أراء ومقترحات في تطبيق الحوكمة في الجامعات العراقية

سفيان منذر صالح
2016 / 2 / 22

أراء ومقترحات في تطبيق الحوكمة في الجامعات العراقية
د. سفيان منذر صالح
ظهر مفهوم حوكمة الجامعات ليعبرعن الأزمة الحقيقية التي تمر بها المؤسسات الجامعية والحلول المقترحة لها، تلك الأزمة التي تتمثل في أن هناك إدارات جامعية وضعتها السلطة التنفيذية فوق الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، لتكون مهمتها اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون هؤلاء، دون أن يكون لأي منهم (الطلبة، أعضاء هيئة التدريس) حق مناقشة هذه القرارات أو االاعتراض عليها، وهو ما يعزز استمرار ثقافة العزوف عن المشاركة في الحياة العامة سواء داخل الجامعة أو خارجها، كما يضعف تطور الجامعة بوصفها المؤسسة الأكاديمية المفترض فيها أن تعيد صياغة التوجهات الثقافية والمعرفية والعلمية للمجتمع، نظرآ لوضع القرار في يد طرف واحد من اطراف المؤسسة الجامعية، ووضع باقي الأطراف من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس في وضع المتلقي لهذه القرارات والملتزم بتنفيذها دون مناقشة، فعلى سبيل المثال تؤخذ القرارات المتعلقة بالمناهج التعليمية دون أن يكون للطلبة حق المشاركة في صياغة خطط هذه المناهج والهدف منها، وتهدف فكرة الحوكمة إلى وضع كافة الأطراف أمام مسؤولياتهم، وما يعنينا في هذا المقام هم الطلبة في علاقتهم بالأدارة وبأعضاء هيئة التدريس، فالطلبة هم أصحاب المصلحة الحقيقيين، لأن الجامعات بنيت من أجل تقديم الخدمة التعليمية وأعدادهم على المستويين الفكري والمعرفي للمستقبل، وهم من يتأثر بشكل مباشر بالقرارات كلها التي تصدرها الجامعات أو وزارات التعليم العالي والبحث العلمي أو هيئات اعتماد مؤسسات التعليم العالي، في الوقت ذاته نجد هذه القرارات تصدر بمعزل عنهم وعليهم الألتزام بها وتنفيذها دون أن يكونو ا قد شاركوا في مناقشتها أو في تحديد مساراتها، وهذا الوضع يحتاج إلى تصحيح بحيث يكون للطلبة الحق في المشاركة في إدارة شؤونهم الخاصة وجزءا من عملية صناعة القرار داخل المؤسسة الجامعية، مما يعزز ثقتهم في أنفسم، و يدربهم على تحمل المسؤولية، ويزرع فيهم روح المشاركة الأيجابية في الحياة العامة، وهذا هو مضمون عملية حوكمة الجامعات، مع وجوده عدة معضلات ، تحول دون تطبيق هذا المفهوم، تحتاج إلى حلول حتى يلقى مفهوم حوكمة الجامعات مساره التطبيقي الصحيح .
من خلال ما تقدم ، يمكن استخلاص المعاني الأتية لمفهوم حوكمة الجامعات: -
مجموعة من الأنظمة الخاصة بالرقابة على أداء الجامعة - تنظيم للعلاقات بين مجالس حوكمة الجامعة ( مجلس الامناء، مجلس الجامعة، مجلس العمداء (وهي مجموعة من القواعد يتم بموجبها إدارة الجامعة والرقابة عليها وفق هيكل معين يتضمن توزيع الحقوق والواجبات فيما بين إدارة الجامعة ومجالس حوكمة الجامعة بما يضمن جودة مخرجات الجامعة.
لذا يمكن القول أن الحوكمة الصالحة هي كتلة متكاملة تخلق التوازن داخل العمل الذي يسبب فقدانة خللآ كبيرآ في الجامعة، كما أن للحوكمة ثلاث قواعد أساسية يجب أن تسير عليها أي مؤسسة وتطبقها بالتفصيل وبإحكام كي تحصل على شهادة الحوكمة، وهذه القواعد هي: قاعدة الشفافية ، والمقصود بها تصميم وتطبيق النظم والآليات والسياسات والتشريعات وغير ذلك من الأدوات التي تكفل حق المواطن، والقاعدة الثانية: قاعدة المساءلة، وهي تمكين المواطنين وذوي العلاقة من الافراد والمنظمات من مراقبة العمل دون أن يؤدي ذلك الى تعطيل العمل أو الاساءة الى الاخرين ، والقاعدة الثالثة هي: قاعدة المشاركة، أي إتاحة الفرصة للمواطنين أو الافراد والجمعيات الاهلية للمشاركة في صنع السياسات ووضع قواعد للعمل في مختلف مجالات الحياة وبخاصة الاعمال الحكومية ، و يمكن القول أن هنالك مجموعة معوقات تحول دون تطبيق مفهوم حوكمة الجامعات منها: الثقافة السائدة في المجتمع، و المناخ السياسي العام، التشريعات الجامعية، و طريقة إدارة الجامعة، و غياب أعضاء هيئة التدريس عن الحياة الجامعية .
وفي الوقت نفسه فإن الحوكمة الصحيحة تكون نابعة من الذات، و قائمة على : - الامتثال للنواهي والبعد الكامل عن الاضرار بالاخرين أو الاعتداء على حقوقهم ، الطاعة للأوامر التي تصدر عن مجالس الحوكمة للجامعة وعدم الخروج عن أحكامها وعدم مخالفتها وبالتالي إشاعة روح المسؤولية وثقافة الالتزام ، الحرص على النظام داخل الجامعة، وتأكيد ثقافة العمل الجماعي بما يتماشى مع الانظمة والتعليمات النافذة في الجامعة ، الحرص على تحقيق الاهداف الاستراتيجية للجامعة على أن يعرف كل فرد دور ه في تحقيق هذه الاهداف ،( مقاومة الفساد إن وجد داخل الجامعة والقضاء عليه) ، وعدم السماح بتكوين بؤر فاسدة للإضرار بمصالح الجامعة .
أن الحوكمة بذلك تملك مقدرة الفعل المؤثر في تحقيق الاهداف ، كما أنها تركز من قوة الرغبة في تحقيق الاهداف وبدرجة عالية من الاتقان، و من ثم فأن تفاعل كل من عناصر المقدرة والرغبة يوجهان السلوك ، ويحققان الانجاز ، وفقا للمعادلة : الانجاز " السلوك " = القدرة × الرغبة.
مما سبق يتضح الاتي :
• يغطي نظام الحوكمة مجموعة من النشاطات والعمليات والاجراءات في المستوى الشامل للجامعة ، إذ ترتبط مع بعضها بعضاً من خلل شبكة من القوانين والسياسات والاشخاص.
• الحوكمة تنظم وتوجه العلاقات المتشابكة بين العديد من أصحاب المصالح الذين يتبادلون المصلحة والتأثير مع إدارة الجامعة ، من خلال نظام رقابة شامل ومعقد يؤثر في طريقة توجيه الجامعة وأدارتها والسيطرة عليها .

مراحل تطبيق الحوكمة في الجامعات
هناك مجموعة من المؤشرات التي يتم بموجبها قياس مدى فعالية الحوكمة في الجامعات من خلال مجموعة معايير تعكس وتوضح بصفة عامة القيم التي تسود وتؤثر في حوكمة الجامعات وهي مجموعة معايير توضحها النقاط الاتية :

• وجود بيان بالقوانين والانظمة والتعليمات المتضمنة أفضل أساليب ممارسة سلطة مجالس الحوكمة العليا في الجامعة وقياداتها الادارية .
• مدى المشاركة النسبية لغير أعضاء مجالس الحوكمة والمديرين في صنع القرارات و في توجيه مسار العمل في الجامعة .
• مدى وجود فصل وتقسيم العمل و أدوار مجالس الحوكمة والموظفين في الجامعة.
• مدى وجود لجان رئيسة تابعة لمجالس الحوكمة تتناول الاعمال التي تحتاج إلى بحث ودراسة تفصيلية .
• مدى درجة الافصاح عن رواتب ومكافآت أعضاء مجالس الحوكمة والموظفين وما يتصل بها من انجازات وأعمال تم القيام بها ، ومدى ما حققه كل منهم من نتائج واتساقها مع ما يتم التعاقد عليه معه.

تعد المعايير السابقة مرتكزات أساسية لمراحل تطبيق الحوكمة في الجامعات أكد عليها اغلب الباحثين في هذا المجال ، ووضعوا خمسة آليات لتطبيق ستراتيجية الحوكمة :

1. التعريف بالحوكمة وتكوين رأي عام مؤيد لها .
2. بناء البنية الاساسية للحوكمة .
3. وضع برنامج معياري للحوكمة وتحديد توقيتاته القياسية .
4. تنفيذ الحوكمة وتطبيقها .
5. متابعة الحوكمة وتطويرها .

ولتحقيق الحوكمة في التعليم العالي نوصي بالاتي :

1. عقد دورات تدريبية للقيادات العليا في الجامعات، مع جميع العاملين للتعريف بالحوكمة في الجامعات ومبادئها ومعاييرها وآليات تطبيقها.
2. إجراء دراسات حول التفكير االاستراتيجي وأدارة الحكمة في مؤسسات التعليم العالي .
3. إشراك أصحاب المصالح في إعداد التشريعات والقوانين الخاصة بالجامعات.
4. ان تضع الجامعة المعايير الخاصة بالرقابة الداخلية .
5. ان تكون للجامعة خطة ستراتيجية ( طويلة او قصيره ) .
6. ان تكون للجامعة خطة سنوية ، وقياس مدى تحقيق الاهداف للخطة الموضوعة .
7. وضع ستراتيجيات معمقة مع اليات المناسبة لتحقيق هذة الاستراتيجيات مستقبلا .
8. أن تسعى الجامعة باستمرار لتطوير الانظمة والتعليمات حسب متطلبات العصر .
9. تقييم خطط وبرامج الجامعة بأستمرار ، وأن تضع الجامعة معايير واضحة لتقييم الاداء للهيئتين الادارية والاكاديمية .
10. ان تشارك الجامعة مع المجتمع المحلي ، ومن الاكاديمين والموظفين والطلبة في وضع خطط التطوير بناءآ على التغذية الراجعة ( (feed back .
11. أن يشعر جميع العاملين في الجامعة بالامن الوظيفي من خلال الحقوق والواجبات .
12. أن يكون للجامعة برامج للتدريب والتعليم المستمر من خلال مراكزها المختلفة.
وبالتالي يجتهد القائمون على الجامعات في صياغة رسالة الجامعة، التي تحدد لاحقآ االاهداف العليا للجامعة، ومهما اختلفت صيغ هذه الرسائل إالا أنها تجمع بشكل أو بآخرعلى أن أسمى أهداف الجامعات يتركز في هدفين أساسين الاول: تعليم جيد يتمثل في الدفع بأفواج الخريجين المؤهلين لملىء الشواغر في المؤسسات المختلفة للدولة بما يتناسب واحتياجاتها، أي أن يكون هناك توافق بين متطلبات المجتمع ونوعية الخريجين ، والهدف الثاني: يعبر عن خدمة المجتمع من خلال التفاعل بين الجامعة والمجتمع واسهام الجامعة في حل القضايا بأنواعها المختلفة على الاصعدة ة كافة من خلال الابحاث وورش العمل الصناعية، و التعليمية، و الاجتماعية، و الزراعية، وغيرها ، والحوكمة الذكية قادرة على تحقيق هذين الهدفين ، وتعد الجامعات شرياناً رئيساً لا غنى عنه في بناء المجتمع، وتوعيته، وتعليمه ليرقى إلى أعلى مستويات العلم والحضارة، لاجيال الحاضر والمستقبل ، لذا على القائمين على التعليم العالي ملاحظة ان بعض الجامعات تعاني من ضعف في الحوكمة بسبب تعدد الجهات الرقابية وجهات التدخل واحتماء بعضهم وراء العلاقات الشخصية مما يؤدي إلى عدم احترام توصيات المجالس الاكاديمية ، كما أدى إلى ضياع هذه الجامعات في المزاجية وسرعة التغيرات، وانعدمت المؤسسية والاصول الاكاديمية فيها ، لذا تعد استقلالية الجامعات ضرورة ومتطلبآ اساسيآ للتميز والريادة وليس أدل على ذلك من أن الجامعات الحاصلة على أفضل التصنيفات العالمية هي مستقلة وتتمتع بحوكمة رشيدة، إذ إن الاستقاللية وحدها لا تضمن الممارسة الاكاديمية الحسنة .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية