها اليوم، والتي يمكن أن نصطلح عليها اسم "السنية السياسية" . فالواقع الطائفي الذي خلفته "العلوية السياسية" أدى الى خروج المارد الطائفي بمجرد أن تخلخلت قدرات النظام في السيطرة على سوريا، فالتهم هذا المارد الثورة المدنية التي رفعت شعارات الحرية والكرامة واسقاط النظام وبناء الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، وتشكلت الفصائل السنية المسلحة، وتبنت بغالبيتها شعارات واهدافاً تختلف جذريا عن أهداف الثورة المدنية التي سادت في السنة الإولى من الثورة.واصبحت التورة تقوم على اكتاف المجاهدين من اجل اقامة الدولة الإسلامية في سوريا. فمهما اختلفت المسميات والأراء بين الفصائل الإسلامية حول سوريا المستقبل ، لكن كلهم يرغبون أن تكون دولة اسلامية بمضمونها ومحكومة بالشرع الإسلامي. ويبفى الفارق بين المتطرفين والمعتدلين في هذه المسألة هو تكتيك براغماتي ، يتلخص يقبول المعتدلين حسم مسألة شكل سوريا المستقبل في صناديق الإقتراع ،على أمل أن الأكثرية السنية ستحسم هذا الأمر لمصلحة الدولة الإسلامية .
وهكذا ابعدت العناصر العلمانية التي سادت في بداية تشكل الجيش الحر ،وقضي على الكثير من الفصائل العلمانية، واستقطبت الفصائل الإسلامية عناصر كثيرة من الجيش الحر نتيجة لزخ الأموال على الفصائل الإسلامية من قبل الدول الإقليمية ومنعها عن العلمانيين، وساد "المشهد السني" في مواجهة "المشهد الشيعي" في الحالة السورية، وانتفت الحالة العلمانية وبقيت شعارات بلا رصيد على الأرض.بإختصار "السنية السياسية" استغلت الظلم الذي وقع على هذه الطائفة وأخذتها الى المكان الخطأ ،فساعدت ،دون قصد، على اقناع العالم وقسم من السوريين أننا أمام ثورة اسلامية تريد أن تنتزع السلطة وليس أمام ثورة حرية وكرامة وبناء دولة عصرية.
استغلت السعودية وقطر وتركيا هذا الواقع الطائفي، ودخلوا على المشهد السوري من خلال هذه الفصائل، كما دخلت ايران من خلال النظام، وبدأوا بزخ الأموال عليهم مستغلين حاجتهم للدعم، في محاولة للتأثير والسيطرة على هذه الفصائل لاستغلالها في الحرب ضد ايران وتطلعاتها في المنطقة العربية، والتي تشكل خطرا على أنظمة هذه الدول، فلا يمكن اقناع أي انسان بسيط وحتى الساذج أن دول الخليج تسعى لآقامة نظام ديمقراطي في سوريا، ففاقد الشيئ لا يعطيه. وهكذا خرجت الثورة من اطارها السوري واصبحت حربا اقليمية بالوكالة. ان هذه التطوارات في واقع الثورة السورية ساهمت بلا شك بابعاد قسم ليس بقليل من الشعب السوري عن الثورة السورية، رغم معاناة الغالبية من هذا الشعب من الإستبداد الذي مارسه النظام عليهم، ولكن خوف هؤلاء من النظام كان أقوى بكثير من قوة جذب الثورة ، والتي أصبحت بتطلعاتها الإسلامبة مخيفة لهم بقدر ما هو مخيف بقاء النظام واستمراريته . وهذا لا يعني أبدا اعطاء المبرر لأحد في دعم النظام، فالموقف من الظالم يجب أن لا يكون موضع خلاف، ولكن قد يختلف السوريون على طريقة ردة فعل المظلوم. فقد نجد مبررا لمن لا يدعم الثورة بشكلها الحالي، ولكن لا يمكن على الإطلاق فهم كيف يستطيع انسان يمتلك الحد الأدنى من الوعي، والحس الأنساني والوطني، أن يدعم نظاما مستبدا في وطن يحبه.
إن الشعارالذي رفعته المعارضة " كل من يحارب النظام فهو جزء من الثورة السورية" أثبت فشله، وتسبب بضرر كبير في كفاح الشعب السوري ضد الإستيداد. فمن يقاتل من أجل استبدال سلطة النظام القائمة بسلطة نظام آخر جديد على شاكلة النظام هو ليس بحليف للشعب السوري، ولا يشكل انتصاره غير استبدال استبداد باستبداد اخر، وطائفية سياسية بطائفية سياسية أخرى، وفساد بفساد آخر، وهذا طبعا لا يتلاءم مع أهداف الثورة التي خرج من أجلها الشعب السوري. ودليلنا على ذلك ممارسة هذه الفصائل في مناطق سيطرتهم، فقد قاموا بمصادرة الحريات، وقمع المظاهرات، وتعذيب السجناء وقتل الكثير من الإبرياء الذين عارضوا نهجهم، ولم يكونوا باختصار أقل استبدادا من النظام.(4) فهل من الممكن كسب المعركة عن طريق محاربة الفساد بالفساد؟ والطائفية بالطائفية؟ والإستبداد بالإستبداد؟ ...فالثورة حتى تنتصر عسكريا، يجب أن تنتصر أولا أخلاقيا، فتحارب الإستبداد والظلم بالعدل، والطائفية بدولة المواطنة المتساوية لكل السوريين، بغض النظر عن انتمائهم الطائفي.
إن "السنية السياسية" غيرت أهداف الثورة، وشكل ومضمون الدولة، التي خرج من أجلها السوريون، ورهنت نفسها لقوى اقليمية تعمل بآجندات مختلفة. فكيف يمكن أن نفسر هدوء الجبهة الجنوبية في حين كانت حلب تباد؟ومما يزيد الطين بلة هو تناغم المعارضة السياسية مع هذا الواقع، من خلال التبني والدفاع عن مواقف المعارضة الإسلامية المسلحة دون مراجعة نقدية لها أو محاولة تصحيح مسارها. فكلنا يتذكر حادثة خطف الراهبات، وطريقة معالجتها، والرسالة التي خرجت للعالم من خلالها (5) .وهي عينة من أحداث كثيرة مماثلة، مثل خطف سميرة خليل والحقوقية رزان زيتونة وزوجها الناشط وائل حمادة والشاعر ناظم حمّادي (6) . فعادة تأتمر القيادة العسكرية بأمر القيادة السياسية وتتبع لها. ولكن في الحالة السورية الأمور معكوسة، حيث يبدو وأن المعارضة السياسية تأخذ شرعيتها من الفصائل الإسلامية المقاتلة على الأرض، لذلك تحاول مسايرتها على حساب أهداف الثورة ولا تستطيع أن تتجاوز سقفها ، الأمر الذي أضر بمسار الثورة وجعل العالم لا يعطي أهمية للمعارضة السياسية الخارجية، وبدأت بعض الدول في التفتيش عن علاقة مباشرة مع المعارضة العسكرية على الأرض، لأنها صاحبة القرار، مما زاد في تهميش المعارضة السياسية.

ما العمل؟:
بعد هذا الإستعراض والتشخيص الذي عرض سايقا، يبقى السؤال الملح: ما العمل؟ وكيف يمكن أن تعود الثورة الى مسارها الحقيقي وتستعيد أهدافها الأولى في الحرية، والكرامة، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، التي يتساوى فيها كل السوريين بالمواطنة، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو المذهبي أو القومي؟.فالحل لا يكمن بالشكل وإنما بالمضمون، فتغيير القيادات واحداث تغييرات في مؤسسات المعارضة لن يحل المشكلة لأنها أعمق من ذلك بكثير. إن من يظن أن انتصار الفصائل الإسلامية القائمة ستحقق الأهداف المذكورة يكون واهما ومخطئا، لكن وفي نفس الوقت، تشكل هزيمتها في هذه المرحلة، كما حصل في حلب، كارثة على الشعب السوري، لأن ذلك سيؤدي الى سيطرة "الشيعية السياسية" سيطرة كاملة على يلاد الشام، وقد تتحول باتجاه دول الخليج مثل البحرين أو الى اليمن. ومما يؤكد نوايا ايران، ما أعلنه مسؤول العلاقات العامة في جهاز الحرس الثوري الإيراني العميد رمضان شريف في تصريح صحفي، عندما اعتبر ما وصفه بـ”الانتصار” في حلب، سيمهد لتحرير الموصل وتسوية أزمتي اليمن والبحرين (7) مما سيؤدي الى تجذر الفكر الطائفي، ودخول المنطقة العربية الى صراع يصعب علينا تخيل طريقة الخروج منه. من هنا يجب العمل على انجاز مرحلتين: الأولى استعادة الدولة السورية والتانية احياء الثورة المدنية وشعاراتها.
المرحلة الأولى: لا يمكن استعادة الثورة بدون استعادة الدولة، فسوريا اليوم محتلة من قبل قوى اقليمية ودولية ولا يملك النظام أو المعارضة زمام نفسيهما بمسألة الحرب أو السلم، فكلاهما مغيبان تماما عن القرار. فالقوى الدولية والإقليمية هي صاحبة الأمر والنهي. إن استعادة الدولة تعني اسقاط "الشيعية السياسية" وبضمنها "العلوية السياسية" وكذلك اسقاط "السنية السياسية"، أي انهاء الإحتلال الإيراني وخروج المليشيات التابعة لها وكذلك مغادرة كل المقاتلين الذين دخلوا سوريا لينضموا الى المعارضة أو النظام ، وذلك كمقدمة لسيطرة السوريين لاحقا على زمام القرار، لكي يستطيعوا أن يتحاوروا حول مستقبل بلدهم، بعيدا عن الآجندات الخارجية.
ولكن كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ ان المخرج الوحبد الذي يمكن أن يؤدي الى هذه النتيجة هو الحل السياسي في سوريا على قاعدة لا غالب ولا مغلوب بين "الشيعية السياسية" و"السنية السياسية" يكون الهدف منه تحرير سوريا من الغزاة بكل اشكالهم وفصائلهم وعودة اللاجئين السوريين الى مدنهم وقراهم وبداية الإعمار، هذا بالإضافة الى حل كل الفصائل المسلحة ودمج من يرغب منها في الجيش الوطني السوري والذي يجب أن يصوب حرابه باتجاه القوى الإرهابية بمساعدة دولية لتحرير سوريا من الإرهاب . وهذا يحصل من خلال هيئة حكم انتقالي من الطرفين المتصارعين تضمن الحد الأدنى من الحريات للسوريين لإعادة احياء الحراك المدني السوري السلمي العابر للطوائف.
ان هذه المهمة الصعبة لا يمكن أن تتحقق دون موافقة روسية، فروسيا هي الوحيدة القادرة على فرض مغادرة كل الغرباء الذين دخلوا سوريا لمساندة الأطراف المتصارعة، وفي هذه الحالة ستحصل حتما على دعم اقليمي ودولي في هذه المهمة، فدول الخليج وتركيا واسرائيل لها مصلحة في خروج ايران وحلفائها من سوريا، وكذلك القوى الدولية مثل أوروبا وأمريكا الحريصة على عدم وصول ايران وحلفائها الى حدود اسرائيل. من هنا وجب على المعارضة التقرب من روسيا لإنجاز هذه المهمة حتى لو كان الثمن غاليا، لأنه لا يوجد أثمن من استعادة السوريين لدولتهم، خصوصا أن روسيا وبعد انتصار حلب تظهر رغبتها في نقل الملف السوري الى المسار الدبلوماسي، لكي تستطيع استثمار ما أنجزته حربيا لتوطيد قوتها كدولة عظمى في العالم من جهة، ولتستثمره في ملفات أخرى تهمها كالملف الأوكرايني وشبه جزيرة القرم من جهة أخرى. وفي هذا السياق يجب أن نذكر أن ايران ستكون بأمس الحاجة الى الدعم الروسي، خصوصا اذا بدأت الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس ترامب تنفيذ تهديدها بإلغاء الإتفاق النووي مع ايران، ففي هذه الحالة ممكن أن تمتلك موسكو ورقة ضغط قوية على ايران يجعلها تستجيب لمطلب الخرو ج من سوريا مع حلفائها.
المرحلة الثانية: تتمثل بإعادة احياء الحراك السلمي المدني الديمقراطي العابر للطائفية والقومية، والذي سيؤدي الى اعادة احياء اللحمة الإجتماعية للمجتمع السوري بعيدا عن الثأر والإنتقام والكيدية. وهنا يجب التأكيد على أن العمل والنضال المشرك بين السوريين من اجل بناء مستقبل افضل للأجيال القادمة هو وحده القادر على جعل السوريين يتعالون على جراحهم نتيجة للأحداث الدموية التي مرت على سوريا في فترة الحرب الدامية. لذلك يجب على القوى الديمقراطية في المعارضة السياسية أن تنشط فورا ،وحالا من أجل تشكيل تيار وطني ديمقراطي عابر لكل المؤسسات المعارضة القائمة وتتفق على حد أدنى يجمع عليه غالبية السوريين . هذه المهمة تتطلب توحيد كل القوى السياسية الدبمقراطية من المعارضات المختلفة، من معارضة الرياض ،والقاهرة، وموسكو، والداخل السوري في إطار واحد ومخاطبة العالم بصوت واحد. هذا الجسم يجب أن يتبنى مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وان يضع نصب عينيه وحدة الأراضي السورية وبناء دولة مدنية ديمقراطية تجمع كل السوريين . من خلال برتامج سياسي واضح المعالم يضع سوريا المستقيل في مصاف الدول المتنورة .
ان هذا التيار الديمقراطي هو الذي يجب أن يقود الحراك في المرحلة الثانية من أجل تحقيق أهداف الثورة التي خرج من أجلها السوريون، وهو تحقيق حلم الحرية والدستور المدني الديمقراطي الذي يساوي بين كل السوريين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو المذهبي أو القومي . هذه المهمة ليست سهلة فنضال الشعب السوري من أجل نيل حريته سيبدأ من جديد بعد مرحلة استعادة الدولة وسيجد له اعداء كثر ليس لهم مصلحة بدولة القانون. من هنا اصبح وجود هذا الجسم الديمقراطي اليوم حاجة ملحة يجب العمل على تأسيسه فورا وبدون أي تأخير، لينبعث الأمل من جديد في وصول الشعب السوري الى غايته في الحرية والكرامة والعيش الكريم.



ملاحظات:
1- http://www.all4syria.info/Archive/376831
2- http://harmoon.org/archives/3486
3- أنظر : http://www.orient-news.net/ar/news_show/8179
4- أنظر: http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/06/syria-jabhat-al-nusra-influence-campaign-violations.html
أنظر أيضا في نفس الموضوع:
http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2015/2/25/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A5%D8%AF%D9%84%D8%A8-%D9%82%D8%A8%D9%88%D9%84-%D9%88%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D9%81%D8%B8%D8%A7%D8%AA
5- http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2014/3/11/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%B1%D8%A7%D9%87%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B2-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%AC
6- أنظر ما كتبه معن البياري في العريي الجديد في 21 اكتوبر 2016 على الرايط التالي:
https://www.alaraby.co.uk/opinion/2016/10/20/%D9%84%D9%86%D9%82%D8%B1%D8%A3-%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84-1
7- لمزيد من التفاصيل أنظر:
http://ababiil.net/yemen-news/114429.html

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول