خطاب دجلة الاربعة

عباس منعثر
2016 / 11 / 7

المكان:
صالون أو بيت أو صحراء!

الشخصيات:
الرجل في الخمسين من عمره.
المرأة في الأربعين من عمرها.
الفتاة في العشرين.
العجوز يتكلم بالإشارة.
المقعد على كرسي متحرك.
الشاب يلثغ ببعض الحروف.
صوت آدم.






المشهد الأول
(غرفة أنيقة ومؤثثة بأحدث طراز، تزينها صورة عائلية كبيرة غير واضحة المعالم. على أريكة ضخمة الرجل، المرأة والفتاة يجلسون في الصالون. يرمق احدهم الآخر بفضول. بين لحظة وأخرى، ينظرون في ساعاتهم، يتصلون عبر هواتفهم الخلوية ويهمسون. يمر صمت مريب)
الرجل: أتسمحونَ لي أنْ اقطعَ الصمت؟
المرأة: مزّقهُ إربا.
الرجل: ألا ترونَ أننا نجلسُ هنا منذ زمن ولم نتعارفْ على بعضِنا حتى الآن.
الفتاة: فعلاً يا أبا دجلة ..
الرجل: هه! أبا دجلة؟
الفتاة: كنتُ أظنكَ أباها؟
الرجل: ألستِ دجلة؟
الفتاة: لا.
المرأة: ما هذا؟! ظننتُ أنكِ دجلة .. وظننتُ السيدَ أباكِ!
الفتاة: رغمَ أناقةِ دجلة وجمالِها الفائق.. لكنّها لا تُقارنُ بي.
الرجل: لقد أخطأنا في اعتقادِنا.
(يضحون)
المرأة: اعتبروا أنفسَكم في بيتِكم!
الرجل: أيكونُ سببُ قدومِكُما هو نفسُهُ سببُ قدومي؟
(يضحكون)
المرأة: لن اصدّقْ ما سوفَ اسمع!
(يضحكون)
الرجل: إذنْ سببُ حضورِنا واحد.
(يضحكون)
الثلاثة: (سوية)
اليوم إعلانُ خطوبةِ دجلة.
اليوم يأتي الخطّاب.
سنفحصُهم ونُعلنُ أيهم أفضل.
سنختارُ الخطيبَ بالنيابة!
(يضحكون مغتبطين)
الرجل: يبدو أنّ أبا دجلة لا يقدرُ أو لا يرغبُ..
الفتاة: أو ليس عندَهُ وقت.
المرأة: أو لا يعلم!
(يضحكون)
الرجل: لا اعتقدُ أنهم أحرصُ مِنّا عليها.
الفتاة: بالنسبةِ لي سأختارُ حسبَ مزاجي الذي ينطبقُ على مزاجِ دجلة انطباقاً تامّاً.
المرأة: مهمتُنا نبيلةٌ للغاية.. أرجو تغليبَ العقلِ على الهوى.
الفتاة: (بانزعاج) ومن غلّبَ الهوى على العقلِ حتى الآن؟
المرأة: للتذكير.. قد يسهى الإنسان!
الفتاة: لا تُعجبُني لكنةُ التعالي هذه!
المرأة: ما قصدُكِ؟
الفتاة: مَنْ على رأسِهِ طاووس يُصاب بالصداع.
المرأة: ماذا؟
الرجل: أصدقائي.. جئنا هنا لفعلِ الخير.. دعونا نكملُ الخيرَ على خير.
الفتاة: (غاضبة) وهلْ تراني قد جلبتُ معي بندقية آلية كلاشنكوف عيار 360 ملم؟ أو سلاحاً نووياً؟ أو بارجةَ طائرات؟
الرجل: لا داعي للانفعال.
الفتاة: أعصابي في ثلاجة.. قلْ هذا الكلامَ للذي تحتَهُ نار.
المرأة: عرفتُ سببُ شكوى أم دجلة من سوءِ أخلاقِ ابنتِها.. طبعاً ما دامتْ الصديقاتُ على هذا المنوال.
الفتاة: إذا أردتِ الدّقة: لم أرَ دجلة في حياتي.. لكنّ قلبي قادَني إلى هنا كي اختارَ لها ما يناسبُها.
المرأة: اختاري ملابسَكِ بدقةٍ أولاً قبل أن تُقحمي نفسَكِ في خصوصياتِ غيرِك.
الفتاة: انظري إلى وجهِكِ في المرآة ووجّهي لهُ هذا الكلام.
المرأة: وجهي أكثرُ بياضاً من ثوبِكِ يا وقحة.
الفتاة: عجوز!
المرأة: ناشز!
(كل منهما يكسر شيئا من محتويات البيت)
الرجل: (للفتاة) اضبطي أعصابَكِ يا بُنيتي، واحترمي الأكبرَ سناً.
الفتاة: (للرجل) لماذا تقفُ إلى جانبِها؟ هل هو تحالفُ العجائز؟
الرجل: تأدبي!
الفتاة: (للرجل) قلْ هذا لبناتِك.
الرجل: وقحة!
الفتاة: (للرجل) بلادتُكَ لا تُطاقُ خاصةً حينَ تُـمّثلُ دورَ الهادئِ الرزين.
الرجل: ألا يعجبُكِ أحدٌ هنا؟!
الفتاة: اسكتْ يا بليدَ الإحساس!
(كل منهما يكسر شيئا من محتويات البيت)
المرأة: هدوء! تَعَقّلا!
الرجل: (للمرأة) بدأتِ الشجارَ وها أنتِ تنصحينَ بما ليسَ من أخلاقِكِ.
المرأة: (للرجل) أخلاقي تعادلُ أسلافَكَ ممتدينَ إلى آدم.
الرجل: (للمرأة) لم تكنْ الفتاةُ على خطأ. أنتِ عجوزٌ قبيحةٌ فعلاً!
المرأة: (للرجل) عرفتُ الآن لماذا أسمَتْكَ بليدَ الإحساس.
(كل منهما يكسر شيئا من محتويات البيت)
الفتاة: متى ينتهي صراعُ العجائزِ هذا!
المرأة: (للفتاة) اخرسي!
الرجل: لو كنتُ ربّ البيتِ لطردتُكما معاً.
الفتاة: (للرجل) تنتمي إلى العصور الوسطى أنتَ يا جدي..
المرأة: (للفتاة) تافهة!
الرجل: (للمرأة) عائقة!
المرأة: (للرجل) تافه!
الفتاة: (وهي تغادر) سأتركُ هذهِ الزّريبةَ ولتذهبْ دجلة وخطابُها إلى الجحيم.
المرأة: (وهي تغادر) لعنةُ اللهِ على دجلة، وعلى أُمِّها!
(ترن هواتفهم الخلوية)
الثلاثة: (يعودون) هدنة مؤقتة.. هدنة.. هدنة.
(يهمس كل منهم في الهاتف على حدة، ثم يعودون للجلوس الواحد بجانب الآخر ويتصافحون والابتسامة تشرق على وجوههم)
الثلاثة: (سوية)
مِنْ أجلِ العائلة،
مِنْ أجلِهِم فقط،
سنُكملُ فعلَ الخيرِ على خير.
(يرتبون ما أحدثوه من خراب في الغرفة ويجلسون)
الثلاثة: (سوية) الخاطبُ الأول.. يتفضل.

المشهد الثاني
(يدخل رجل عجوز خفيف الحركة إلى أقصى حد.. له نظرة ثعلبٍ وسيماءُ أرنب في الوقت نفسه)
العجوز: (يلقي التحية بوضع يده اليمنى على جبهته)
الرجل: حسبَ معلوماتي أنتَ الخاطبُ الأول!
العجوز: (يؤشر بالخنصر يمينا وشمالا ثم إلى الأمام)
الرجل: أجابَ بالنفي.
الفتاة: بل بالإثبات.
المرأة: لا نفي ولا إثبات.
الرجل: قالَ لا وأكّدَ بالحركة.
المرأة: (بالإشارة تقول له أنت الخاطب أم لا)
الرجل: (ضاحكاً) الخاطبُ أخرس؟
الفتاة: ما شاءَ الله!
المرأة: (للرجل) تربطانِ الفصاحةَ باللسان، تخلّف؟!
العجوز: (يضع إصبعا لصقا بإصبع، ويؤشر بيده إلى الخلف)
المرأة: أنتَ نائبٌ عن الخاطب.
العجوز: (يؤشر بيده على شكل قوس ثم يقلبها)
الفتاة: انقلبتْ به سيارة؟ حافلة؟ قطار؟ طائرة؟ مركبة فضائية؟
الرجل: انقلبَ رأيه.
الفتاة: انقلبتَ عليه؟
المرأة: معنى حركتِهِ أن الخاطبَ الأصليّ مشغول.
الفتاة: أيّاً كانَ سببُ حضورِك، تفضّل.
العجوز: (يثني عموده الفقري، ويفرده، ثم يثني عموده الفقري ويفرده، وبينما ينظر الثلاثة إليه بانتباه شديد يثني عموده الفقري ويفرده)
الفتاة: متى تنتهي هذهِ التمارينُ الرياضية؟
المرأة: لديهِ أشياءٌ مهمةٌ سيقولُها.. إياكمْ أن تنتقصوا من الصامت. تحتَ الماءِ يقبعُ نصفُ الجبل.
العجوز: (يقف بسكون تام، ثم ينخرط في حركة صاعدة ونازلة)
الرجل: هل هذهِ إهانة؟
المرأة: صعودُهُ يدلُ على السمو، ونزولُهُ يدلُ على سموٍّ معكوس.. السموّ أيضا!
العجوز: (يفتح صدره ويضم ذراعيه)
المرأة: هذهِ الحركةُ تعني أنْ الخاطبَ واسعُ الصدر.
الفتاة: ولم لا تدلُ على الدناءة؟
المرأة: الدنيءُ يرى الوجودَ دنيئاً.
الرجل: أوحتْ لي الحركةُ بأنهُ ودودٌ مع الناس، أو هو يُبغضُهم بشدّة.
العجوز: (يدير عنقه إلى اليمين ثم إلى اليسار)
الرجل: هو أمّا رجلُ أمنٍ أو لصٌّ مطاردٌ من الشرطة.
العجوز: (جسمه يسقط داخل ركبتيه المنثنيتين)
المرأة: الخاطبُ كانَ ذا شأنٍ في المجتمع.
الفتاة: ثم سقط؟
الرجل: بل عاطفتُهُ انكمشت!
العجوز: (يتخذ وضع الطعن بطريقة الهندي الأحمر)
المرأة: بدأَ حياتَهُ مُكتشفا.
الرجل: أو مُتسكعاً أو رحّالة.. أو شاعراً جوّالاً.
الفتاة: أو بربرياً قاطعاً للطريق..
العجوز: (يقفز ويركض في اتجاهات متعاكسة)
المرأة: عادَ إلى الحياةِ المدنيّة..
الفتاة: هذا الإنسانُ ليسَ الأول. الأوّلُ مطاردٌ من الثاني الذي يقضي عليه.. مَنْ منهما الخاطبُ الأوّلُ أم الثاني؟
الرجل: رجلُ الأمنِ أَمْ اللص؟
المرأة: أنتما تُحرفانِ الحركاتِ عن مواضعِها!
العجوز: (يتقوس ظهره في وضع التكور)
المرأة: يعني أنهُ كائنٌ قوي.
الفتاة: أو عجوزٌ أخرق!
العجوز: (يدفع ظهره للأسفل ورأسه مرفوع)
المرأة: يدفعُ المصائبَ ويرفعُ رأسَهُ دلالةً على علوّ كرامتِه.
الرجل: أو وضاعتِه.
العجوز: (يرقد على ظهره، وذراعاه إلى الأعلى)
المرأة: سيرفعُ من شأنِ دجلة عالياً..
العجوز: (يجلس القرفصاء)
الفتاة: ويجعلُها تستجدي!
المرأة: (للفتاة) بلا سخرية! ثلاثةُ أرباعِ الاعتقادات مبنيةٌ على التأويل، فلا تستهزئي بالرموزِ المقدّسةِ لطفاً!
العجوز: (ينبطح )
الرجل: انبطحَ للظروف؟
المرأة: لن تنبطحَ دجلة أمامَ العوز.
العجوز: (يجثو مع تقوس الظهر والذراعان داخل القدمين)
المرأة: لن تجثو مهما كانتِ الأسباب.. لأنّ ذراعَهُ ستمنعُها من ذلك.
العجوز: (يده اليسرى على انفه و ركبتاه محنيتان)
المرأة: والى آخرِ العمرِ سيبقى وفياً.
العجوز: (حركة ثعبان، قط، قرد، جنين. الرأس والكتفان يهبطان إلى أسفل)
المرأة: يقصدُ: سيموتُ الثعبانُ لأنّ القطَّ الذي طاردَ القردَ سيلتَهِمُ الجنين.. ولن تهبطَ المعنويات.
الرجل: لذلكَ صمدتْ الخرافات!
الفتاة: هذهِ متاهة!
الرجل: من يملكُ اليقين؟ كلّ ما نراهُ هو اعتقاد.
المرأة: دعوهُ يكملُ لطفا.
العجوز: (يداه على مؤخرته، ركبتاه على الأرض، ويتحرك إلى الأمام)
الفتاة: سيتلقى الكثيرَ من الركلات..
المرأة: بل يُضّحي بدلاً عن دجلة؛ ورغم ما تمرّ به من خطرٍ إلا انهُ الوحيدُ القادرُ على أن يعبرَ بها إلى برِّ الأمان.
الرجل: (ساخرا) ستغرقُ السفينةُ بربّانِها!
العجوز: (مؤخرة رأسه إلى كعبيه والظهر مقوس)
المرأة: إذا لوتْهُ الحياةُ فإنّه..
العجوز: (يجلس وجسده يأخذ شكل القبة)
المرأة: فإنهُ سيستعينُ..
الرجل: بالجلوسِ على قارعةِ الطريق..
الفتاة: وينامُ في الشوارع..
المرأة: سيناضلُ للوصولِ إلى ...
الرجل: .. القبّة؟
الفتاة: سيمسكونَهُ ويأخذونهُ إلى السحن.
العجوز: (يتقدم يرتد ينحني يدور)
الفتاة: لولا خوفي على حذائي أنْ يتمزّق لجعلْتُهُ يطبعُ على جبهتِكَ بألفِ ختم.
الرجل: هاه، هاه، هاه!
المرأة: شيءٌ من لباقة أرجوكم!
الرجل: آتونا بآخر.. ببشرٍ نسمعُ له صوتاً.. أو يغيبُ منه الصّوت!
(العجوز يقفز، يتشقلب مرتين في الهواء، يركض، ثم يرفع ذراعيه إلى أعلى وكأنه حقق نصرا ناجزا)
المرأة: (تصفق) ممتاز.. بعد أن شرحتَ أسبابَ طلبِكَ ليدِ دجلة بمنتهى الإفحام.. نشكرك. لم تقصّر. انصرف ..
(يخرج وهو يؤدي حركات الشكر والامتنان والغضب والحزن في آن واحد)
الفتاة: أيّ مجنونٍ هذا؟
الرجل: ليأتِ الخاطب الثاني..

المشهد الثالث
(يدخل رجل مقعد على كرسي معاقين حديث جدا ومتطور جدا. لحيته طويلة وملابسه رثة للغاية. يتكلم من خلال جهاز يشبه ما يستخدمه العالم الفيزيائي ستيفن هوكنج)
المرأة: (باستغراب) يا ستار استر! ما هذا؟
الرجل: سنرى الكثيرَ من عجائبِ الدنيا هنا!
المقعد: يُسعدُني وجودي بينَكم.
المرأة: هل تعرّضتَ لحادثٍ أو شيءٍ من هذا القبيل؟
المقعد: أيّ حادث؟
المرأة: المقعد؟
المقعد: أيّ مقعد؟!
المرأة: الذي تجلسُ عليه!
المقعد: لا أرى مقْعَداً. من الغريبِ أنّ الغرباءَ أحياناً يقولونَ كلاماً غريبا. يقولونَ عنّي وصاحبي وبعضِ أصدقائنا إننا مقعدون، وهي كلمةٌ تصِفُ عينَ من يرانا لا أقدامَنا. إن بصرَهم مُقعد.. أما أنا فأقفُ على قدمي، وأركضُ، واختبئُ، واخططُ سرّاً، وافعلُ كلَّ ما يفعلُهُ الرجلُ الصّالح.. غيرَ انهُ من يكرهُ ويتكلّمُ غيرَ من يحبُّ ويتكلّمْ.
الفتاة: بالتأكيد أنتَ نائبٌ عنِ الخاطب.
المقعد: أيها الشّبح.. يا منْ تقودُني مِنْ أنفي إلى السديم، ها أنا.. شبحٌ آخرُ لا مكانَ له.. أركعُ أمامَ ذيولِكَ الخائبةَ، مُعلناً، وأنا أرى جيوشي منتصرةً محتفلة، أنَ النورَ ينطفئُ والظلامُ يكتسح!
المرأة: رحماكَ يا رب!
المقعد: الريشةُ تسقطُ، والجسرُ يطير.
الفتاة: ما أعمقَ ما أسمع!
المقعد: السكارى يبتهجونَ راقصين؛ بينما الموت يترصّد.
الرجل: تنقبضُ روحي بذكرِ الموت.
المقعد: النور.. النور.. ينحسر.
المرأة: طلاسم!
الفتاة: (للرجل) انظرْ من زاويةٍ أخرى وستجدُها الحقيقةَ المرعبة يا أبتي!!
المقعد: هل أقبضُ على سلكِ الكهرباءِ الناتئِ كي أختمَ المهزلة..
المرأة: دعوةٌ لليأس؟!
الفتاة: انهُ يدحضُ فكرةَ الانتحار.
المقعد: سيذوب.. سيذوبُ في رغوةِ الزّمن.. الحلمُ المراهق.. والنداءاتُ تأتي متأخرة..
الرجل: هل تستطيع أن تدعَ السماءَ وتعودَ إلى الأرض؟
المرأة: خاطبْنا بكلامٍ نفهمُه..
الفتاة: (للمقعد) بالتأكيد هو قادرٌ على ذلك.. فقط أخذَتْهُ الهزّةُ الشعريةُ فأوغلَ في الخيال..
المقعد: (وقد انتبه إلى إشارة الفتاة) عذراً..
الفتاة: حدثْنا عن نفسِك..
المقعد: أنا.. مثلّ كلّ أنا.. أمتلكُ الأنا وليسَ لي أنا..
الرجل: اسمحوا لي أن أبصقَ في مكانٍ لا يكونُ في مرماكم!
الفتاة: إحم! في التقارير يدّعونَ أنكَ مُتشدد.. لم أفهمْ ما يرمونَ إليه..
المقعد: التسامحُ تشددٌ بعينِ المتشدد، والتشددُ تسامحٌ لو نظرنا بعينِ المتسامح..
المرأة: يعني؟
الفتاة: لا يتشددُ إلا فيما ينبغي، وما يجبُ وما يلزمُ التشددُ فيه.
الرجل: مثل؟!
المقعد: مثل التسيبِ والاستهتارِ والانحلال.
الفتاة: أخلاقُهُ أهمُّ سماتِه.
المقعد: أعصابي حديد.. وجسمي كامل.
الفتاة: واضح. القوّة تفوحُ منه.. وعضلاتُهُ تفتكُ بملابسِه.
المقعد: أمارسُ الرياضةَ يومياً، خاصّةً المشي والسباحة ورفع الأثقال والمصارعة الحرة والبولنغ وركوب الخيل. العقلُ السليمُ في الجسمِ السليم. قد أكونُ مهووساً بالكمال.. الجسمُ عنوانُ الكمال. هكذا لا تملُّ مرآتي منّي.. ولا أَمَلُّ من الاعتناءِ بجسدي.
المرأة: هل أشكُّ في عينيّ أمْ أذنيّ..
الفتاة: الرجاء تأجيلُ الحكمِ كما اتفقنا..
المقعد: ماذا تريدُ المرأة؟ فحولة؟ هل هي متوفرة؟ رجولة؟ هل موكلي مخنّثٌ أم عنترة؟
الفتاة: هو سببٌ وجيهٌ ما جعلَكَ تأتي ممثلاً عنه؟
المقعد: أصالتي ورجولتي وفحولتي أجبرتْني بالإضافةِ إلى إخلاصي الى موكلي وصديقي وحبيبي أن آتي خاطبا وما كنت من الخاطبين! جئتُ لكي أُحرّرَها من عُقَدِها. جئتُ كي أُنوّرَها، كي أُنقذَها، كي أَفكَّ عنها القيود.
الفتاة: شكلُ موكلِكَ جميلٌ مثلَكْ؟
المقعد: أقلّ بقليلٍ.. أو بكثيرْ.. الحقيقةُ جرى بيننا اتصالٌ هاتفي.. ومن صوتِهِ أهجسُ انه قد يكونُ وسطاً بين الجميلِ جداً والجميلِ جداً جداً، بين الممتلئِ والنحيف، بين الطويلِ والقصير.. أيّ: رجلٌ بلا ملامح، خاصّةً إذا وثقنا بأن الصوتَ دليلُ الرجل.
المرأة: أملاكُه؟
المقعد: أقوى صفاتُ الرجلِ ذكورتُه. لذلكَ بدأتُ كلامي عن الفحولة.. أنا مثلاً يُسمونني البغل. ليسَ في ذلك إهانة لشخصي..
الفتاة: الوصفُ مجازيّ كنايةً عن قوّةِ الظهر.
المرأة: وموكلُك؟
المقعد: مِنْ صوتِهِ يبدو بغلاً أصيلا..
المرأة: يبدو؟
الفتاة: الصوتُ لا يخدعُ الأُذُنَ المحترفة..
المقعد: على المرأةِ تدريبُ الرجلِ وجعلُهُ فحلاً.. أو نصفَ فحل، ذلك يعتمدُ عليها.
الفتاة: وإذا كانت العروسُ أبردَ من الثلج.
المقعد: ستصبحُ بخاراً إذا اقتربتْ من ناري.
المرأة: الكتابُ واضحٌ من غلافِه!
المقعد: لصديقي أموالٌ طائلة.. مثلي. تكفيه لمائة سنة أخرى.. وإذا صدَقَ العلمُ يفكّرُ في استنساخِ نفسِهِ عدّة نسخٍ للطوارئ.
الرجل: ماذا تريد؟
المقعد: ماء إن أمكن.
الرجل: اقصدُ فيما يخصّ دجلة.
المقعد: أريدُ أن ألفّها في حرير زمرديّ، احجرُ عليها في الغرفةِ الداخلية أو في نهايةِ العالم.. ولا يراها أحد..
الفتاة: إجابةٌ حسنة. بكلّ حياديةٍ أُعلِنُها على الملأ.
الرجل: كلمةٌ أخيرة؟
المقعد: للإنصاف، موكلي لا يستحقُّ الإجحاف. أيجوزُ مقارنةُ الرديءِ بالجيد، أو الأبيض بالأسود؟ أيجوزُ منافسةُ الحرير، أو قياسُ اللذّةِ فوقَ السرير؟ هذا ما تفعلونَهُ حينَ ينافسُ من هبّ ودبّ موكلي فتهينونه! سأقفُ بينكم لأظهرَ الحقّ لكم، فاسمعوني: رجلٌ نزيه، من نزاهتِهِ أن جعلَ النزاهةَ ديدنَه.. رجلٌ يغضُّ بصرَهُ، إذا أغلقَ عقلَهُ على شيءٍ فقدْ أوصدَهُ عليه. يعكِفُ على الإيمان في مسكنِهِ كما يعكِفُ العاكفُ في صومعتِه. الدنيا عندَهُ دارٌ مؤقتةٌ وعسرةٌ مشتتةٌ، نأتي فيها كما يأتي الكرامُ بيوتَ الأكارم، وكما يزولُ الظلمُ إذا ما أُزيلَ الظالمْ.
المرأة: شكراً لك..
المقعد: فهلْ يجوزُ أن..
الرجل: (يقاطعه) غادرْ لو سمحت..
المقعد: (مكملا) لا نرى الحقيقةَ الناصعة؟!
الرجل: انتهى الوقت..
الفتاة: شرّفتَنا بوجودِك..
المقعد: عموا مساءً.. ولتكن بصيرتُكُمْ بصيرة!
(يخرج)

المشهد الرابع
المرأة: (تنادي) الخاطب الثالث..
(يدخل الخاطب الثالث.. وهو شاب بطيء الحركة إلى ابعد حد.. يستخدم يديه وجسده كوسائل إيضاح بحيث لا يعود لكلامه أية أهمية)
الشاب: مرهباً.
الثلاثة: خاطبٌ أنتَ أَمْ ممثلٌ عنه؟
الشاب: أتيتُ مُمثلاً عن الهاتِبِ الثالث!
الرجل: صديقٌ مخلصٌ بالنيابةِ عن صديقهِ المخلص.. لطيف!
الشاب: ارذو أن أتون زيفاً هفيفاً أليتم.
الفتاة: ماذا؟
الشاب: ارذو أن أتون ذيفا هفيفاً أليتم.
الرجل: يقول: أرجو أن أكونَ ضيفاً خفيفاً عليكم.
الفتاة: حضرتُكَ (تقلب بالأوراق).. أحدُ جيرانِ المخطوبة؟
الشاب: غبل الاف الثنين.
المرأة: لديه حَوَرٌ في لسانه أم ماذا؟
الشاب: الهَوَرُ للأينينِ وليثَ للثانْ. لدي لثقة في بأز الهروف.. هَلَلٌ جميلٌ منزُ التفولة .
الرجل: بديع! تقلبُ الحاء والخاء هاءً، والسين والشين والصاد ثاءً، والكاف والطاء تاءً، والغين قافا والقاف غيناً، والضاد والظاء والذال زاياً، والعين همزة! إنني أحسدُكَ على هذا التراكمِ المعرفي!
الفتاة: نودُّ أن نتعرفَ عليكَ أكثر! أو على صديقِكْ!
الشاب: أنا ثاب. لي جزور ممتدة في التاريه. غد يراني هازا ألى هثب زاوية نزه، وزات ألى وجهةٍ أهرى. لتنني أبغى تما أنا. إندي هتت. اريد الوثول اليها. ازا التريغ الغثير يوثلني، تان بها، وازا الملتوي يوثلني فتان بها. لا مانئ أن يتون العدو ثديغا، والثديغ عدوا. المهم، زميري مرتاه في تل الاهوال. أنا قني.. قني جداً.. وفغير جداً. فغير إلى الله وقني أنِ الناث .
الرجل: وجهةُ نظرٍ مفحمة.
الفتاة: (بهمس للمرأة) هل تفهمينَ ما يقول؟
المرأة: (بهمس للفتاة) أفهمُ الإشارات لا الكلمات.
الرجل: وصاحبُك؟
الشاب: مثلي بالزّبْت.. هو رَجلٌ ولا تُلَّ الرِجالْ. أَعْني عَغْلُهُ غَلِغٌ، جدَلي. إزا هَزفْتَ عنَهُ عَغْلَهُ ثَارَ هِماراً، من الثبرْ.. وإزا نَزَرْتَ إلى جثَدَهُ أغْثُدُ جثْمَهُ ثار بئيرا، من التهّمل. جازبيتُهُ في رأثِهِ لا في أأزائه .
المرأة: لا يعيبُ الرجلَ إلا جيبُه وشكلُهُ وشرفُهُ وحسبُهُ ونسبُهُ وميراثُهُ وجيرانُهُ!
الفتاة: (ضاحكةً) وخصيتاه!
الرجل: لا تستعجلوا الحكمَ عليه. أكملْ.
الشاب: بأد هروجهِ من مُثْتَثفى المجانين ثار َيئيبه جيبُهُ وجثَدُهُ ألى الثَواءْ. لَغَدْ إنْغَلَبَتْ أهْوالُهُ وتهَوّلَ من هالٍ إلى هالْ. هزهِ هيَ الدّنيا: ما لها ثاهبٌ أو هليل .
المرأة: انقلب؟ وماذا حصلَ له؟
الشاب: فَغَدَ بثَرَهُ. بَثيرَتُهُ زَلّتْ تَما هيَ. من التبيئي أنّ من يَفْغِد هاثّةً ما تَغوى لديهِ هاثّةٌ أُهرى.. بزالتَ ثارَتْ غُدْرَتُهُ ألى الثّمّ لا تُجارى.. انفه انف إثرين تلباً ابن تلب .
المرأة: على الأقل ستشتمُ دجلة إنساناً يردّ لها الشتم.
الشاب: مَنْ يَثْتُمُ مَنْ؟
المرأة: موكلُكَ يشتمُ دجلة، ودجلة تشتمُ موكلَك، كما في حياةِ أيّ زوجينِ طبيعيين.
الشاب: موتلي.. لا.. يَثْمَأ.. و.. لا.. يَتَتَلّمْ .
الفتاة: لا يسمعُ ولا يتكلّم؟!
الشاب: بالتأتيد.. لا هِثٌ ولا نَفَثْ.
المرأة: كُلّياً؟!
الرجل: جزئياً فقط.
الشاب: يتغن فن الاثارة. اقثد يثير بيديهِ هتذا وهتذا .
الفتاة: (ساخرة) تم اهلم برجل تهذا؟!
الرجل: (للمرأة) أرجوكِ لا تسخري من ذوي الاحتياجاتِ الخاصة.
المرأة: نِعْمَ الخاطب!
الفتاة: كيف تعيشُ المرأةُ مع رجلٍ صامت؟ سيقتلُها المللُ والجوع، لا ريب.
الشاب: وهل الهيات تلام؟ إنها فئل. هو يفأل، وترت التلام للمتتلمين. ما نفئ الهنجرة ازا نتتت بالتافه؟ أليثَ الثمتُ أَولى؟ ثم ان الثرير لا يهتاج إلى تلمات، بل هرتات .
الفتاة: للمرّةِ الأولى أؤيدكَ فيما تقول.. فعلاً: السريرُ يحتاجُ إلى حركاتٍ لا كلمات.
الشاب: الدّنيا يا ثادتي، الدنيا. مَنْ يَتَأَمّغُ في الهياةِ يَثْمُتُ ولا يَنبِثُ بِبِنْتِ ثَفَةْ.. لغد مرّ بأأوام من الأراءِ الفتري. مَنْ تهجمُ أليه المثائبُ تلوَ المثائبِ لا يجدُ غُدْرَةً ولا رَقْبَةً ألى نَفْهِ (ينفخ) هَرْفٍ واهِدٍ في الهواءْ .
الرجل: لِـمَ يُريدُ الارتباطَ بدجلة ؟ لا بدّ أنّ لديهِ أسباباً مقنعةً جدّا.
الشاب: دجلة أم دجلة أبو دجلة .. تتأدد الأثماء والقاية واهدة. ميتافيلي لم يتن ابن غِدّيثة. هازا من جانب، من جانب آهر، لغد ملّ هياة الأزوبية والوهدة التي تهدد وجوده بالانغراز. لغد ثتن الترغات القريبة البئيدة الباردة. باء تبرياءه لتلّ من هبّ ودب. أتله الزّل والأوز. مع دجلة ثيتون في الجنة.. الجنة التي لم يهلم هتى في التفتير بها .
الفتاة: جاءَ من عوزٍ إلى طمع؟!
الشاب: لا. مات تل اغاربه، والتوابيث تتارده.. هائف هو من المجهول. ثاهبي فارث ترجّل عن ثهوة هثانِهْ. أيام الثباب اهزت معها الهماثة، التهولة جلبت معها تثلّبَ الثرايين، والثورةُ تأتلُ أبناءها .
الرجل: يعني حبّهُ لها سيطرَ على كيانه؟
الشاب: أي هب؟
الرجل: حبُّ صديقِكَ لدجلة.
الشاب: أي دجلة؟
الرجل: التي جئتَ تخطبُها له.
الشاب: لمن؟
الرجل: لصديقِكْ!
الشاب: هاه!هاه! تنت امزه مأتم. لترتيب الجو! دجلة بالنثبة له هياةٌ أو موت.. ثدغوني. غرارتُم مثلَ البنغ بانغ أو الانفجارِ التبير.. وإزا لم يهثلْ على ما يرقب، غد يهدثُ بنغ بانغ جديد أو انفجارٌ تبيرٌ آهر! وغد اعزرَ من أنزر !
المرأة: (ساخرة) لقد أرهبَني! إنني أرتعدُ خوفا!
الفتاة: اذهبْ.. أرجوك.
الشاب: هازر .
الرجل: تشرّفنا بحضورِك.
(يخرج)

المشهد الخامس
المرأة: (للرجل) لم أفهمْ شيئاً مما قال.
الرجل: (وكأنه لم يسمعها) الخاطبُ الرابعُ يتفضّل مشكورا.
الفتاة: الخاطبُ الرابع.
الثلاثة: ليدخل الخاطب الرابع.. ليدخل الرابع.
المرأة: الرابع؟!
(ترن الهواتف الخلوية الثلاثة. الثلاثة يرفعونها، يأتي صوت قوي من الخارج)
صوت: أنا آدم.. ابنُ عمِّ دجلة.. بعد التحية.. لقد فكّرتُ كثيراً في المجيءِ ومنافسةِ أقراني.. لأنني أُحبّها، أحبّ دجلة بصدق.. لكنني أرجأتُ قدومي.. قد تسألونَ عن الأسباب؟ في الحقيقةِ، هذا البيت الذي تحتلونَهُ الآن من بنائي.. ساعدتُ عمي على بنائِهِ، لكنّ أنانيتَهُ وازدواجيتَهُ وتفكيرَهُ الفردي واستكانةَ عمتي وحزنَها الدائمَ وعقليةَ دجلة الطفوليةَ المتخلفةَ منعتني.. كنت أتساءلُ: أرتبطُ بها أم أجدُ غيرها؟ كثيراً ما راودتني عيونٌ غير عينيها وسحرتْني شفاهٌ غير شفتيها.. لا أضمنُ أنها توافق عليّ وتأتي إلى طريقي، ولا اضمنُ أن أكونَ سعيداً معها أو أُسعدَها.. سيلزمُ منّي التفكيرُ وقتاً لذا لنْ آتي إليكم، فقد اخترتُ أن أخاطبَ أصحابَ الشأن أنفسَهُم في الوقتِ الموعود. أما أنتم فليسَ لكم علاقة بالأمر. على فكرة، لا أُرسلُ ممثلاً عنّي بل سآتي بنفسي بشرطِ ألا أراكم.. حينما تغادرون سأتحدّثُ إلى دجلة وأمها وأبيها لا إليكم. فمن تكونون؟ ما هي صورتُكم الحقيقية؟ هل أنتم ممثلونَ عن ممثلين أم النسخُ الأصلية؟ ربما أتأخرُ قليلاً لكنّني سأحضرُ في يوم ما.
الرجل: أشمُّ خطراً يقترب!
المرأة: وصلتْني الرائحة.
الفتاة: كلامُهُ افتتاحياتُ صحف.. نهيقٌ وشهيق.
الرجل: أعجبني مشقلّبُ الحروف.
المرأة: مشقلبُ الحروف؟ الخاطبُ الثالث؟
الفتاة: (باستياء كامل) يا لروعته!
الرجل: لذلكَ سأختارُه.
المرأة: لو كنتم منصفينَ لأعجبَكم الخاطبُ الأول، فهو الأحقّ أن تقبلوا به وتختاروه عريساً لدجلة .
الفتاة: أعجبَني الثاني والثالث، لكنّ الأكثرَ ذكاءً هو الثاني..
الجميع: هذا لا، هذا نعم. ذلك. ما أغباكم. لن اقبل. أوافق. لن أوافق. اسمعوني.
(يكتبون على أوراق أمامهم، ترن هواتفهم الخلوية. يجيب الثلاثة. ينودون برؤؤسهم. يهمهمون. يضعون هواتفهم جانبا. يدخل الخطّاب الثلاثة مثل الروبوتات. عيونهم جامدة وحركاتهم آلية. الرجل والمرأة والفتاة يتحدثون بصوت واحد)
الثلاثة: أيها الأساتذة الكرام. شكراً لحضورِكُم. حقيقةً، اللجنةُ في غايةِ السعادةِ والحيرة. مستوياتُكُم مبهرةٌ إلى أبعدِ حدّ. ولذلكَ، سنجتمعُ ونقرّر.. وسنعُلِمُ المحظوظَ الذي يقعُ عليهِ الاختيار، ونُهنئهُ على انتصارِهِ الكبير.. شكراً لحضورِكُم.
(يغادر الخطاب الثلاثة بطريقة آلية منظمة)
(ترن هواتفهم. يجيبون سوية. يهمسون. ينودون برؤؤسهم. يهمهمون. يضعون الهواتف جانبا)
الجميع: (يعودون إلى الصخب) رأيي سيمشي ولو بالدم، دم، دم. هذا ظلم.. أين العدالة.. أين الضمير.. أين الكرامة؟ لديك مصلحة.. لمصلحة من؟ من يقفُ وراءك؟ ارفض. اقبل. ارفض. ستندمُ على ذلك. ستندمين. ستندم. ستندمين أنت أيضا. كلامٌ فارغ.
(ترن هواتفهم. يجيبون سوية. يهمسون. ينودون برؤؤسهم. يهمهمون. يضعون الهواتف جانبا)
الفتاة: (بهدوء تام) عندي حلّ!
المرأة: تفضلي.
الفتاة: تتزوجُ الثلاثة.
المرأة: معا؟!
الرجل: لا يجوز الزّواج بغيرِ رجلٍ واحد.
الفتاة: تتزوجُهُم الواحدَ تلوَ الآخر.
المرأة: ممكن؟
الرجل: والقوانين؟
الفتاة: القوانينُ مثل المطاطِ بإمكانِنا جعلها طويلةً أو قصيرةً حسبَ الحاجة..
المرأة: وجهةُ نظرٍ مُعتبرة.
(ترن هواتفهم. يجيبون سوية. يهمسون. ينودون برؤؤسهم. يهمهمون. يضعون الهواتف جانبا)
الثلاثة: (في هدوء تام) لا بأس. نلتقي غداً. غداً نقابلُهم، غداً من جديد.. حسنا. لنتفقْ على شيءٍ واحد.. نرفضُ الرابع.. الرابعُ مرفوض.. مشطوبٌ من القائمة.. مشطوب.. مشطوب.. مشطوب!
المرأة: ويبقى الخيارُ بين الثلاثةِ الذين تقدّموا..
الرجل: عذرُنا معنا: الرابعُ لم يحضر.
الفتاة: وبذلكَ يسقطُ حقه.
الثلاثة: موافقون، موافقون، موافقون.
(ترن هواتفهم. يجيبون سوية. يهمسون. ينودون برؤؤسهم. يهمهمون. يضعون الهواتف جانبا)
الجميع: تأجيل.. تأجيل.. إلى الغد.. بعد غد.. الأسبوع القادم.. الشهر القادم.. السنة القادمة.. القرن القادم.. صحيح.. أنتَ على حق.. أنتِ على حق.. أنتما على حق.. اتفقنا، اتفقنا.. احترامي، احترامي.. تحياتي، تحياتي.. تشرفنا، تشرفنا.. لي الشرف، لي الشرف.. إلى اللقاء، إلى اللقاء، إلى اللقاء.
(يخرجون )
(يمر وقت من الصمت. ثم، نسمع انفجارا مدويا يهز المكان، تقع من جرائه صورة العائلة وتتهشم كليا).
انتهت

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية