ابكوا على الكتاب وأهله

حمودي عبد محسن
2016 / 10 / 8

ابكوا على الكتاب وأهله
قال العرب في زمن ليس بعيدا أن مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ أي أن العراقي جيد القراءة، صادق الحس، دقيق الذهن في الفطنة، يبتهج حين يقرأ، ويغذي نفسه بالمعرفة الشمولية، ويتابع قراءة الكتب الجديدة، وأن أنيسه هو الكتاب حتى في سفره، ويكاد لا يخلو بيت من مكتبة، ولا يخلو مجلس من حديث عن كتاب، وغالبا ما كان العراقيون يتداولون الشعر مسابقة أو منافسة طورا سواء كان ذلك مرحا أو ذما، وطورا آخر يصمت الجليس لأنه يحب أن يسمع في حضرة البلغاء، فلا يتكلم، ولا يسأل لأن كلام البليغ يؤنس مسمعه، ويبهج قلبه خير بيان المعاني في فصاحة اللسان، وحلاوة اللغة، وإيجاز الكلام. هكذا كان العراقي يستمد وحي الفكر الإنساني الحر الجميل عبر الكتاب الأخرس المتحدث في حلله الإبداعية، ولا نبالغ أن نقول أن حفظة الشعر في عالمنا العربي كان هم العراقيون، لذلك قال عنهم الجاحظ المعتزلي:(أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة، والنظر يكون التنقيب والبحث). ثم ذهب ابن ابي الحديد المعتزلي ابعد من ذلك حين وصف أهل العراق بأهل بصروتدقيق ونظر. أما اليوم فلا لطف مجلس، ولا حلاوة جليس، ولا ملاحة قراءة، فلم يعد العراقي كما كان سابقا، فهو يدخل غاضبا ويخرج حزينا تتقاذفه أمواج الحيرة والألم، ويحترق قلبه من هذا العذاب والبلاء، فهو بين ظالم لا يخجل، وفاسد لا يستحي، وبلده أصبح ـ غان جيان ـ يدخله أعجمي، ويتحكم به أجنبي رغم الأهازيج والهلاهل والزغاريد والتراتيل والخرافات، فالعراقي لا يقرأ، ولم يعد أنيسه الكتاب في جحيم هذه الأوضاع أما زيارته إلى شارع المتنبي الاسبوعية فهي تقتصر على رواد قدامى، لن يتخلوا عن نعم الجليس والأنيس الكتاب الذي ينطق الأحياء والموتى، ولا يستطيع أحد من الظالمين أو الفاسدين أن يبدله بكلام آخر أو يسكت صاحب الكلمات، فالكتاب لهؤلاء الرواد شجرة طيبة الثمار، وعمره طويل بينما عمر الحكام قصير.
اليوم اتصل بي تليفونيا أحد الزملاء، وهو يسألني عن مدى اقتناء العراقيون في السويد لكتابي (Gasill) الذي استغرقت في كتابته أكثر من عشرة سنوات وهو ملحمة طويلة بمئتين وثمانين صفحة، فلزمت الصمت، ثم بعد وهلة قلت بصوت حزين:
ـ لم يقتن الكتاب أحد.
برهة مرت قاسية مرعبة على صديقي، وقد تحول صوته الوديع الرقيق إلى بؤس، وهو يردد:
ـ ابكوا على الكتاب وأهله.
ثم راح يثرثر لوحده:
ـ لو كان الكاتب من جزيرة الواق الواق لخرجت الجزيرة كلها ترقص.
لم اتفوه بكلمة، ثم ما لبث أن سألني مرة أخرى:
ـ حتى سفارتنا الموقرة الغارقة في حفلات الترفيه مثل مئات الاتحادات والجمعيات العراقية لم تقتن نسخة واحدة.
فأجبت بايجاز:
ـ نعم.
فانتابه الهلع كما لو أن صاعقة هدت كيانه، فقال:
ـ لو حفلة ترفيهية لذهب السفير، واصحاب الجمعيات والاتحادات إليها.
ثم اعتذر لئلا كان قد تجاوز حده، وأنا متيقن بأن الكتاب قد يأتي زمانه، وأن كل من شغل نفسه بالكتابة لا يخلو قلبه من الأسى. فالكاتب والكتاب توؤمان لا يفترقان كما قال الشاعر:
يؤلف اللؤلؤ المنثور منطقه****وينظم الدر بالأقلام في الكتب
حمودي عبد محسن
2016.10.07

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي