لمصلحة من يتم -صبغ- عملية التحرير بصبغة دينية؟

سهيل أحمد بهجت
2016 / 6 / 6

سهيل بهجت - كاليفورنيا

كانت عملية الإطاحة بصدام و نظام البعث عام 2003 نقطة تحول كبرى في الشرق الأوسط و مفترق طرق للسياسة الأمريكية في المنطقة. تداعيات هذا الإسقاط انعكست على مجمل دول المنطقة لأن التغيير الّذي حصل وضع الأنظمة الحاكمة، في السعودية و سوريا و ليبيا، و حتى في إيران، موضع شكٍّ و تساؤل شعبي واسع. و من يحاول تحليل انهيار انظمة دكتاتورية في الرّبيع العربي، من تونس زين العابدين و مرورا بالقذافي في ليبيا و مبارك في مصر، و اهتزاز نظام الأسد في سوريا، بمعزل عن الشأن العراقي، سيكون تحليله غالبا غير دقيق و مفتقرا للدقة العلمية.
المشكلة تكمن في أن العراق انتج مثالا غير ناضج سياسيا و أبعد ما يكون عن عصر العولمة و الحداثة و حقوق الإنسان لأن كل الفرقاء السياسيين استعانوا بحواضن عشائرية و مناطقية في سبيل الحصول على أصوات الناخبين، الّذين هم غالبا أُمّيّون سياسيا و لا يعرفون حتى الفارق بين "الحكومة" ككيان منتخب، و بين "الدّولة" كنظام سياسي ثابت، يتم تغييره أو تعديله بآليات معقدة متفق عليها. العراق الجديد، و عبر نخبة سياسية تمتلك عقلية (ما قبل الدّولة)، وضعت البلد في وضع لا يحسد عليه لأن العراق – ذلك البلد المتعدد الأديان و القوميات – تم صياغته بأقل "علمانية" ممكنة، و النتيجة هي أن البلد سياسيا أصبح مشلولا و مقيدا بردود فعل طائفية هي مجرد انعكاس للصراع الطائفي السعودي – الإيراني.
لست متفائلا بشأن حرب تحرير العراق من الإرهاب الصحراوي الذي تموله أنظمة آل سعود و قطر و الإمارات، لأن العراق يخوض هذه الحرب بنفس الطريقة التي يستخدمها السّاسة الإيرانيون و هي استخدام الشعارات الدينية و المذهبية في هذه الحرب. أنا لا أعني أن الجندي العراقي ليس من حقه أن يستغيث بالإمام علي أو الحسن و الحسين و أهل البيت، فكل جيوش العالم، حتى أكثرها علمانية، تترك للجندي حرية التعبد و تلقي الدّعم الروحي أثناء القتال كشأن شخصي. لكن، أن يتم إنشاء جيوش كاملة تحت اسماء و شعارات دينية و كمليشيات حزبية خاصة، يضعف الجهد الحربي بدلا من تقويته لأن الإرهاب الدّاعشي و القاعدة و حزب البعث، يسعون بالفعل الى تحويل هذه الحرب، و هي حرب الإنسانية جمعاء ضد الإرهاب اللا أخلاقي، إلى حرب دينية و كأنها تتمة لقرون من التقاتل السّنّي الشّيعي.
إنه من المؤسف حقاً أن تجد المجتمع العراقي و الدّولة العراقية يغرقان في تبنّي الشّعارات الدّينية و تحويل المقاتلين العراقيين إلى فرق من الشّيعة و السّنّة و المسيحيين و الإيزيديين و غيرهم، و كأن الهوية العراقية ليست إلا انتماءا جانبيا أو شكليا غير حقيقي.
كان نظام البعث، و لا زال حزب البعث يفعل في العراق و سوريا أيضا، يكره و يحط من كل شيء يتعلق بالهوية العراقية و بكل ما يمت بصِلة للإنتماء الوطني، و كان النظام يقدم كلّ الخدمات و الدّعم للفلسطينيين، و الأردنيين و المصريين (أحيانا) مقابل دعم محدود للعراقيين، و غالبيتهم من أعوان النظام السابق. العراق الجديد وقع في فخ ثقافة مماثلة، و هي ثقافة صبغ كل شيء بصبغة دينية و طائفية، و غالبية الشخصيات الحكومة تؤمن بخارطات مذهبية و قومية تمتد إلى خارج العراق. فالشيعي السّياسي، غالبا، يؤمن بأمة إسلامية بقيادة الولي الفقيه الإيراني، بينما قرينه السّنّي، الذّي يشتم طائفية الدّولة ليل نهار، يؤمن بأمّة إسلامية يقودها مشايخ آل سعود و الأزهر، أحد أبرز المدارس الدّاعمة للإرهاب. حينها، ليس من المستغرب أن تجد السّياسي الكردي في بغداد يتبنّى خارطة "كردستان الكبرى" رغم علمه بأن الجغرافيا السياسية لا تسمح بتحقيق أي شيء من هذا القبيل.
ما أتمناه هو ان ينتصر العراق على الإرهاب الإجرامي، لكن التّمنّي شيء و تحقيق رؤية معينة على أرض الواقع، شيء آخر مختلف كليا. و لكي يتحقق ما نصبوا إليه لابدّ من إجراء عملية علمنة للدولة بحيث تضمن للمواطن و للمذاهب و الأديان و الأفكار أن تتطور و ترتقي بعيدا عن هيمنة الخطاب السياسي و هيمنة الدّين أو المذهب الواحد، لأن الإغراق في الخطاب الدّيني لن ينتج إلا المزيد من الصّراع و حلقة مفرغة من حرب الكرّ و الفر المستشرية في الشرق الأوسط.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول