اسرائيل من دولة بلا حدود الى مستعمرة مغلقة

خالد خليل
2016 / 3 / 28

الحلم الصهيوني بارض اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات الذي تقلص فيما بعد الى اقامة دولة يهودية بين النهر والبحر ، ما زال يتقلص ويفقد جوهره فيما يتعلق بيهودية الدولة ، فرغم قوتها واحتلالها واستيطانها لم تستطع اسرائيل الخروج من فكرة المستعمرة التي لا بد وان تضيق باستمرار في محيط رافض للغبن الاستعماري والظلم التاريخي لشعوب المنطقة . خرجت اسرائيل من غزة وسيجتها باحكام ومن ثم بنت جدارها حول الضفة وما زالت ماضيه لاستكماله ، وها هي تسيج الحدود مع لبنان وسوريا بشكل محكم ولديها خطوط لاستكمال التسييج مع الأردن في المناطق المتصلة معها ، وقامت منذ فترة بتسييج الحدود مع مصر . وما زالت مصرة على اقامة دولة يهودية رغم وجود عشرين بالمئة من العرب الفلسطينيين الأغيار داخلها. 
السياسات الاسرائيلية في السنوات الاخيرة تجاه هؤلاء العرب تحتمل اتجاهين : الاول طردهم الى خارج الحدود وهذا يكاد يكون مستحيلا بسبب العرب انفسهم ، والاتجاه الثاني مواصلة التضييق على العرب ووضعهم في معازل داخل مجمعات التركيز المعدة لذلك ، وهذا ما يعتقد الإسرائيليون بغالبيتهم انه قابل للتحقيق وانه بالتالي سيؤدي الى هجرة طوعية لاعداد كبيرة منهم. 
الشارع الاسرائيلي في الوضع الراهن بات موحدا حول فكرة الدولة اليهودية الصافية ولم يعد بوسع اليمين المزايدة على اليسار في هذا الشان . إذن الدولة المؤسسة ومعها الجمهور في حالة من العماء السياسي ويسيران باتجاه الانعزال الجغرافي والثقافي عن المحيط .  
 
اللورد نتنئيل روتشيلد في رسالته الى هرتسل في 1903 كتب ما يلي : “اقول لك بصدق تام: انا سأرى بقشعريرة تأسيس مستعمرة يهودية بكامل معنى الكلمة. فمثل هذه المستعمرة ستكون غيتو مع كل الاراء المسبقة للغيتو. دولة يهودية صغيرة، تافهة، متزمتة وغير ليبرالية، ترفض من داخلها كل ما هو غريب ومسيحي”". لقد كتب صحفي اسرائيلي ذات مرة ان اسرائيل اذا استمرت باتجاهها الحالي الذي يميزه التطرف والعنصرية ورفض الاخر فان نبوءة روتشيلد سوف تتحقق.
لا شك ان اسرائيل من حيث الجوهر هي كذلك ، وبعدما تنتهي من تسييج حدودها ستكون كذلك أيضاً من حيث الشكل. فهي مستعمرة متزمتة تغلب عليها عقدة التفوق والاستعلاء . لا بل انتجت خطابا استعماريا جديدا يتبجح بالأخلاق والتقدم رغم دمويته ووحشيته في التعامل مع الشعب المستعمر(بفتح الميم)، لقد وصلت اسرائيل الى القمة في الممارسة الاستعمارية ولا يبدو انها وضعت حدودا لها او انها تنوي مراجعة سياساتها. بل هي ممعنة بالتحول الفاشي وجنون العظمة. كل ذلك ضمن حالة من الهوس الامني ، ما يفسر ظاهرة التحول الى غيتو او قلعة مغلقة باحكام وهي متأهبة باستمرار للمخاطر الخارجية.
في هذا السياق قال موشي ديان " ليس صحيحاً أن العرب يكرهون اليهود لأسباب شخصية أو دينية أو عنصرية، إنهم يعتبروننا بحق -من وجهة نظرهم- غربيين وأجانب وغزاة، جاءوا ليحتلوا بلداً عربياً ويحولوه إلى دولة يهودية". 

إذن الاستعمار الصهيوني لفلسطين ليس نسخة طبق الاصل للاستعمار الاوروبي وانما صيغة اكثر تعقيدا لانه استيطان إحلالي لمجموعة غريبة مكان اصحاب البلاد الاصليين واعتبار ذلك عودة الى ارض الميعاد التي وهبها الله لليهود دون غيرهم وليس احتلالا . في الجوهر هذا الفكر يحتم طرد او إبادة المجموعة الأخرى كما فعل المستعمرون الأوروبيون في القارة الامريكية.
  
الشعب الفلسطيني بصموده ومعه حركات التحرر العربية افشل الحلم الصهيوني الكبير بإقامة اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات وأفشل كذلك الحلم الصهيوني المقلص بإقامة دولة يهودية بين النهر والبحر ، ووفقا للواقع والمنطق التاريخي الذي يتفوق على منطق القوة الرعناء سيفشل أيضاً الحلم الصهيوني الاكثر تقلصا بإقامة دولة يهودية صافية في تخوم الخط الاخضر. 
المشروع الصهيوني الاستعماري يعتمد بجوهره على الاحتلال والطرد ومن ثم فرض الامر الواقع من خلال تغيير الجغرافيا والدمغرافيا وتزييف الرواية التاريخية. لم ينجح المشروع الصهيوني باستكمال هذه العناصر وفقا للرؤية والحلم الاصلي للحركة الصهيونية، ليس لانه اصطدم بمحيط يرفضه ، وانما لان هذا المحيط مصر على مواجهته وافشاله ولم ينكفئ عن إفراز الأدوات الضرورية لهذه المواجهة. 
تصريحات نتنياهو العنصرية المتوالية ومنها "قتل أي إنسان من قبل يهودي، لا يمكن مقارنته بقتل اليهودي على يد أي شخص آخر غير يهودي". او "الجدار حاجة أمنية ضرورية للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها"      او تصريحاته التي يعتبر فيها العرب في الداخل أعداء، وأن لهم دولة مستقلة مختلفة خاصة بهم، وأنهم لا يطبّقون القانون الذي يسري على الأكثرية اليهودية " كلها تصريحات تجسد بوضوح الفكرة الصهيونية التي اشرنا اليها وهي بحد ذاتها تشكل سببا في تقلص المشروع الصهيوني ، رغم ان اسرائيل صنفت مؤخراً الدولة التاسعة على مستوى العالم والأولى في الشرق الاوسط من حيث القوة العسكرية. والملفت ان هذه الدولة التاسعة اربكتها التصريحات الاخيرة للسيد حسن نصر الله فيما يتعلق بقدرة حزب الله على ضرب المواقع الحيوية ومن ضمنها النووية في اسرائيل. وقد يكون ذلك سببا اخر في تعميق فكرة السياج والمزيد من التقوقع والتقلص داخل الغيتو .  
ويعتقد كثيرون انه في حالة حصول تغيرات دراماتيكية في المحيط وفي دول الطوق تحديدا اي سوريا والأردن ومصر اضافة الى لبنان فان التقلص في المشروع الصهيوني قد ينحو نحو الاضمحلال، خاصة اذا ما استمرت اسرائيل بالابتعاد عن التسوية والإمعان في الانغلاق. وكما يبدو فان نتائج الحرب في الشرق الاوسط تشي بحصول تغيرات دراماتيكية ليست ببعيدة ، ولا يبدو في الأفق ان اسرائيل الحالية المجسدة للفكر الصهيوني الاستعماري ستغير جلدها.

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي