شخصيات اسلامية بين العلوي والبدوي

عصام حافظ الزند
2016 / 10 / 10

شخصيات اسلامية بين العلوي والبدوي

قبل سنوات طويلة عرفت عن طريق احدى الدراسات عن كتاب لعبد الرحمن بدوي بعنوان شخصيات قلقة في الاسلام وقد كنت متشوقا للاطلاع عليه ولكني في حينها لم استطيع الحصول عليه ومضت الايام والسنون وخفت شوقي بل ونسيت الكتاب بعد ان كنت قد اطلعت على شيئ مما كتبه البدوى،بالترابط مع سارتر ومفاهيم الوجودية آنذاك والتي كنا لانعرف عنها اكثر من المقولات العامة" ان وجود الانسان سابق لماهيته" وانه حر في تصرفاته وغيرها مما اعتبرة الكثير انها افكار الحادية "
وقبل عدة سنوات طلبت مجموعة من كتب هادي العلوي الباحث التراثي الجرئ ومن القلائل المتخصصين في الصين وقد شدني منذ الوهلة الاولى كتابه المعنون شخصيات غير قلقة في الاسلام فقد اعادني الى عنوان كتاب بدوي السابق ولكن هذا العنوان زرع في نفسي شك جديد هل كان كتاب بدوي" بغير" او بدونها وعدت الى الانترنيت الذي اصبح آنذ متداولا عندي فوجد الكتاب بدون الغير ، وقلت لابد وان تكون بين الكتابين من صلة وقد يكون العلوي يرد او يناقش كتاب البدوي، ولكن استغرابي ازداد عندما قرأت كتاب العلوي فوجدته لايشير ابدا الى كتاب البدوي وكأنه غير موجود
ضم كتاب العلوي خمسة عشر شخصية اسلامية من مختلف العصور تتفاوت في دورها التراثي وشهرتها وبعضها كتبت تحت عناوين او تضمنت مقولات تضعف رزانة البحث وموضوعه اما المقدمة والتي قدمها تحت عنوان فاتحه فقد كانت في تقديري طويلة وضعيفة وادخل فيها عنوة تحمسه الماركسي وصينه ناهيك بخروجه عن الموضوع بهذا القدر او ذاك كما في الكثير من كتاباته وبحوثة
تصدر تلك الشخصيات سلمان الفارسي (روزبه الاصفهاني) واحتل عدد الصفحات الاكثر من بين تلك الشخصيات وقد اختار (لاعتبارت ليس هنا المجال للحديث عنها) شخصيات قد لاتكون بهذا الحجم التاريخي المهم او تكون اشكالية في العديد من الابحاث وقدمها على انها غير قلقة
..عند قرائته ازددت حماسا لان اجد واقرأ كتاب البدوي لعلي اجد الصلة بين الكتابين كان كتاب البدوي شخصيات قلقة في الاسلام والعلوي استخدم نفس العنوان مع اضافة ( غير) قلت لابد من صلة ولكن لماذا لم يذكر العلوي بدوي تجاهله تماما رغم قناعتي ان اطلاعات العلوي لابد وان تكون قد طالت بحوث او اغلب بحوث البدوي ، المهم فقد انتابني انا القلق لاني لم اكن قد اطلعت على محتوى كتاب البدوي
،بحثت حينها في الانترنيت وفي دور الكتب العربية والتي باستطاعتها ارسال الكتاب للمشتري اينما كان،فلم اجده وقررت ان استمرفي البحث عنه في القاهرة وخاصة المكتبات القديمة ،وقد استغرق الامر سفرتين حتى عثرت عليه وصاحب المكتبة بعد ان عرف شوقي وحاجتي للكتاب طلب اكثر من ضعف السعر بحجج واهية، اشتريته وبدأت فورا تصفحه فوجدته ليس تأليف بل"دراسات الف بينها وترجمها بدوي وصدرت عام ١٩٤٦ وقد جمع فيه بدوي ثلاث بحوث للوي ماسينيون، الذي اغنى التراث والتاريخ العربي والاسلامي بالعديد من البحوث والدراسات والكتب والتي تعد مرجعا لاغنى عنه لكل الباحثين العرب والاجانب ( ولكن العلوي تجاهله ايضا رغم انه من اوائل من كتبوا عن سلمان)
، اضافة الى ترجمة دراستين لهنري كوربان وباول كروس ،وكانت الدراسة الاولى للكتاب سلمان الفارسي والبواكير الروحية للاسلام في ايران والذي صدر في نشرات الدراسات الايرانية رقم ٧ في باريس سنة١٩٣٤
اذن هنا مربط الفرس الكتابين يتصدرهما سلمان الفارسي من اوائل المسلمين غير العرب والذي كانت له مكانة خاصة في الاسلام تصل احيانا حد التأليه والذي قال عنه النبي محمد "سلمان منا آل البيت" سلمان دون غيره كان فاتحة الكتابين في الاول قلق وفي بحث العلوي غير قلق ويخصصان له المساحة الاكبر وفي الجوهر فأن المعلومات الواردة في البحثين متشابهة الا في بعض التفاصيل وردت في هذا وذاك دون الاخر علما بأن دراسة ماسنيون المترجمة من قبل البدوي صدرت في عام ١٩٣٤ وضمنها بدوي كتابه عام ١٩٤٦ في حين ان كتاب العلوي لم يصدر الا عام ١٩٩٥ اي بعد ٦١ من الدراسة لماسنيون و٤٩ سنه لكتاب بدوي كما من غير المعقول ان يكون هادي العلوي ذي الروح البحثية التنقيبية اللجوجة في احيان كثيرة ،لم يطلع على كتب وبحوث عبد الرحمن بدوي الذي يعد بأعتبارة واحد من المع الفلاسفة والتراثيين العرب وقد اغنى المكتبة والدراسات العربية والاسلامية بقيم ثقافية ومعرفية مهمة جدا فقد وصفه طه حسين قائلا" لاول مرة نشاهد فيلسوفا مصريا" لقد كان يجيد ثماني لغات منها الفارسية واللاتينية وكان اكاديميا مرموقا عربيا ودوليا وقد كان جريئا في طرحه وكتب في مواضيع تعد من المحرمات في الاسلام والتراث العربي ،وكتابه هذا بالذات لابد وان يكون العلوي قد اطلع عليه، ولابد انه كان يعرف ان لماسنيون دراسة هي الرائدة في هذا الموضوع
ولقد استغربت فعلا مرة اخرى من تجاهل العلوي لماسنيون ايضا،في بحثة هذا، ورغم انه ذكر بعض المصادر لم يذكر بينها لا دراسة ماسنيون ولا ترجمة بدوي،ثم انه ذكرماسنيون بطريقة اقرب التهكم في احد بحوث الكتاب الاخرى( صاحب الزنج). والعلوي صدر كتابه كما اشرنا بسلمان الفارسي على الرغم من ان عنوان الكتاب يشير الى معارضة في وصف بدوي " شخصيات قلقة في الاسلام" والعلوي " شخصيات غير قلقة في الاسلام"
المصيبة الاخرى التي واجهتها عند قرائة كتاب بدوي انني لم افهم معاكسة العلوي لبدوي وعلى ماذا تستند فبدوي قيم سلمان بعمق اكبروابهى مما فعل العلوي
في مقدمته يوضح بدوي معنى القلق الذي يستخدمه فهو لايقصد ابدا القلق بمعنى التأرجح أو عدم الثبات، بل انه كان يقصد ان هذه الشخصيات لم تقبل اوتكتفي بظاهر النص بل تدخل الى روحه، اعماقه مايختفي وراء تلك النصوص انه نفس القلق الذي احسه المعتزلة فيما بعد ومختلف الفلسفات الكلامية والغالبية من المتصوفة ان بدوي يجمع بين سلمان الفارسي والحلاج والسهروردي في كتابه لان ثلاثتهم ذو اصول فارسيةوهم الاقرب او من صلب المذهب الشيعي فقد كان سلمان من اتباع علي منذ السقيفة وعنه ينقل العبارة الفارسية المشهورة " كرديد ونكرديد" وتعني عملتم وماعملتم او قيل اصبتم واخطأتم، بدوي يعتبر ان هؤلاء ماهم في الواقع الا ممثلي التيارالروحي الذي ساعد على دمومة وتطور الاسلام فهو يقول "...... وعلى ضوءهذا التقرير لحقيقة الدين الحي نستطيع ان نفهم ونقدر الدور الاكبر الذي قامت به الشيعة، الى جانب السنة، في تكوين الروحية في الاسلام. فللشيعة أكبر الفضل في اغناء المضمون الروحي للاسلام واشاعة الحياةالخصبة القوية العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قويا غنيا قادرا على اشباع النوازع الروحية للنفوس حتى اشدها تمردا وقلقا. ولولا هذا لتحجر في قوالب جامدة"ويقول ايضا" وسلمان،هذا الفارسي الاول، كان إيذانا قويا بالدور الاعظم الذي سيقوم به جنسه في تكوين الحياة الروحية في الاسلام، ونقول.الدور :" الاعظم" ،وكان الاحرى بنا ان نقول الدورالاوحد، إذ الواقع ان تلك الحياة الروحية تكاد ان تدين بكل شئ فيها لهذا الجنس الا ري المتعدد الجوانب الخصب الملكات ،ومن هنا قامت النزعة الشيعية على يديه ،بالمعنى الذي حددناه آنفاَ لانه وحده ، من بين العناصر التي دخلت الاسلام، هو القادر على ايجادها."

ولاندري ما الذي حدى بالعلوي( وهو الشيعي رغم علمانيته وماركسيته ولكن من يقرا تراث العلوي سيجد حتما خيوطا قد تكون رفيعة جدا لان الانسان لايستطيع ان يخرج من جلده تماما) الى معاكسة هذا الرأي المنصف السليم من عالم فذ والذي عاش حتى أواخر عمره وجوديا ( توفى البدوي عام 2002) اريد ان اقنع نفسي ان العلوي نسي محتوى الكتاب ولم يبقى في ذاكرته غير العنوان الذي اوحى اليه بالسلبية ولم افهم المقصود في انها غير قلقة وماذا قصد بذلك في الغالب هو الثبات في العقيدة والسلوك ولكن هل الفرزدق شخصية غير قلقة وهو الذي كان قريبا ومادحا لآل البيت ولكن عندما دعاه احدهم للقتال معهم تخلص من هذه الدعوة بلباقة ثم انه فيما بعد مدح الاموين قتلت الحسين ومغتصبي الخلافة منهم وليس مقنعا ماقيل انه مارس المديح للامويين تقية ان الفرزدق عاصرغالبية الحكام الامويين وتوفى في زمن خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان سنة114 هجريه ان البحث الشيق للعلوي نفسه يدلل على قلق الفرزدق.
وهل صاحب الزنج علي بن محمد غير قلق فلو قرأنا حركة الزنج بموضوعية وبعيدا عن الادجلة لرأينا حجم الجرائم التي ارتكبت وبغض النظر عن مسبباتها وليس من الموضوعية ان اقف مبررا اومتناسيا الفضائع التي اركبتها بحجة الطبقية وانها ثورة المحرومين والعبيد ولو تتبعنا صاحب الزنج علي بن محمد بما ادعاه وخطابه الاول واستباحته البصرة لوجدنا انه لم يكن سويا في كثير من تصرفاته منذ ادعائه بنسبه لآل البيت الى اسباحته البصرة،و لقد غدى خراب البصرة مثلا يساق الى يومنا هذا
اما بشار ابن برد ومجونه الفارط وهجائه وتكالبه على الملذات والنساء ايكون بهذه الصفات غير قلق
ومن الشخصيات التي تناولها الكتاب شخصية يزيد الثالث او ماعرف بيزيد الناقص يستند العلوي على مايبدو على خطبة يزيد وهي خطبة متداولة في كل المصادر التاريخية التي اطلعنا عليها وليس فيها مايميزها عن الخطب التى قالها ويقولها جميع الحكام قديما وحديثا ويبنى عليها موقفه الفكري والعملي ( انني منكم وجئت كي ارفع المظالم عنكم وان وجدتم افضل مني اتخذوه مكاني وانتقاد لسلفه من الحكام .....) او انه استند على موقفه من القبارصة وارجاعهم الى بلدهم ولم يركز عن كيفية وصول يزيد الثالث الى الحكم حيث قاد انقلاب تموضع في المزة وتحين الفرصة للانقضاض على الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو ابن عمه ولاتعطي اخلاق الوليد وعسفه( لقد كان الوليد ماجنا وتعتبر فترة حكمه القصيرة ٧٤٣٧٤٤ فترة عصيبة) مبررا كافيا بل قد نجد في القدرية حجة اقوى هذا فضلا عن فترة حكمة التي تقل عن ستة اشهر والعلوي يميل الرأي الضعيف القائل بأنه قتل او سمم لما لهذا الرأي من فائدة لاثبات الثبات في حين ان المراجع التأريخية تؤكد على موته بسبب مرضه بالطاعون وانه من عين أخاه ابراهيم لخلافته ، كما ان البحث كما في غالبية بحوث العلوي كثيرا مايخرج عن الموضوع في جمل وشروح لاعلاقة لها بالبحث
ان الكتابات المنحازة الى هذه الجهة او غالبا ماتفقد الموضوعية في وضع الحدث انها في النهاية تهدف الى كسبك الى جانب رأيها
الشخصية الاخيرة التي تناولها كتاب العلوي كانت شخصية عمر بن عبد العزيز والتي جائت من عنوانها وحتى نهايتها مناقشة لمسلسل تلفزوني مصري وكان ممكن له ان ينشرها في مقالة منفصلة احتراما لموضوع بحوث الكتاب
ارجو ان لايفهم من هذة الملاحظات التي اشرت اليها على انها انتقاص من الباحث او من البحوث التي وردت في الكتاب ، لقد قرأت على كل ماصدر للعلوي من دار المدى ( عدى المعجم العربي الجديد وفصول عن المرأة) واستطيع ان أؤكد انه كان باحث جاد وكتب في موضوعات غاية في الحساسية في التراث العربي الاسلامي وهو باحث ينقب بدقة يعطي حيوية وتشويق لموضوعه واني كقارئ اوصي بقراءة ماكتب فيفها الكثير المعارف التي قد نجهلها عن تاريخنا
هناك الكثير من المساجلات الفكرية وبدوافع مختلفة عبر التاريخ ( ابن رشد والغزالي.تهافت الفلاسفة،تهافت التهافت ) ( محمود محمدشاكر ومعاركه مع استاذه طه حسين بعد صدور كتابه عن المتنبي عام 1938 والذي اعتبره شاكر انه في واقعه سطوا على كتابه عن المتنبي الذي اصدره قبل ذلك بسنتين وخلافه مع لويس عوض في كتابه اباطيل واسمار الذي رد فيه على عوض في مقالاته عن المعري على هامش الغفران. شيئ من التاريخ ) ( محمد عوده في كتابه الوعي المفقود الذي رد فيه على توفيق الحكيم الذي كتب عودة الوعي هاجم فيهفي عصر السادات 1972.عهد عبد الناصر) ( وكذلك علي الوردي في كتابه اسطورة الادب الرفيع الذي ناقش فيه الاستاذ عبد الرزاق محي الدين ومجموعة اخرى من الادباءوالذين استفزتهم ارائه في تمسكهم بالتقاليد الادبية القديمة )ولاننسى كتاب كارل ماركس ذائع الشهرة خاصة بين اليساريين بؤس الفلسفة والذي رد فيه على برودون في بحثه التناقضات الاقتصادية او فلسفة البؤس ) وهناك الكثير. ان تلك المعارك الفكرية والمساجلات سواء كانت بصيغة كتاب بمواجهة كتاب اومقال او بحث بمواجهة آخر وعلى وعورتها احينا او استخدام اشد الكلمات واقساها وروح الغضب والسخرية التي تصبغها الا انها في الغالب تعطي مادة تعليمية او تحليلية من كلى الطرفين خاصة بالنسبة للقارئ غير المؤدلج مقدما وقد كانت كلها واضحة من يناقش من ولماذاوهذا ما لم يقوم به العلوي ولو انه لم يتقصد ذلك السجال لوضح ذلك ولو بسطر واحد، فأننا لانعتقد ابدا ان هذا العنوان وموضوعه جاء محظ صدفة وربما لنا عودة في مناقشةاهم كتب او كراسات العلوي القيمة والجريئة فأن المناقشة وان احتوت بعض وجهات النظر المختلفة لاتستطيع بل ولاتسعى الى النيل من مكانة هادي العلوي البحثية والمعرفية

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت