من دخل عمان فهو آمن

كريم المظفر
2016 / 11 / 26

قد تكون شهادتي مجروحة في سلطنة عمان ، لأني أكن لها كل الاحترام والتقدير لهذه البلاد ، وما امتلكه من علاقات متميزة مع ابناء شعبها الكرام ، لكن الحقيقة لا يمكن أخفائها بغربال ، فالحقيقة أثبت ان عمان شعبا وحكومة وسلطانا ، يد واحدة ، لإزدهار بلدهم ، والحفاظ عليه من تأثيرات التغيرات الاقليمية التي أصابت المنطقة بعيدا عن التحزب والطائفية والكراهية ، فهنئيا لعمان بجلالة السلطان قابوس بن سعيد ، الذي انطلق منذ سبعينيات القرن الماضي بالسلطنة إلى آفاق جديدة، وإبرازها تدريجياً على الخارطة السياسية والاقتصادية والسياحية والثقافية في العالم، حتى صارت سلطنة عُمان اسماً بارزاً، ومثيراً للجدل والتحليلات أيضاً ، وهنئيا لجلالته بهذا الشعب الكريم .
وبعد هذه المقدمة البسيطة نعود الى أصل موضوعنا وعنوانه ، فقد روت القصص العراقية القديمة الكثير من العبر والحكايات التي يمكن أن تكون دروسا لجميع الاجيال ، ومن أحداها تلك التي يرويها العراقيون عن أسلافهم ، وكيفية تعاملهم مع المشاكل الناجمة بين القبائل ، لوقف فتيل الازمة بينها ، بالحكمة تارة ، وبالدهاء والذكاء تارة أخرى ، وهناك شخصيات عراقية قديمة كان لها شأن كبير في هذا المجال وهو السيد نور الموسوي أو ما كان يلقب باللهجة العراقية ( بالفريضة ) والتي تعني الشخصية التي تقبل العربان كلمته ، وتعتبره كالسيف على رقبتها ، بحكم السمعة والحكمة والصبر والمعرفة التي تتمتع بها هذه الشخصية بالاضافة الى حياديتها التي تعتبر واحدة من أهم الصفات .
ويحكى أن مشاكل عديدة كانت تسود بين القبائل ، تعجز المحاكم عن الوصول الى قرارات بشأنها ، وكذلك سلطات الاحتلال البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي ، كون هذه القبائل قد تقبل القرار من وجهة نظر رسمية ، لكنها من الناحية القبلية تبقى هذه الازمة مشتعلة بينها ، حتى يأتي قرار ( الفريضة ) الذي يعتبر ملزما للقبائل المتخاصمة القبول به ان كان سلبا ام ايجابا .
وواحدة من أهم هذه المشاكل التي تحدث عنها تاريخ العراق والتي كان للسيد نور الموسوي ، الفضل الكبير في حلها ، كونه كان من أشهر ( الفريضة ) في العراق ، إضافة الى كونه رئيس عشيرة سيد نور المعروفة في العراق وله موقف ما زال يتناقله الاباء والابناء على حد سواء ، هو مساهمته المباشرة في حل النزاع الدموي الذي نشب بين عشيرتين في مدينة العمارة العراقية ( محافظة ميسان حاليا ) ، والتي عجز الاحتلال البريطاني عن حلها ، حتى تم القرار اللجوء الى السيد نور الموسوي ، الذي دعا من المتخاصمين التواجد بجوار تلة عالية يستطيع الطرفين المتخاصمين مشاهدته ، فوقف في أعلى التل ، ونزع غطاء رأسه أو ما تسمى باللهجة العراقية ( الغدره ) الخضراء ورماها على المحتشدين ، عندها فهم الجانبين بأنهم مخطئين في السير في طريق الدم والدمار ، وقرروا وقف عدواتهم فيما بينهم إكراما لهذا الشخص الجليل .
وقد يقول قائل ، ما اشبه هذا بذاك ، نقول التشابه كبير ، فعمان اليوم وبحكمة قيادته تلعب دورا مهما في معالجة القضايا الدولية التي تهم منطقة الخليج بالدرجة الاساس والعربية بوجه عموم , فجلالة السلطان قابوس بن سعيد الذي استلم حكم سلطنة عمان منذ عام 1970 ساهم وبشكل كبير في نقل بلاده الى مصاف الدول المتقدمة بسياسته الحيادية وعدم التدخل بشؤون الدول الاخرى ، ما جعلها تلعب اليوم دور ( الفريضة ) لدى العرب ، فمسقط اليوم قبلة الباحثين عن صواب القرار لحل خلافاتها الاقليمية والدولية .
ولكي لا نذهب بالتاريخ بعيدا ، وحتى لا نطيل على قراءنا الاعزاء ، سنكتفي ببعض الامثلة لذلك ، فاليوم سلطنة عمان ، وبحكمة نهجها السياسي وحنكة قيادته ، ابعدت نفسها كل البعد ( والله يديم لها ذلك ) عن الصراعات الطائفية الاقليمية التي تشهدها المنطقة ، رغم ان تشكيلتها الاجتماعية ، هي عبارة عن لوحة فنية تتضمن جميع الوان الطيف المجتمعي ، وهي ميزة تحسب لها ، كذلك فان مسقط كانت وغير ذي مرة ساحة للوفاق اليمني في جميع مراحل صراعه على مر التاريخ ، وليست مغذية له كبعض الدول الاقليمية الاخرى ، لذلك فان الادارة الامريكية وعت الى مثل هذه الحقيقة وارسلت وزير خارجيتها جون كيري الى ( الفريضة ) في عمان لمساعدتها في حل الازمة اليمنية ، وكذلك ابعدت السلطنة نفسها عن التوترات السياسية والصراعات والتكتلات الخارجية، فضلاً عن عدم مشاركتها عسكرياً في عاصفة الحزم ضد انقلاب الحوثيين في اليمن ، ومؤخراً التحالف الإسلامي العسكري ضد الإرهاب بقيادة المملكة العربية السعودية رغم انتمائها إلى مجلس التعاون الخليجي ، مبررة ذلك ، بأن قوات السلطان المسلحة في الدستور العماني محظور عليها المشاركة بتجمعات أمنية خارج مجلس التعاون الخليجي، وفقاً لوزير الخارجية يوسف بن علوي، الذي أكد أن قرار حظر القوات موجود في الدستور العُماني.
ولم يكن حياد السلطنة طارئاً أو حديث عهد، فمسقط تمسكت بموقفها المحايد من الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، واستضافت المفاوضات التمهيدية لإنهاء الحرب العراقية الإيرانية في عام 1988م، ليسجل التاريخ أن عمان قامت بدور محوري هام لتهدئة الجانبين خلال تلك الحرب، وقد ساعدها على ذلك علاقاتها الجيدة والمتوازنة بطرفي النزاع ، وكذلك كانت الدولة العربية الوحيدة التي لم تقاطع مصر السادات بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، من دون أن يؤثر ذلك على علاقاتها مع الدول العربية الأخرى.

كما لعمان دور كبير في التوصل الى الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة ، وكان مضيف ( الفريضة ) في مسقط مفتوحا لعدد من لقاءات اللجنة السداسية حول ازمة الملف الايراني ، حتى انتهت الازمة بالتوصل الى الاتفاق بينهما ، وتقريب وجهات النظر بين طهران والدول الغربية ، ناهيك عن ان عمان اول دولة رفضت استلام تعويضات الحرب من العراق واسقطت ديونها عليه .
إن سياسة سلطنة عمان الخارجية التي رسمها جلالة السلطان قابوس بن سعيد ، كانت وما زالت سياسة واقعية ونموذجية، تتميز بالثبات وعدم التسرع ، فالهدوء هو السمة الطاغية على قراراتها في الكثير من القضايا التي تطلبت اتخاذ قرارات جماعية عاجلة بشأنه ، لتستحق وبامتياز ان تكون ( الفريضة ) التي يمكن اللجوء اليه عند اللزوم .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول