خواطر في طمطمانيات التوبة 30 - 3 ( الأخيرة )

بارباروسا آكيم
2016 / 6 / 2

هناك محاولات حديثة العهد لبعض المفسرين والدعاة المسلمين في الغرب لربط إِسم عزير القرآني صاحب الهوية المجهولة بــ اوزير - أَي الإله المصري اوزيريس كما ينطقه اليونان - وقد تطرقنا في الحلقة الماضية الى هذا الإدعاء ...

ولكن اليوم سنوضح إِنَّ هذا الإدعاء لا يستقيم مع أَبجديات البحث التاريخي .

بالمناسبة إخواني هم فقط يحاولون إيجاد حل للورطة ، فلو وجدوا إِسماً في مكان ما في زمان ما يشبه إِسم عزير القرآني سيقولون : وجدناها ! حتى ولو كانت الشخصية في غابات الآمازون

ونبتدأ على بركة التاريخ بعناصر البحث التاريخي


مقدمة تعريفية : من هو اوزيريس في التدين المصري وماهي مصادر معلوماتنا عنه ؟

يقول ياروسلاف تشرني : [ وإسم (( اوزير )) الذي إِشتق منه الإغريق الإسم الإغريقي (( اوزيريس Osiris )) يبدو ان معناه (( حدقة العين )) أَو (( مستقر العين )) ويبدو أيضاً أنه اسم بشري الأَصل . ويحتمل أَن (( أوزيريس )) كان ملكاً دنيوياً حقيقياً أَضحى ممجداً أَو مقدساً بعد وفاته ، والاسطورة التي نسجت عنه لم تركز اهتمامها على حياته الأولى كملك أَو كحاكم لمصر ، انما وجهت اهتمامها على موته وعلى من جديد بعد مصرعه المأساوي والذي اضحى بعده حاكماً او ملكاً على عالم الموتى ، ولاتوجد رواية شاملة أو حتى كاملة معروفة حتى الآن لقصة (( أويريس )) في الوثائق المصرية ومصدرنا الرئيسي عن هذه القصة هي عمل المؤرخ الكلاسيكي (( بلوتارخ Plutarch )) عن (( ايزيس و اوزيريس )) . وبالطبع هناك إِشارات متواترة ومستمرة نجدها في النصوص المصرية من كل العصور يتضح من سياقها أن الاسطورة التي اوردها (( بلوتارخ )) تتسق في جوهرها مع مفاهيم العقيدة المصرية ]


الديانة المصرية القديمة ، تأليف : ياروسلاف تشرني ، ص 40 ، ترجمة : د. أَحمد قدري - مراجعة : د. محمود ماهر طه ، الطبعة الأولى - 1996 ، الناشر : دار الشروق - القاهرة


الآن نناقش لماذا نرفض هذا الإدعاء أَي أَنَّ عزير القرآني هو اوزير .

أَولاً : الإله اوزيريس ليس إبناً لإله آخر بل والد لإله وهو - حورس -..

ثانياً : اوزيريس ليس إلهاً متفرداً بالتدين المصري بل إِله في ثالوث ( اوزيريس - ايزيس - حورس ) وقد إِرتبط الإله اوزيريس بفكر الإنبعاث بعد الموت وفيضان النيل والخضرة

يقول ياروسلاف تشرني : [ وقرينة ((اوزيريس)) هي الالهة ((إيزيس)) كما كتبها اليونانيون أَو (( إِزت Eset )) بالمصرية القديمة وتعني - ((مستقر)) - أَو - ((عرش ))- وعلى ذلك يبدو أن اسمها كان تجسيداً لعرش (( اوزيريس )) الملكي ، واخت اوزيريس هي المعبودة (( نفتيس )) - في المصرية (( نبت حوت Nebthut )) وترجمة هذا الإسم هو (( سيدة القلعة )) وربما كان اسماً مصطنعاً مقابلاً لإسم زوجها الاله (( سـت Setekh )) أخو (( اوزيريس )) أَيضاً ، الذي قتله هو ومعاونوه ، لكن (( حورس بن اوزيريس )) استطاع بعد قتال متطاول مع عمه الشرير أَن ينتقم لأَبيه ، وأَن يخلفه على عرش مصر ]

الديانة المصرية القديمة ، تأليف : ياروسلاف تشرني ، ص 40 ، ترجمة : د. أَحمد قدري - مراجعة : د. محمود ماهر طه ، الطبعة الأولى - 1996 ، الناشر : دار الشروق - القاهرة
ثالثاً : لايوجد بين عقائد اليهود المصريين كما وصلتنا عن طريق الفيلسوف اليهودي فيلو الاسكندري أَو المؤرخ اليهودي فلافيوس جوسيفوس أَو عن طريق وثائق متعاهدي دمشق في متحف القاهرة أَو حتى عن طريق المؤرخين المصريين المسيحيين أَو آباء الكنيسة في الإسكندرية أَو حتى المؤرخين المسلمين كالمقريزي مثل هذا الإدعاء على اليهود المصريين
يعني مثلاً هناك طبيب يهودي مصري إِسمه جاك حاسون هاجر الى فرنسا في وقت لاحق كتب بالتفصيل عن تاريخ وعقائد اليهود في مصر وقرأت الكتاب بنهم شديد ولم أَقرأ عن أَي هرتلة من تلك التي يزعمها دعاة المسلمين
تاريخ يهود النيل : جاك حاسون ، ترجمة يوسف درويش ، الطبعة الثانية - 2008 ، دار الشروق - القاهرة

المهم ان الرجل في صفحة 25 وتحت عنوان ( يهود مصر في العهود القديمة الروائع الإغريقية ومواطن البؤس والهوان الرومانية بقلم : جوزيف ميليز مودرزجويسكي) تراه يقول :
يبتدأ بالحديث عن تاريخ يهود مصر

وفي صفحة 29 الى 30 تراه يقول :

كانت الهجرة اليهودية في القرن الثالث ميسرة للغاية من واقع انه أَكثر من مائة سنة من 301 الى 198 ق . م وكانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية اللاجيدية التي لم تكن تفصلها اي حدود عن مصر فتشكل على الفور شتات جديد نعلم عنه الكثير بفضل الكم الكبير من وثائق البرديات التي ساهمت في سد الثغرات والقاء الضوء على ماكان غامضاً من المراجع الأَدبية . إِن الأَجزاء الثلاثة لكتاب (( مجموعة البرديات اليهودية )) والتي تم نشرها فيما بين 1957 و 1964 (( من فكتور تشريكوفر )) ومعاونين ((الإسكندر فوكس )) و ((مناحم سترن)) تعد أداة عمل من الطراز الأَول
واليهود في مصر كما يقول حاسون كان لهم نوع من التمايز حيث انهم كتبوا معظم مراسلاتهم واعمالهم المختلفة باللغة اليونانية ولاتوجد اي وثيقة تظهر استخدام اليهود للغة الديموطيقية وهي اللغة التي كان يستخدمها المصريون في تعاملاتهم .. راجع نفس المصدر ص 34
وفي ص 39 - 40 يقول : (( لقد كان يهود مصر يستمعون الى التوراة باللغة الإغريقية وكانوا يتلون بتلك اللغة - شما إسرائيل - . لقد كانت الديانة اليهودية في المملكة البطلمية تتوافق تماماً مع اللغة والثقافة الإغريقية ، ولا أَحد في مصر اللاجيدية كان يحاول الضغط على اليهود لتغيير ديانتهم ، أَو منعهم من تقديس ربهم بطريقتهم الخاصة ))

المهم .. كما قلنا إِنَّ الرجل لم يترك شاردة أَو واردة في تاريخ يهود مصر إِلا وذكرها ، ومع هذا لم أَجد كما سبق وقلت أَي شيء عن هرتلة الدعاة المسلمين


رابعاً : نقطة مهمة يتناساها - عن عمد - مترجموا القرآن ومفسروه .. وهي أَنَّ [ عُزير ] هو اللفظ العربي القرآني . ومن جانب آخر يخلوا التراث اليهودي العبراني من هذه الشخصية .

بمعنى إنه حتى تقول ان [عزير] هو الإله المصري [ اوزير] أَي اوزيريس .. فيجب أَن تثبت أَولاً وجود هذه الشخصية عند اليهود ، لا أَن تقفز من الإتهام القرآني الى ربط لغوي ساذج .. ثم تقول : ربما .. ولعله .. ويمكن أَن .. الخ الخ ، لأَنَّ الإتهام القرآني يخص اليهود زمن محمد - على أَقل تقدير -


آسف لإطالتي .. وشكراً لسِعَة صدركم

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية